العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

أضواء على حديث ومبادرة وزير الداخلية (6)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الأربعاء ٠٧ مارس ٢٠١٨ - 01:20

تهدف المبادرة التي أطلقها معالي الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية -رعاه الله- أثناء لقائه مع جمع من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية في يوم الأحد 21 يناير 2018 إلى صياغة استراتيجية وطنية لإعادة ترسيخ الهوية الوطنية البحرينية في ضمائر وعقول وسلوك المواطنين، بالشكل الذي يقود إلى منع ظهور النزعة الطائفية السياسية أو التقوقع القومي العنصري وإشاعة أجواء الانعزال والكراهية، الأمر الذي يتطلب علاجها تعاونا وتلاحما مجتمعيا صادقا لاجتثاث جذورها وليس إخماد نيرانها مؤقتا من ناحية، ومن ناحية ثانية أن المعالجات المطلوبة لتجاوز هذه الظواهر لا تنحصر في الإجراءات القانونية والتأديبية للمخططين والمروجين والممارسين لها وإنما تمتد إلى حزمة من السياسات التربوية والاقتصادية والتشريعية والاجتماعية، ومن ناحية ثالثة أن هذه الظاهرة ترعرعت في بيئة ملائمة هيئت مسبقا على فترة زمنية ليست قصيرة، الأمر الذي يتطلب أن تكون المبادرة شاملة وجريئة وخاضعة لمبادئ التخطيط الاستراتيجي، وهذا واضح في مرئيات معالي الوزير عبر اعتماده خمس ركائز أساسية لمبادرته الوطنية الخلاقة، هي (التشريعات والأنظمة -المناهج والمقررات -المطبوعات -حملات العلاقات العامة -وبرامج الانتماء).

ففيما يتصل بالمناهج والمقررات التعليمية، يعدها التربويون حلقة الوصل بين التربية كفلسفة ومجموعة أطر نظرية وفكرية تبنى على أسس قيمية واجتماعية وثقافية ونفسية ومعرفية لتؤسس لسلوك جمعي من جانب، ومن جانب آخر بين التعليم باعتباره الجانب التطبيقي الذي من خلاله تتحقق الأهداف التربوية التي في مقدمتها توجيه الطلاب والطالبات نحو السلوك المرغوب به مجتمعيا، وبما يؤدي إلى تكيف الفرد مع ذاته وانسجامه مع محيطه معا، وصولا إلى تحقق المواطنة الصالحة، وتعزيزا للهوية الوطنية الجامعة، إذ أن المناهج الدراسية تمثل الثقافة والمعرفة المشتركة غير الاختيارية بين جميع الطلبة، على عكس المؤثرات والمتغيرات الأخرى المتمثلة في الإعلام المقروء والمرئي والمسموع الذي غالبًا ما يحدده الفرد بذاته بحسب توجهه وميوله ورغباته. 

