العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

ولاتحاسدوا...

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٤ مارس ٢٠١٨ - 01:20

من أخطر الأمراض التي تصيب النفس والمجتمعات آفة «الحسد»، وهذا الموضوع لم نتطرق إليه في الأسبوع الماضي عندما تحدثنا عن إتقان فن الحياة، لأننا نعتقد أن هذا الموضوع يحتاج وحده إلى مقال قائم بذاته، وإن كان يتعلق بموضوع إتقان فن الحياة.

وعندما شرعت في كتابة هذا الموضوع وجدت أن هناك خلطا كبيرا بين الحسد كمرض نفسي اجتماعي وبين الحسد الذي نعني به بالعامية «العين»، ونحن هناك نقصد بالحسد الذي هو الشعور العاطفي الذي يتمنى فيه الشخص زوال قوة أو إنجاز أو ملك أو ميزة من شخص آخر وحصوله هو عليها، أو ربما يكتفي الحاسد بالرغبة في زوالها من الآخرين، وهو بخلاف الغبطة فإنها تمنّي مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط، وليس لنا بموضوع الحسد أو العين بصلة.

وفي رواية للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا يومًا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفجِّ رجلٌ من أهل الجنة، قال: فطلع رجلٌ من أهل الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علَّق نعلَيْه في يده الشمال، فسلَّم، فلما كان الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل على مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثلِ حاله الأول، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تَبِعه عبدُالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحَيْتُ أبي، فأقسمت ألاَّ أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضيَ الثلاث فعلتَ، قال: نعم، قال أنس: كان عبدالله يُحدِّث أنه بات معه ثلاثَ ليالٍ، فلم يره يقومُ من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعارَّ انقلب على فراشِه، وذكر الله، وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم اسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضَتِ الثلاثَ، وكِدْتُ أحتقر عمله، قلت: يا عبدالله، لم يكن بيني وبين والدي هجرة ولا غضب، ولكني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات «يَطلُعُ الآن عليكم رجلٌ من أهل الجنة»، فطلَعتَ ثلاث مرات، فأردتُ أن آوي إليك؛ لأنظرَ ما عملُك، فأقتديَ بك، فلم أرَك تعملُ كبيرَ عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما هو إلا ما رأيتَ، قال: فانصرفتُ عنه، فلما ولَّيْتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أَجِدُ في نفسي على أحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسدُه على ما أعطاه الله إيَّاه، فقال عبدالله: هذه التي بلغَتْ بك هي التي لا نطيق.

هذا الرجل دخل الجنة ليس لشيء إلا أنه لا يحسد أحدا على شيء مما ملك، فنفسه طيبة وراضية بما لديه، أليست هذه صفقة رائعة؟

والحسد الذي نقصده هنا هو المرض النفسي الذي أخرج إبليس عليه لعنة الله من الجنة بسبب حسده لآدم وزوجه حواء، والحسد هو الفعل الذي فعله إخوة سيدنا يوسف عليه السلام والذي بسببه تم إلقاؤه في البئر وجرت بعدها كل تلك الأحداث. 

قال الأستاذ الدكتور خمساوي أحمد الخمساوي «الحسد مرض من أمراض النفوس وهو مرض غالبٌ فلا يخلص منه إلا القليل من الناس؛ ولهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، وقال بعض السلف: الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء -يعني حسد إبليس لآدم عليه السلام- وأول ذنب عُصي الله به في الأرض -يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله». وقال الفيلسوف الشهير بيرتراند راسل إن الحسد أحد أقوى أسباب التعاسة، إذ لا تقتصر التعاسة على الشخص الحاسد بسبب حسده، بل قد تصل إلى الرغبة في إلحاق مصائب بالآخرين، على الرغم من أن الحسد غالبًا ما يعتبر صفة سلبية.

