العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

معضلة التعليم.. ما بين حق ضائع وحقوق في طريقها إلى الضياع!

بقلم: د. خالد الباكر

الثلاثاء ٠٦ مارس ٢٠١٨ - 01:20

تابعنا في الفترة الماضية بألم، المعضلة التربوية التي ضربت الجزائر الحبيبة، في ملخصها سلسلة إضرابات متوالية لمعلمي المرحلة الثانوية، وردود أفعال من وزارة التربية؛ خلصت إلى فصل الوزيرة لمئات منهم، مع التهديد بالمضي في إجراءات إقالة ما يقارب عشرين ألفًا في حال استمرار الإضراب، ونقابات المعلمين تصارع؛ دفاعًا عن دعواتها للإضراب، ومسيرات غاضبة للطلبة الذين يشعرون أن رحى السياسة قد طحنتهم؛ في ظل قلقهم من عدم تلقيهم العلم مع اقتراب الامتحانات الثانوية النهائية. 

للموقف إسقاطات متعددة أغلبها مرّ، نبدأها تعليقًا من الشعور العام بافتقاد الحيلة لدى المعلمين، والذي تعاضد مع شعورهم بسوء وضعهم المادي، وهوان نظرة المجتمع إليهم، فالمتأمل للوضع الحالي للتعليم يرى أن الجميع أصبح خبيرًا في التربية، وكلٌّ يدلي بدلوه عن كيف يجب أن يقوم المعلم بعمله! فكل ولي أمر يلوم المعلم على نقص درجة التحصيل، وسوء خلق ابنه، وتراجع مستواه، واكتسابه عادات سيئة، ويبرر العديد منهم أفعال ابنه لدرجة أنه حتى في حالة اتخاذ إجراء ضد طالب تعدى جسديًّا أو لفظيًّا على المعلم يقيم ولي الأمر القيامة مبررًا أن المعلم ذو شخصية ضعيفة، وبأنه غير قادر على مسك زمام الأمور في الفصل! 

كما أن أصحاب الحسابات العملاقة في وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحوا يحكمون ويقررون ويعلقون ويوجهون بإصلاح التعليم، في حين تجد أن العديد منهم لم يكن طالبًا قدوة في أفعاله أو مستواه الأكاديمي، وسلطوا الأضواء على كل معلم مقصر، فعظموا من وقع موقف «معلم يضرب طالبا»، وتجاهلوا من يسهر الليالي وهو يصوب أعمال أبنائهم، ويضع اختباراتهم، ويكتب تقاريرهم الفردية، ويُعِدُّ الأنشطة المتنوعة باجتهاد شخصي بحت، غير منصوص عليه في وصف وظيفي. والأدهى من ذلك، أن مفهوم القدوة لدى أبنائنا وبناتنا قد مُسِخ ونُسِخ عما عهدته الأجيال التي سبقتهم، وصاحَبَ ذلك كله؛ تجرؤ غير مسبوق من الطلبة على معلميهم، فبَصَقَ منهم من بَصَقَ، وشَتَمَ من شَتَمَ، وضَرَبَ من ضَرَبَ، وعُلّق كل فشل على المعلم ابتداءً.

واستكملت دائرة إحباطات المعلم بلصق كل تقصير فيه من قبل مسؤوليه، وتخليهم عنه وقت النوائب والاتهامات، ووقوفهم في صف الإعلام وأدواته، حتى وقت شيوع الإشاعة! وتراكمت المتطلبات عليه، وتخالفت النظريات التربوية التي يقرها صناع القرار من غير تمكين حقيقي لمواجهتها، وزاد الطين بلة توفير فرص إعدادٍ وتمهنٍ لا ترتبط وطبيعة احتياجاتهم والتحديات التي يواجهونها يوميا في عملهم. 

من جهة أخرى، فموقف الوزارة في الجزائر غير محسودةٍ عليه أبدًا، فالمسؤولية جسيمة، حيث إنها ملزمة بمتابعة الأمر سياسيا وإداريا بكل تبعاته، وفي الوقت ذاته، عليها مراعاة حقوق الطلبة في التعلم التي كفلتها كل الدساتير، إلا أن المفقود من المعادلة هو صون ذات المعلم وتوقير مكانته وحفظ كرامته. 

وهنا يتساءل المرء عن سلامة قرارات الفصل الصارمة، التي هي نهاية غاية - من وجهة نظري، وليست بداية حل، والتي تؤدي إلى تأزيم الأمور، وتأصيل فكرة: إمكانية الاستغناء عن المعلم! ويمتد التساؤل عما إذا كان القرار ذاته سيطول عمال المصانع النفطية، أو رجال الإطفاء، أو الأطباء؛ لو قاموا بإضراب مماثل، فلو كانت الإجابة بأن معاملتهم ستختلف، سيكون فعلا لدينا أزمة حقيقية. 

وما يصعب الأمور للمتأمل في شأن الجزائر الحبيبة، هو الجدل الدائر مؤخرًا ما بين البنك الدولي وتقاريره وبياناته، التي تحذر بشكل مستمر من «فترة مالية عسِرة» تنتظر الاقتصاد الجزائري خلال مدى قريب، مقابل الردود الرسمية من الحكومة، والتي تركز على تكذيب ما جاء في هذه التقارير. بل، ووصلت إلى الشكاية الرسمية لدى البنك الدولي من عدم صدقية هذه التقارير. 

الشاهد في الأمر، أن الوزارة في ظل هذه المعطيات - حتى وإن أرادت أن ترفع المستوى المادي للمعلمين؛ فإن واقع حالها لا يسمح بمثل هذا الأمر، وصولا إلى التساؤل عن مدى وصول هذه المعلومات إلى المعلمين، ولماذا الإضراب إذا كان الأمر المادي محسومًا بعلم المجتمع؟

خلاصة القول، إنَّ الاستجابة لمطالب المعلمين في كل دول العالم ليست مادية فقط، حيث تتاح للحكومات فرص متعددة في جعل حياة المعلم اليومية في المدرسة أسهل، منها مراجعة تضخم المناهج، وتعزيز التمهن المبني على الاحتياجات الرئيسة للمعلمين، وتعزيز صورتهم في المجتمع بإعطائهم قدرهم، ومنحهم امتيازات إضافية، ومراجعة آليات التقويم بما يضمن التعلم الحقيقي، وليس بما يضمن نسب النجاح العالية، وتثبيت السياسات، علاوة على عدم التضحية بالمعلمين في سبيل تحقيق الانتصارات السياسية، والأهم من ذلك كله معاقبة من يخطئ من المعلمين وليس تسويق صورة المعلمين كلهم بأنهم هم «هذا المخطئ».

وختامًا، لا يجوز لأيٍّ كان -سواء كان معلما أم وزارة- تضييع حق الطلبة في التعلم، فأخلاقيات هذه المهنة وشرفها يربآن بها عن أن تكون جزءًا من تصفية حسابات سياسية ما بين أطراف الخلاف، فالاستمرار في نهج الصدام ما بين طرفي النزاع حول ما ضاع من حقوق، يبُزُّهُ أثرًا في حال استمراره «ما سوف يضيع من حقوق الطلبة والأمة».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news