العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

خطاب سياسي مقلق في أمريكا

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٦ مارس ٢٠١٨ - 01:20

لقد بدأت العمل في المجال السياسي منذ بلوغي سن الرشد وقد ألهمني أمران أساسيان أثرا على مرحلة طفولتي أيما تأثير وساهما في تشكيل فكري ووعيي وتحديد اتجاه عملي. 

لقد ورثت عن والدتي إيمانها الراسخ بالدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه الحكومة خدمة للصالح العام وذلك بمد يد العون لأولئك الذين هم في أمس الحاجة لمن يساعدهم. لقد تولت حكومتنا تشييد المدارس والبنى التحتية والمرافق العامة وحماية حرياتنا وضمان أمننا وسلامتنا. عندما تجد حكومتنا نفسها تحت الضغوط السياسية فإنها تضاعف من جهودها حتى تحقق قدرا أكبر من العدالة الاقتصادية. 

لم تكن والدتي تعتقد أن الضرائب التي يدفعها المواطن لحكومته تمثل عبئا على الفرد، وهي التي عاشت فترة الأزمة الاقتصادية الكبرى سنة 1929 والحرب العالمية الثانية كما أنها استفادت من السياسات الجديدة إلى أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق فرنكلين روزفلت. لقد كانت تعتقد أن تلك الضرائب هي واجب جماعي حتى نعيش جميعا في كنف الحرية والمسؤولية كجزء من المجتمع. 

أما العامل الثاني الذي ألهمني وأثر في حياتي منذ فترة الطفولة فهو يتعلق بتربية الكاثوليكية التي رسخت لدي قيم العدالة الاجتماعية والمسؤولية التي تحتم على الفرد مد يد العون لمن هم في حاجة إلى المساعدة، إضافة إلى الاعتراف بحقوق الآخرين. لقد تعلمت أن «الإنسان أخو الانسان» وأن «البشر سواسية أمام الرب». 

هكذا تشكلت طريقة تفكيري وصهرت شخصيتي وترسخت قيمي ومبادئي. لقد وجدت في الحزب الديمقراطي بيتا يحتضنني رغم أنني في بداية حياتي ملت بعض الشيء إلى تيار المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد عشت حياة عادية في فترة المراهقة كغيري ممن هم في سني ورحت أبحث عن معنى الأشياء. في فترة ما وجدت هذا المعنى في كتاب «ضمير المحافظ» لباري غولدووتر كما وجدته في كتابات آين راند. 

كان الفكر المحافظ الذي يتحدثون عنه يتلاءم مع ما يحتاج إليه مراهق في سني وبداية عهدي بالسياسة. كنت أشعر أنني محور العالم وقد كانت نوازع الأنانية تسيطر على حياتي وتبدو لي كأنها فضيلة وكنت لا أرى غضاضة في تحقيق النجاح الشخصي كهدف في حياتي حتى ولو كان ذلك على حساب الآخرين. كنت أعتقد أيضا أن أولئك الذين يفشلون في حياتهم يمثلون عبئا على الحكومة وعقبة في طريق الحرية الشخصية. 

لقد انغمست في هذا العالم الذي يكرس الأنانية وتحقيق الأهداف الشخصية على حساب الآخرين أكثر من سنة، غير أن ثلاثة عوامل متداخلة انتشلتني من تلك العقلية وأعادتني إلى جذوري الأصلية. فقد أدركت أن الكثير من أولئك المحافظين الذين احتككت بهم في تلك الفترة كانوا في الحقيقة غارقين حتى النخاع في التعصب والعنصرية المقيتة. كانت أمي هي التي لعبت أيضا الدور المؤثر الذي أعادني إلى جذوري. 

في تلك الفترة من تاريخ البلاد كانت هناك حركتان اجتماعيتان تتفاعلان في البلاد. كانت الحركة الأولى مناهضة بشدة للحرب الأمريكية في فيتنام فيما كانت الحركة الثانية تطالب بالحقوق المدنية للأمريكيين من أصل إفريقي. لم أستطع آنذاك تقبل تلك المعارضة التي أبدتها التيارات اليمينية المحافظة لما كانت تنادي به تلك الحركتان الاجتماعيتان اللتان كانتا تشقان البلاد. 

لقد تساءلت عندها: «ألا يحق للفرد الذي يمتلك ضميرا حيا أن يعبر عن معارضته إذا كان يعتقد أن الحرب غير أخلاقية وغبر مبررة؟ ثم كيف يمكن لشخص يؤمن بالحرية الشخصية أن يعترض على حق الآخرين في ممارسة حريتهم الشخصية والتعبير عن معارضتهم للحرب التي يعتبرونها خاطئة؟». 

