العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧١ - الاثنين ١٠ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

دراسات

تصريحات جونسون المسيئة للمنتقبات المسلمات.. الردود والنتائج المتوقعة

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية:

الاثنين ١٧ ٢٠١٨ - 01:15

المجلس الإسلامي البريطاني يرحب بقرار حزب المحافظين التحقيق مع جونسون


 

 

يبدو أن موجة الجدل التي اندلعت في بريطانيا مؤخرًا؛ بسبب تصريحات وزير الخارجية البريطاني السابق، بوريس جونسون، المسيئة للنساء المسلمات المنتقبات، والتي أسفرت عن تعرضه لتحقيق من قِبَل حزب المحافظين، مازالت مستمرة، بل وزادت من حدة الانقسامات، داخل بريطانيا، وخاصة بعد أن امتدت إلى الشارع، على أثر تداول رواد مواقع التواصل يوم الجمعة 10/8 مقطع فيديو يوثق لحظة طرد سائق أتوبيس لراكبة مسلمة رفضت خلع نقابها. 

ويظهر في مقطع الفيديو، الذي نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، سائق أتوبيس بمدينة بريستول يطلب من سيدة مسلمة بلهجة آمرة أن تغادر الحافلة؛ لأنها رفضت خلع النقاب، بعد أن دخل في نوبة صراخ وسب لها. يأتي ذلك بعد أيام من مقال كتبه «بوريس جونسون» بصحيفة «ديلي تليغراف» في الخامس من أغسطس، يتحدث فيه عن قرار الدنمارك حظر النقاب، واصفًا مرتديات النقاب بـ«صناديق البريد» و«لصوص البنوك». 

وأثار هذا المقال موجة انتقادات شديدة على الساحة السياسية البريطانية، حتى من داخل حزب المحافظين الذي ينتمي إليه، حيث طالبته رئيسة الوزراء «تيريزا ماي»، بالاعتذار، مضيفة أن «المرأة قادرة على اختيار ما ترتدي»، كما أدانها أيضا رئيس حزب المحافظين، «براندون لويس». وقالت عنها المرشحة البرلمانية السابقة عن الحزب «شازيا عوان– سكلي»: إنه «يرضخ لليمين المتطرف»، فيما وصفه «جيس فيليبس» من حزب العمال بالـ«عنصري»، وطالب «لورد شيخ» مؤسس منبر «مسلمون من أجل حزب المحافظين»، في صحيفة «ديلي تليغراف» بطرده من الحزب، واتهمه «ديفيد لاميه»، النائب العمالي، بـ«إذكاء نار الإسلاموفوبيا وبثّ الكراهية ضدّ المسلمين». 

وفي لندن نظم نشطاء مناهضون للعنصرية مظاهرة احتجاجية ضده، وحملوا لافتات كتب عليها عبارات: «ينبغي حظر جونسون وليس النقاب»، و«بوريس إسلاموفوبي». 

من جهته، رحب المجلس الإسلامي البريطاني بقرار حزب المحافظين، التحقيق مع جونسون، وقال هارون خان، الأمين العام للمجلس: إن أي تحقيق سيجرى يجب أن يراعي تأثير هذه التعليقات على الضحايا، وهن «النساء المُسلمات»، وخاصة بعد أن كتب أكثر من مائة امرأة ممن يرتدين النقاب إلى رئيس حزب المحافظين؛ للتعبير عن مدى التهديد الذي يشعرن به، نتيجة لما أثارته كلمات جونسون من تعصب، فيما أبدت «نادين دوريس»، عضو البرلمان البريطاني، انزعاجها من ربط العنف بارتداء النقاب، واتهام تيريزا ماي بـ«الاسترضاء الإسلامي». أما في حزب العمال المنافس، فإنه قد رأى أحد سياسييه أن جونسون «سيفعل أي شيء ليعود لعناوين الأخبار».

ولم تقتصر ردود الأفعال الغاضبة على السياسيين فقط، ففي صحيفة «الجارديان»، قال «دال بابو»، الرئيس السابق بشرطة العاصمة: إنه «بعد 30 عاما في الخدمة باستطاعته حصر عدد الضباط الذين لم يدلوا بتصريحات عنصرية على أصابع اليد الواحدة»، مؤكدا أن هذه التصريحات العنصرية من المحتمل أن تثير العنف ضد النساء المسلمات، مشيرًا إلى منهجية تزايد هذه الجرائم في بريطانيا، بعد إدلاء السياسيين بتصريحات عن المجتمع المسلم، كما حدث في عام 2006 بعد تصريحات وزير الخارجية –حينئذ- «جاك سترو» بشأن عدم رغبته في رؤية نساء يرتدين النقاب في دائرته الانتخابية.

