العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٣ - الأربعاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

دراسات

أزمة العلاقات التركية الأمريكية .. بين التصعيد والاحتواء

 مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية:

الخميس ٢٠ ٢٠١٨ - 01:15

 

 

أدت قضية اعتقال القس الأمريكي، «أندرو برونسون»، إلى أزمة كبيرة بالعلاقات بين الحليفين التقليديين؛ التركي والأمريكي، فبعد أيام من فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على وزيرين تركيين؛ أعلنت تركيا إجراءات انتقامية شملت تجميد ممتلكات وزيري العدل والداخلية الأمريكيين في تركيا.

وجاء الإعلان التركي عن الإجراءات الانتقامية على لسان الرئيس، «رجب طيب أردوغان» في الرابع من أغسطس 2018. قائلا: «سنجمد ممتلكات وزير العدل والداخلية الأمريكيين في تركيا، إن وُجِدَتْ». وفي مسعى إلى منع المزيد من التصعيد، قال: «لا نريد أن نكون طرفًا في لعبة يخسر فيها الجميع»، معتبرا أن «نقل الخلافات السياسية والقضائية إلى المجال الاقتصادي سيكون ضارًا للطرفين».

وكانت الولايات المتحدة في خطوة غير مسبوقة، قد أعلنت، في الأول من أغسطس الماضي، فرض عقوبات على وزيري؛ الداخلية، والعدل، التركيين، «سليمان صويلو»، و«عبد الحميد غول»؛ لأنهما «قد لعبا دورا رائدا» في واقعة القس «برونسون».

 وتوعد الرئيس الأمريكي، بفرض «عقوبات كبيرة» على تركيا بسبب اعتقال القس الذي وصفه بـ«المسيحي العظيم»، وبموجب العقوبات، يتم تجميد الأرصدة المحتملة للوزيرين في البنوك الأمريكية، كما لن يتم السماح للمواطنين الأمريكيين بإجراء أي تعاملات معهما.

وقد اعتقلت تركيا القس الأمريكي في أكتوبر 2016، واتهمته بإقامة علاقات مع حزب العمال الكردستاني المحظور، فضلا عن رجل الدين المنفى، «فتح الله جولن»، وانتهاك انقلاب 2016، ووجهت إليه تهمتي «الإرهاب» و«التجسس»، وتم استهدافه من خلال قانون «جلوبال ماجنيتسكي» لعام 2016، والذي يسمح للحكومة بمعاقبة المسؤولين الأجانب مباشرة على انتهاكات حقوق الإنسان. 

ووفقا لما قاله «كيث جونسون»، و«روبي جرامر»، المحللان لسياسات الشرق الأوسط في تقريرهما لمجلة «فورين بوليسى»، فإن «فرض العقوبات على كبار المسؤولين الحكوميين في دولة حليفة هو تصعيد كبير وانعكاس لمدى تطور الخلاف بين الدولتين، ولاسيما في العامين اللذين أعقبا محاولة الانقلاب في تركيا».. وهو الأمر الذي جعل عددا كبيرا من المحللين يتوقعون العديد من السيناريوهات لشكل العلاقة في المستقبل. ففي حين أشار البعض إلى أن العداء سوف يستمر بين الدولتين، كان البعض الآخر أكثر تفاؤلاً، مؤكدين أن الاعتبارات الهيكلية المُلحة ستحافظ على علاقة الاثنين معا.

ووفقا لمحللين، فإن الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة، لم تبدأ مع اعتقال القس، «برونسون»، ولا مع العملية العسكرية المسماة «غصن الزيتون» ضد الأكراد في شمال سوريا، بل إنها متراكمة خلال السنوات الأخيرة، وربما بلغت ذروتها مع هذه العملية، نتيجة الخلافات الأيديولوجية والاستراتيجية بين البلدين، والتي بدأت في عهد الرئيس السابق، «باراك أوباما» بسبب اختلاف المبادئ والنهج الشامل للسياسة الخارجية لكل من الطرفين، فقد بدا واضحا وجود خلاف حاد في المواقف والمصالح بين واشنطن وأنقرة، وباتت الأخيرة أقرب إلى مواقف روسيا المنافس التقليدي لواشنطن والتهديد الأبرز لها. فمع انتخاب «أردوغان» رئيسا للوزراء في عام 2002 ثم رئيسًا للجمهورية، تغيرت السياسات التركية، وبدأت مراحل الشقاق تزداد، بدءا من قرار تركيا منع قوات الناتو من دخول قاعدة «إنجرليك الجوية»؛ لاستخدامها في إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003.