لقد انزعجت كثيرا من انعدام التسامح الذي يبديه أولئك المحافظون اليمينيون المتعصبون والذين كانوا يكتفون بالقول: «إنها بلادي، سواء أصابت أو أخطأت» والذين يعمدون إلى شيطنة كل من يخالفهم الرأي. لقد أوغلوا في التعصب وإيمانهم بفضائل الفردية المتوحشة وأصبحوا مجرد تابعين لإملاءات «الحكومة» نفسها التي يزعمون أنهم يكرهونها.

لقد صدمت أيضا في تلك الفترة من حياتي بمدى العداء الذي كان يكنه اليمينيون المحافظون للأمريكيين من جذور إفريقية والذين كانوا يطالبون بالمساواة بين الجميع في الحقوق. ألم يكن السود أيضا من أبناء البشر الذين يحق لهم أن يتمتعوا بالحرية الشخصية في الحياة؟ لقد أدركت آنذاك أنه لا يوجد أي تبرير أو أساس فلسفي للتمييز أو أي شكل آخر من أشكال التفرقة المؤسساتية. 

لقد انزعجت كثيرا عندما كنت اسمع في تلك الفترة من حياتي بعض اليمينيين المحافظين المتعصبين وهم يستخدمون عبارات عنصرية مقيتة وبذيئة في حديثهم عن مجتمع السود في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد اكتشفت مرة أخرى أنهم تخلوا عن التزامهم بتلك المبادئ والقيم التي كانوا يدّعونها وأنهم غارقون في الحقيقة في أحكامهم العنصرية المسبقة. 

دخلت أمي على الخط في حياتي وغيرت مجرى حياتي. فقد كانت تسمعني وأنا أتحدث عن خطر «تغول الحكومة» وعن «الدور الشرير الذي تلعبه الحكومة في مصادرة الثروات والتضييق على الحريات الشخصية». 

كان والدي قد توفي قبل بضعة أعوام وقد كانت أمي تعمل كمدرسة وقد جمعنا بعض المال الذي ساعدنا على المضي قدما في حياتنا. على غرار بقية أفراد عائلتي فقد كانت الحكومة تمنحني علاوة اجتماعية كما أنني حصلت على منحة دراسة من ولاية نيويورك. 

كنت ذات يوم في حالة من الغضب على سياسات الحكومة الأمريكية عندما جاءتني أمي واقتربت مني ووجهت إصبعها في وجهي وقالت لي «كيف تجرؤ على ترديد هذا الكلام؟ لو لم تمنحك ولاية نيويورك منحا دراسية لما استطعت أن تلتحق بالكلية ولو لم تحصل على علاوة اجتماعية من الحكومة لما كنت الآن تدرس ولكنت الآن تعمل وتشقى من أجل مساعدة عائلتك على الحياة. لا تنكر حق الآخرين في الحصول على ما تحصل عليه أنت. تصرف كشخص ناضج في الحياة».

كان ذلك الموقف لحظة فارقة في حياتي وكانت بمثابة صفعة على وجهي كنت في أمس الحاجة إليها. فقد أدركت يومها أن تفكير اليمينيين المحافظين كان في الحقيقة يقوم على نرجسية طفولية تبالغ في التركيز على الفرد حتى أنها تنسى معنى إنسانيتنا ومسؤوليتنا.

لقد فكرت طويلا في الأمر لأنني عشت في فترة كانت فيها النرجسية الطفولية، والتي سوقت نفسها على أنها تمثل التيار المحافظ وقد عادت اليوم لتظهر من جديد كآيديولوجية سياسية مهيمنة. عندما عقدت المنظمة المحافظة مؤتمرها العام في واشنطن في الأسبوع الماضي انطلقت من المنصة شعارات مزعجة، تعتبر خليطا ما بين المواقف المعادية للأجانب والمهاجرين والمسلمين والمرأة والفقراء والأسلحة وهي ايضا شعارات مؤيدة للبيض. 

هناك أيضا قبول أعمى بالرئيس دونالد ترامب الذي حوله أنصاره إلى أسد لأنه أوفى بوعوده المتعلقة بخفض الضرائب. إنهم يتجاهلون الضرر الكبير الذي ألحقه الرئيس بثقافتنا وحياتنا المجتمعية، ذلك باسم «الوطنية» و«الفكر المحافظ» لتأييد «القائد».

نحن نعيش اليوم في مرحلة دقيقة محفوفة بالأخطار، تحكمها قيم غاضبة وتسيطر عليه لغة تكرس الفرقة والانقسامات وهي لغة باتت تمثل الخطاب السياسي السائد في البلاد. إنها لغة تضع أولئك الذين يعيشون عيشة هشة ويفتقدون الحماية الكافية أمام تحديات حقيقية وهو الخطاب الذي يؤثر علينا كشعب أمريكي.

لو كانت أمي -أو أمهاتهم- على قيد الحياة لوجهن رسالة هي الصفعة القوية التي نحتاجها على وجوهنا مفادها «الأمر لا يتعلق بكم فقط بل يتعلق بنا جميعا. فهلا كبرتم وأصبحتم ناضجين!». 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news