 ونقلت إذاعة «بي بي سي» عن «ريبيكا هيلسنراث»، الرئيسة التنفيذية للجنة المساواة وحقوق الإنسان البريطانية، قولها: إن تصريحاته «تهين النساء المسلمات وتشوه سمعتهن»، في حين اتهمه اللورد «أندرو كوبر»، من حزب المحافظين، بأنه يثير التعصب العرقي، و«يغازل الفاشية»، فضلا عن «الخواء الأخلاقي»، وطالما يُنتقد «جونسون» على فشله في انتقاء كلماته عند الإدلاء بتصريحاته، الأمر الذي جعله يوصف بأنه «وزير خارجية بلسان غير دبلوماسي»، الأمر الذي كان مصدر تخوف الكثيرين وقت تعيينه كوزير خارجية لبريطانيا في 2016، حيث وصفته «الجارديان» البريطانية بأنه يتحدث على «غير دراية بحقائق الأمور». 

ووفقا لقواعد الحزب، يواجه جونسون تحقيقا تأديبيا بسبب انتهاك ميثاق شرف حزب المحافظين، وإذا اعتُبر مذنبًا، فسيواجه تعليقًا أو طردًا من الحزب.

 وينص الميثاق أنه يجب على «مسؤولي الحزب أن يكونوا قدوة يُحتذى بها لتشجيع وتعزيز الاحترام والتسامح، وليس استخدام موقفهم للتنمر أو الإساءة أو الإضرار أو التحرش أو التمييز غير القانوني ضد الآخرين». 

هذا، وقد تسببت تصريحات جونسون بالفعل في إلحاق ضرر كبير بالمجتمع البريطاني والحكومة بشكل عام، و«حزب المحافظين» بشكل خاص، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها الإدارة؛ بسبب قضايا مثل «بريكسيت»، وفضيحة التحرش الجنسي، وجدل حريق برج جرينفيل. 

وبعيدا، عن تقويض الإدارة، فقد عززت هذه الحادثة الانتقادات المُوجهة للحكومة التي لم تتخذ سوى القليل لمُعالجة تنامي «الإسلاموفوبيا» في بريطانيا، وفشل إدارة رئيسة الوزراء «ماي» في حماية المُجتمعات المُسلمة من التعصب، والتوتر الطائفي على المدى الطويل، ووفقًا لتقرير صدر في 2017 عن مؤسسة «رونيميد تروست»، البريطانية يقول : «يُعاني المسلمون من الحرمان والتمييز في عدد كبير من المؤسسات والبيئات، من المدارس إلى سوق العمل إلى السجون انتهاءً بالعنف في الشارع».

 ووجدت جمعية المُشاركة الإسلامية والتنمية، أنه خلال عام 2017 تم الإبلاغ عن 1678 جريمة كراهية ضد المسلمين في لندن وحدها، بزيادة تقدر بـ40 في المائة تقريبًا، مقارنة بـ1205 جرائم في عام 2016. 

وأشارت صحيفة «التايمز» إلى أن مستوى جرائم الكراهية الموجهة ضد المساجد ببريطانيا زاد إلى الضعف خلال عام، موضحة أن الشرطة سجلت 110 جرائم في الفترة بين مارس ويوليو الماضيين مقارنة بـ47 في الفترة نفسها من العام الماضي.

 وقالت صحيفة «الجارديان»، إن عدد جرائم الكراهية التي تمر من دون بلاغ كل عام يصل إلى 170 ألفا، وقد أظهرت معلومات من الشرطة في أنحاء إنجلترا وويلز تسجيل 80400 جريمة كراهية في عام 2016/2017 بزيادة 29% عن العام السابق، وقد بلغت غالبية الجرائم ذات الدوافع العنصرية نحو 78%.

وبحسب إحصاءات رسمية أصدرتها بلدية لندن، زادت الجرائم التي تستهدف المسلمين في العاصمة البريطانية خمسة أضعاف منذ اعتداء جسر لندن، وأظهرت البيانات ارتفاعا في الحوادث العنصرية المتعلقة بالإسلاموفوبيا، حيث تم تسجيل ألف و678 جريمة من هذا النوع في لندن خلال عام، حتى يناير 2018، مقابل ألف و205 جرائم في العام الذي سبقه. 

من جهتها، أكدت الشرطة البريطانية «سكوتلاند يارد»، أن معدل جرائم الكراهية ضد المسلمين في لندن قد يفوق الأرقام التي صدرت عن مكتب البلدية، كونه لم يتمكن من توثيق جميع الحوادث. وبحسب معطيات مشروع «تيل ماما» لرصد الاعتداءات ضد المسلمين في بريطانيا، فإن نسبة جرائم الكراهية ضد المسلمين التي وقعت خلال الأسبوع التالي لهجوم «مانشستر»  قد ارتفعت بنسبة 471% مقارنة في الأسبوع الذي سبقه. 

