العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

بريد القراء

من عبق الماضي.. الحاخام شمعون.. مثال للتسامح

الجمعة ٢١ ٢٠١٨ - 10:30

المنامة، عاصمة مملكة البحرين منذ الأزل، يسكنها أو قل سكنتها الديانات السماوية الثلاث، الإسلام واليهودية والنصرانية، إلى جانب الديانات الأخرى، وأهمها الديانات التي نشأت في الهند، ولها معابدها الخاصة، أيضا.. في المنامة بالذات، أما القرى وأطراف المملكة في الشمال والجنوب والشرق والغرب فهي خالية من هذا التنوع الديني وأهله.

واليهود والمسلمون متجاورون في الفرجان، من فريق الفاضل وما جاوره من الفرجان إلى فريق الشيوخ (فريق بوصره)، وفريق بن جعفر المحيط بالمسجد الجامع الكبير، للمغفور له الشيخ علي بن خليفة آل خليفة والد الشيخ عيسى بن علي بن خليفة آل خليفة، والمشهور بجامع المهزع لكون آل مهزع يتولون الإمامة فيه، وفي مقدمتهم الشيخ القاضي الرئيس قاسم المهزع رحمه الله تعالى.. هذا في الفرجان جنبا إلى جنب إخوة وأصدقاء، النساء مع النساء والرجال مع الرجال والأبناء مع الأبناء في الفرجان والمدارس، وتعدّ عمارة هلال المطيري الواقعة إلى شمال المنامة والمحاذية للجمارك والجوازات من الشمال سابقا من اهم التجمعات التي تضم يهود البحرين، أذكر منهم خضوري مالك البيت الواقع بفريق النعيم الشرقي حيث استأجرنا منه البيت ليكون مقرا لنادي اللؤلؤ عام 1962 إذ كان للشباب خير معوان.

ويهود البحرين تجار بطبعهم أصحاب مهن وصيرفة وتجارة الأقمشة، وللرجال منهم دكاكين في المنامة تحاذي دكاكين المسلمين بكل حب ومودة وتبادل تجاري قائم على التعاون، والنساء منهن يتعاملن ببيع القماش (الخلق)، حيث يقمن بالمرور على البيوت ويعرضن أنواع القماش على ربات البيوت في جلسة حميمية يتخللها تناول القهوة والشاي والتفاهم على الأسعار، وجميع نساء ذلك الزمان يتدثرن بالعباية (الدفة) مثلهن مثل النساء المسلمات لا فرق بينهن إلا من حيث الوجه، فاليهوديات سافرات الوجه والمسلمات يضعن (الملفع)على وجوههن إذا خرجن للتسوق أو زيارة الأهل، والنساء المسلمات الكبيرات في السن يضعن على وجوههن (البطولة).

وببراءة الأطفال يتشاركون في الألعاب الشعبية القديمة، ولي صديق من يهود فريقنا اسمه عادل، وله أخت اسمها رحمة صغيرة تلعب مع البنات -هذه المذكرات قبل عام 1948-، في تلك الحقبة لا توجد إلا مدرستان ابتدائيتان في المنامة، الشرقية على شارع الشيخ عبدالله لأبناء شرق المنامة، والغربية لأبناء غرب المنامة، وكل مدرسة تضم اليهود والمسلمين كتفا بكتف بغضّ النظر عن جنسيتهم ودينهم، وفي حصة الدين -لا يُدرس الدين الإسلامي إلا للمسلمين-، واليهود يطلب منهم قضاء حصة الدين في أي نشاط مدرسي يحبونه أو يفضلونه، إلا تلميذا يهوديا كان يصر على أستاذ الدين ان يبقيه بالصف لأن والده يحثه على تعلم الدين الإسلامي، وبحسب قول التلميذ فإن والده يحثه على تعلم الدين الإسلامي ويقول له: لا فرق، كما أتذكر الاخوين روبين وشقيقه حسقيل على ما اعتقد.

ورجوعاً إلى عنوان الموضوع وهو الحاخام شمعون.. هو رجل طويل القامة، وقور، يلبس بدلة سوداء وطربوشا أسود مستطيلا مثل الطربوش العراقي لا المصري.

منزله في فريقنا فريق الشيوخ، على شارع آل خليفة مقابل بيت نوخذا الغوص المشهور مهنا المهنا.

والحاخام شمعون يقوم بذبح الدجاج والحمام في الفناء الخارجي من بيته ويتقاطر إلى بيته صباح كل جمعة أصحاب الديانة اليهودية مصطحبين الدجاج والحمام، ليقوم هو بذبحها بحسب الشريعة اليهودية، والذبح بموسى حادة يمررها على رقبة الدجاجة أو الحمامة، وهو الذي يقرر إن كانت الذبيحة حلالا أم حراما أكلها، وينتهي بآخر ذبيحة، ويسلم على الجميع ويدخل بيته بابتسامة وسلام على الحاضرين المتحلقين حوله من اليهود والمسلمين.

نعم، ان البحرين هي بلد التسامح والتحابّ والأُلفة بين البشر من كل الديانات ومن كل الاجناس البشرية، قال تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (13. سورة الحجرات)، وأحب أن أشير هنا الى ان أول كنيسة للنصارى بنيت في البحرين هي كنيسة المستشفى الأمريكي الذي تم تأسيسه عام 1901 الواقع على شارع خلف العصفور في المنامة، وهناك كنائس كثيرة للمسيحيين، أما المعبد اليهودي فيقع إلى الشرق من سوق الدلالوه والحراج غير بعيد من فريق الشيوخ وفريق المهزع، كما ان هناك معبدا كبيرا للهندوس على الشارع الحضرمي، اما بالنسبة للمسلمين فالبحرين دولة تعتنق الدين الإسلامي منذ فجر الإسلام وتنتشر فيها المساجد بكثرة في طول البلاد وعرضها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها.

هذا التنوع في الاجناس والأديان في بلادنا الغالية رسخه صاحب الجلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة وثبته على أرض الواقع حتى غدت بلادنا مثلاً أعلى في التعايش السلمي بين مختلف الديانات والأجناس. حفظ الله تعالى البحرين من كل سوء ومكروه، وإلى مزيد من الأمن والاستقرار وبناء بلادنا لتأخذ مكانها المنشود في سلم الحضارة والسلام.

يوسف محمد أحمد بوزيد

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news