ويظهر هذا الخلاف بشكل خاص في التعامل مع القضية السورية؛ حيث تَعتبر تركيا قرار الولايات المتحدة دعم قوات وحدة حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، بمثابة «إهانة دبلوماسية كبيرة».

 وعلى الرغم من أن الدعم الأمريكي للأكراد قد أغضب تركيا منذ بداية الحرب الأهلية السورية، فإن «سينان سيدي»، محلل المخاطر بمركز «ستراتفور»، الأمريكي، أرجع توتر العلاقات بين البلدين إلى بداية تولي الرئيس، «ترامب» مهام منصبه في يناير عام 2017، مؤكدا، أن قرار واشنطن تقديم الدعم إلى القوات الكردية؛ دفع «أردوغان» إلى التعاون مع روسيا، ما عزز من تباين المواقف التركية الأمريكية حول سوريا أكثر من ذي قبل». 

في حين يعترف «سينان»، بأن حالة عدم الثقة المُتبادلة بين البلدين بشأن القضية الكردية، ترجع إلى عدد من الخلافات الأخرى، مثل الهجوم على المتظاهرين الأكراد في واشنطن من قبل حرس الرئيس «أردوغان» في مايو 2017، وعدم تقديم الولايات المتحدة الدعم الكافي له في أعقاب محاولة الانقلاب عليه في عام 2016، فضلا عن اختلافهما فيما يتعلق بمجمل الرؤية الاستراتيجية لكلا الجانبين حول مستقبل سوريا، ورؤيتهما للدورين الروسي والإيراني، سواء في المرحلة الراهنة أو المقبلة، فضلا عن شراء أنقرة أنظمة الصواريخ «S-400» الدفاعية من روسيا، التي تعارض الهيكل الأمني الحالي لحلف الناتو، والذي يخشى أن تحتوي على برامج تجسس خبيثة قادرة على اختراق شبكات الدفاع الأمريكية والأوروبية، وفي نفس الوقت تقوض محاولات الحلف في عزل موسكو. وكانت نتيجة هذه الخطوة أن صوت مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية 87 مقابل 10 أصوات، لتعديل قانون تفويض الدفاع الوطني من أجل وقف بيع طائرات F-35 إلى تركيا.

 وعندما تولى «ترامب» منصبه، كان «أردوغان» يأمل في تصحيح تصرفات عهد «أوباما» من خلال اتخاذ خطوات مثل تسليم «جولن، ووقف التعاون مع وحدات حماية الشعب». إلا أنه كما تقول «أماندا سلوت»، من معهد «بروكينجز» مع ذلك: «لم تحد الإدارة الجديدة بشكل كبير عن سياسات واشنطن القائمة تجاه تركيا، ما يعني مزيدا من الانقسامات». 

وعلى الرغم من أن الواقعة الأخيرة التي قوضت العلاقة الأمريكية-التركية، تبدو ضئيلة مقارنة بالقضايا الجيواستراتيجية الأوسع التي تثير الخلاف، مثل خلافاتهم حول الناتو والوضع في سوريا، فإن استمرار احتجاز القس «برونسون» تحت الإقامة الجبرية هو أحد المحاور الأيديولوجية والانتخابية المهمة لكلا الطرفين. تقول «راشيل زيمبا»، من مركز الأمن الأمريكي الجديد: «على المسؤولين الأتراك أن يظهروا اتجاها أكثر حدة لأسباب داخلية»، وكما يشرح «ماكس هوفمان»، من مركز أبحاث التقدم الأمريكي، فإن «المصالح السياسية لحزب العدالة والتنمية تخدمها الهجمات الخطابية ضد الولايات المتحدة، وخاصة قضية القس برونسون»، مضيفا: «من غير المرجح أن تتغير هذه الديناميكية الهيكلية في منتصف مدة أردوجان»، لاسيما أن «نتائج الانتخابات التركية الأخيرة من المُرجح أن تُعزز من هذه الاتجاهات، بعد أن أكدت لأردوغان المزاج القومي للناخب التركي».