وأعلن المجلس الإسلامي في بريطانيا، أنه جرى الإبلاغ عن أكثر من 100 جريمة كراهية خلال الأسبوع الذي تلا نتيجة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث كانت المخاوف بشأن الهجرة عاملا أساسيا في نتيجته، فيما كشفت نتائج استطلاع للرأي أجراه اتحاد الطلاب الوطني في المملكة المتحدة، ونشرته صحيفة «الجارديان»، عن تعرض ثلث الطلاب المسلمين للانتهاكات في أماكن دراستهم، وأن المسلمات اللاتي يرتدين الحجاب «أكثر عرضة للقلق». وكان مركز الإعلام والتواصل الإقليمي التابع للحكومة البريطانية في دبي قد قال إن الحكومة البريطانية أطلقت في عام 2016 خطة عمل تتعلق بمكافحة جرائم الكراهية ضد المسلمين، ورصدت أكثر من مليون جنيه إسترليني لرصد وتسجيل ودعم الضحايا، وذلك بعد أن زادت حالات الإبلاغ عن كراهية للمسلمين من 729 حادثا في عام 2014 إلى 2622 في 2015، فيما يبلغ عدد المسلمين في بريطانيا نحو 2.8 مليون، أي ما يعادل 4.4 في المائة من إجمالي السكان.

وفي المقابل، يبدو في الوقت الحاضر أن تعليقات جونسون لم تُلحق الضرر بحزب المحافظين، فوفقًا لاستطلاع أجراه موقع «يوجوف» عقب أيام من مقال جونسون  في صحيفة «التليغراف»، عزز المحافظون من تقدمهم على منافسيهم الرئيسيين في حزب العُمال بنسبة 4 في المائة، حيث حصلوا على 39 في المائة مقابل نسبة 35 في المائة لحزب العُمال.  ومن المُرجح على المدى الطويل أن يضر ذلك بالحزب الذي يُنظر إليه على مدى سنوات عديدة على أنه عدو الإسلام، فقد لخص «هارون خان» الأمين العام لمجلس مسلمي بريطانيا، تأثير كلمات جونسون بقوله: «لقد كشفت هذه الحادثة عن تنامي الإسلاموفوبيا». 

ودأب المحافظون منذ سنوات على محاولة تحسين صورتهم بين الناخبين، حيث كان يُنظر إليهم بنفس ما وصفتهم به «تيريزا ماي» نفسها في مؤتمر الحزب في عام 2002 بأنهم «الحزب السيئ» في السياسة البريطانية، كما يُنظر إلى المحافظين على نطاق واسع على أنهم غير مُبالين تجاه العديد من القضايا الاجتماعية، مثل الهجرة، وسياسات رعاية الأطفال، وحقوق المعاقين، وقبل كل شيء المساواة العرقية والدينية، ما يؤدي إلى اغتراب قطاعات واسعة من الناخبين، بما في ذلك العديد من المسلمين، وما لا شك فيه، أن هذا الخلل سيتضاعف بشكل كبير بسبب ما قاله «جونسون». 

وبغض النظر عن الأضرار التي سببها لكل من حكومته وحزبه، بالإضافة إلى الجالية الإسلامية الموجودة في بريطانيا، فمن المرجح أن يخرج «جونسون» من تلك التصريحات وفي جعبته الكثير من نقاط القوة؛ حيث سعى إلى تعزيز شعبيته الانتخابية والشهرة السياسية الوطنية من خلال مخاطبة ود قاعدة الناخبين القومية اليمينية المتنامية، ما جعل المعلق السياسي في صحيفة الجارديان «جوناثان فريدلاند»، يشبهه بالرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، من خلال تبنيه منصة أيديولوجية تتوافق مع آراء الناخبين حول قضايا مثل: الحد من الهجرة، وشجب التعددية الثقافية، ورفض البريكسيت، وهو ما أكده أيضا «تيم بال»، من جامعة «كوين ماري» بلندن، في صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، بقوله: إن جونسون يهدف إلى كسب تأييد القاعدة الشعبية للحزب، فيما توقّعت صحيفة «التايمز» أن يصل جونسون إلى زعامة حزب المحافظين، في حال نجحت المناورة السياسية، وقال: «إن تصريحاته بشأن النقاب لم تكن مصادفة بل متعمدة».

على العموم، من المرجح أن ينعم جونسون على المدى القصير بنجاح ضئيل جراء هذه المناورة السياسية في تعزيز شعبيته من قِبَل ناخبي الجناح اليميني، لكنه سيندم قريبًا جراء الضرر الأوسع المتوقع للحزب والحكومة، بعد أن زاد من الشعور بالغربة والانعزالية لدى المسلمين البريطانيين، في وقت يتزايد فيه التوتر الطائفي، وجرائم الكراهية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news