ومن هنا ينبغي أن تحرص القيادة التربوية على أن تكون دقيقة وهادئة في تضمينها لكمية ونوع المعلومات والمعارف المطلوب غرسها في نفوس وعقول الطلبة من دون استفزاز أو تجاوز لثوابت أي من مكونات الشعب، وبما يجعل من هذه المعارف والمعلومات كافية ومقنعة لغرس قيم الهوية الوطنية المشتركة، وتعزيز الولاء الوطني وتوحيد مفهومه لدى جميع الطلبة. كما ينبغي أن تتضمن المناهج جرعة كافية لتحصين الطلبة من النزعات التعصبية الانعزالية المبنية على أسس دينية أو طائفية أو قومية أو مناطقية مع تأكيد الاعتزاز بكل الأطياف والمكونات والأعراق الوطنية، وأن تهدف المناهج والمقررات الدراسية إلى غرس فكرة أن الوطن للجميع، وأن جميع المواطنين عليهم واجبات مشتركة تجاه الوطن مثلما لهم حقوق فيه، وأن الواجبات تسبق الحقوق، وبناء على ذلك يمكن الجزم بأن المناهج التعليمية إذا ما أعدت مفرداتها ومتضمناتها إعدادا علميا وتاريخيا سليما من قبل لجان علمية من المواطنين المشهود لهم بالكفاءة والوطنية والارتباط التاريخي والمصيري بالوطن فإنها ستعزز الذاكرة الوطنية التي تحاول القوى الظلامية مسخها. لكن ذلك لا يكفي لوحده لأن المناهج تبقى صماء إن لم يستنطقها المعلم في المدرسة والأستاذ في الجامعة، ورجل الدين في المسجد والمأتم، وقبل هذا الأب والأم وكل أفراد الأسرة، ما يتطلب إصلاحا تربويا مجتمعيا شاملا يبدأ بالمعلم باعتباره قدوة أولا، وعبر تزويده بالمعلومات والمعارف الوطنية الكافية ثانيا، وبحرنة المعلمين وتنويع أطيافهم الدينية والقومية في المدرسة الواحدة ثالثا، وتحسين لا بل تمييز مستوى دخلهم رابعا. ورب قائل يقول إننا نعاني من عجز في المعلمين وبالتالي لا نستطيع بحرنة هذا القطاع الكبير في الوقت الحاضر، اذكر للقارئ الكريم تجربة عربية ناجحة ومميزة في مجال التربية والتعليم، ألا وهي تجربة العراق قبل الاحتلال الأمريكي الإيراني، حيث كان العراق في السبعينيات من القرن الماضي يعاني من نقص شديد في إعداد المعلمين مقارنة بالتوسع الهائل في إعداد المدارس والمعاهد الذي رافق حقبة التنمية الانفجارية (1970-1980)، لسد هذا النقص سلكت الدولة ثلاث طرق، الأول وهو للمعالجة السريعة استقدمت معلمين من جمهورية مصر العربية، وفي الوقت نفسه دعت خريجي المعاهد والكليات المشبعة سوق العمل باختصاصاتهم أو أنهم بطالة مقنعة في دوائرهم إن كانوا موظفين إلى الاشتراك في دورات تربوية متخصصة مدة تتراوح بين (6-9) أشهر، ثم تم توظيفهم معلمين في المدارس الابتدائية بالنسبة لحملة الدبلوم، وفي المدارس المتوسطة (الإعدادية كما تسمى في البحرين) بالنسبة إلى حملة البكالوريوس.

والثاني التوسع في فتح نوعين من التعليم التربوي الأول دور المعلمين والمعلمات ويقبل فيه الطالب والطالبة المتخرجة من المتوسطة مدة خمس سنوات دراسية، ومعاهد المعلمين والمعلمات لمن تخرج من الثانوية مدة سنتين، يتخرج بعدها حاملا دبلوم تربية وتعليم، علاوة على كليات التربية (أربع سنوات بعد الثانوية) يتخرج منها الطالب بكالوريوس تربية وتعليم، وخلال سنوات قليلة تم سد الحاجة للموارد البشرية لقطاع التربية والتعليم بشكل كامل. هذه التجربة تلائم البحرين تماما للوصول إلى بحرنة قطاع التربية والتعليم، ومن أجل أن يؤدي تعزيز وتحديث وتوطين المقررات والبرامج الدراسية كامل دوره، إضافة إلى ما ذكر، فإن مجالس الآباء والمعلمين، ومجالس الأمهات والمعلمات يمكن أن تلعب دورا ملهما وتطبيقيا لما تهدف له تلكم المقررات، إضافة إلى النشاطات المدرسية المشتركة المتعددة كالسفرات المدرسية، والفرق الرياضية، والفرق الفنية والفرق الإعلامية وغيرها من النشاطات التي تعزز الألفة وتغرس المحبة في نفوس النشء الجديد بحيث يكون شعلة ضوء في أسرته ومحلته وقريته. 

ومثلما يقال إن الجيوش بقادتها، فإني أختم مقالتي بالقول إن المدارس بإداراتها، فإن كانت جديرة بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقها فإن النصر حليفها، وأي نصر ذلك، إنه نصر الولاء والإخلاص للوطن على الولاءات الجزئية، نصر المشاركة المجتمعية على الانعزال السلبي، نصر التقدم والتنمية، على التراجع والخرافات والهدم. 

حفظ الله البحرين خليفية خليجية عربية مسلمة وحفظ شعبها واحدا موحدا بأطيافه الوطنية الكريمة. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news