 وينطبق الشيء نفسه على إدارة «ترامب»، وهو ما تؤكده «سلوات»، بقولها: «يبدو أن دعوتهم مدفوعة إلى حد كبير باحتجاج المسيحيين الإنجيليين؛ ما قد يجعل إطلاق سراح القس الإنجيلي «أولوية انتخابية وأيديولوجية»، غير أن ما يثير القلق-أكثر من هذه الخلافات قصيرة الأجل- التحولات المتعلقة بالنظرة الاستراتيجية إلى أنقرة، التي تنجرف بعيدًا عن الغرب، فيما أصبحت أيديولوجيتها المتعلقة بالسياسة الخارجية تتبنى نهجًا مواليًا أكثر للشرق، فضلا عن جنوحها في الوقت ذاته عن مبادئ أساسية مثل «تعزيز الديمقراطية»، ومن ثمّ إذا استمر الأمر على هذه الحال فإن انعدام الثقة بينها وبين واشنطن سيتصاعد. بشكل عام، يبدو الوضع غير قابل للتوفيق، في ظل سعي الطرفين إلى خدمة المصلحة الذاتية الأيديولوجية والاستراتيجية، وهو ما أشار إليه، «أيكان إديرميير»، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» بواشنطن: أنه «أمر غير مسبوق، أن تُعاقب واشنطن وزراء من حليفها «الناتو»، وبحسب ما أشار «بول راهي»، من مؤسسة «هوفر»: «ستظل العلاقات متوترة بين البلدين في المستقبل المنظور». 

وعلى الرغم من ذلك، فإنه مازال عدد من المحللين مقتنعين بأن الانقسام الدائم بين واشنطن وأنقرة أمر لا يمكن تصوره. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الحفاظ على العلاقات مع أنقرة، وإن كانت متوترة، هو بمثابة «ضرورة جيواستراتيجية»، ولعل خسارة أنقرة كحليف قوي للدول الغربية يعني جلب المزيد من «العداء» إلى الدول الأوروبية بلا استثناء، وهو الأمر الذي من المرجح أن يزعزع استقرار أهم شريك للولايات المتحدة من الناحية الأمنية، فضلاً عن امتلاكها جميع «الإمكانات» للعمل على اختراق «النفوذ الروسي قلب الشرق الأوسط». ووفقًا لما ذكره كل من «مايكل سينج»، و«جيمس جيفري»، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن الأهم من ذلك كله أن تركيا «تستطيع خلق حالة من الموازنة أمام إيران».

وعلى الرغم من أن تركيا في الوقت الراهن تميل بشكل واضح إلى إيران وروسيا، فيما يتعلق بالوضع السوري، فإن علاقتها لن تعتمد اعتمادًا كليًا عليهما، كبديل محتمل لواشنطن، فمن دون الولايات المتحدة، التي تعد بمثابة شريك رفيع المستوى موثوق به، ستفقد أنقرة الكثير من المزايا الأمنية والعسكرية ضمن «الناتو»، في الوقت الذي لدى أنقرة القدرة على التحول في أي وقت إلى الوقوف في صف مصالحها، فضلا عن أن المخاطر التي قد تترتب على بدء كسر تركيا لعلاقاتها مع الولايات المتحدة من المرجح أن تنطوي على «تنازلات أمنية واسعة النطاق في شكل: فقدان عضويتها في حلف الناتو وتأثر شبكة صواريخها الدفاعية الأمامية، وفقدانها المساعدات العسكرية الأمريكية والتكنولوجيا المتعلقة بها». 

وهناك عامل آخر مهم بالنسبة إلى تركيا للإبقاء على علاقاتها جيدة مع واشنطن، وهو مستوى التجارة والاستثمار. فوفقًا لإحصاءات مكتب الممثل التجاري في الولايات المتحدة، بلغ إجمالي التجارة مع أنقرة في عام 2016 ما يقدر بنحو 22.4 مليار دولار، وبلغت قيمة الصادرات التركية حوالي 9.9 مليارات دولار، والأهم من ذلك أن الاستثمار الأجنبي المباشر للولايات المتحدة في تركيا، بلغ 3.1 مليار دولار في نفس العام، وهو ما يجعل أمريكا شريكًا استثماريًا مهمًا. 

بشكل عام، تظل المزايا الاستراتيجية للحفاظ على تركيا داخل السرب الغربي تفوق بكثير فوائد محاولة استبدال أنقرة بحليف آخر، فيما تظل العلاقة مقيدة بالمصالح المتبادلة»، وفقًا لما ذكره «آرون شتاين» من المجلس الأطلسي لمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية.

على العموم، فإنه على الرغم من توتر العلاقة بين الحليفين التقليديين؛ نتيجة الخلافات الأيديولوجية والاستراتيجية بين البلدين؛ فإنه من غير المرجح أن نرى حالة الانقسام تتحول إلى انهيار كامل في العلاقة التي أثبتت استدامتها على الدوام خلال القرن الماضي؛ حيث تعتمد كل منهما على الأخرى في عدد من المجالات الرئيسية. غير أنه من الممكن تصور أن تبقى آفاق المصالحة مستبعدة في الوقت الحاضر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news