ولم يرد في القرآن الكريم لفظ العين أو غيره بدلالة صريحة على إصابة الأشياء وخاصة حسد الإنسان بنظرة أو عين الحاسد، لكن ورد لفظ الحسد ومادته في القرآن الكريم 5 مرات في أربع سور هي: سورة البقرة والنساء والفتح والفلق.

ففي سورة البقرة - الآية 109 قال تعالى (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق …).

وفي سورة النساء - الآية 54 (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا).

وفي سورة الفتح - الآية 15 (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً).

وفي سورة الفلق - الآية 5 (ومن شر حاسد إذا حسد).

ويتضح من معانيها -كما يشير الأستاذ الدكتور خمساوي- أن الحسد الوارد فيها يقصد به ذلك الخُلق السيئ بتمني زوال النعمة من المحسود من دون القدرة على أن يكون للحسد قوة في ذاته تؤثر على المحسود وتصيبه بالضرر، إلا أن آية سورة الفلق تبيّن أن المستعاذ منه في الآية إنما هو الحاسد وليس الحسد، لأن الحاسد إذا حسد وامتلأ قلبه بالحقد وتمنى زوال النعمة من المحسود قد يسعى في أذيته بنفسه فيضربه أو يحرق ماله أو يسرقه أو يقتله، فيكون هنا الحسد سببًا في ضرر غير مباشر يصدر عن الحاسد بشخصه وأفعاله المادية لا مجرد أمنيته زوال النعمة. وقد جاءت تلك المعاني واضحة في أكثر من موضع بالقرآن الكريم وضح فيها أن الضرر الذي يصدر عن خليقة الحسد يصدر من تصرفات الحاسد المادية المتحركة بها إرادته.

أما في الحديث الشريف فقد جاء -بالإضافة إلى المفهوم الأول كما ورد في القرآن الكريم- المفهومان الآخران وهما: الحسد البغيض، والعين، وهما خارج نطاق بحثنا اليوم.

والحسد كمرض نفسي اجتماعي يؤدي بالمريض إلى عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة، فهو دائمًا ينظر إلى ما بيد الناس وحياتهم، فهذا رُزق بولد، وذلك مُنح ترقية في عمله، والآخر سافر في الصيف، والرابع اشترى سيارة، والخامس بنى منزلا جميلا، ويستمر في هذا المنوال طوال اليوم والليلة، فلا هو يستطيع أن يستمتع بالحياة ولا أن يترك الآخرين وشأنهم، فهو في ذلك يعتقد أنه أفضل خلق الله، وأن هذا الكون ما خلق إلا لذاته وإرضاء نفسه، وأنه من حقه هو فقط أن يمتلك كل شيء وأن يستمتع بكل شيء، وليس من حق الآخرين أي شيء. 

ومن الجدير بالذكر أن هذا المرض النفسي يؤثر فيه أكثر مما يؤثر في الآخرين، إذ إن الآخرين قد لا يشعرون بما يفكر فيه، إذ إنهم يستمرون ويستمتعون بالحياة بقدر ما يمتلكون وبما رزقهم الله سبحانه وتعالى، أما هو فإن الحقد والكراهية الناشئة في قلبه بسبب النعم الموجودة لدى الآخرين تأكل وتنهش من نفسه وتقتله، حتى وإن كان هو يمتلك مثل ما يمتلكون وربما أفضل مما يمتلكون، ولكنه مرض في النفس يصعب التخلص منه.

وربما نجد هذا الداء منتشرا كثيرًا في عالم الأعمال، وخاصة بين الموظفين والموظفات، فقد وجدنا الكثير من الحالات التي أدت في النهاية إلى ممارسة الشعوذة والسحر لإزالة الآخرين عن الطريق حتى يسود هو، وفي بعض الحالات وصل الأمر إلى التطبيل والنفاق الوظيفي والغيبة والنميمة للمسؤولين حتى يصل المرء إلى مبتغاه في الصعود على أكتاف الآخرين.

أما بالنسبة للمجتمع الذي يسود فيه مرض الحسد فهو مجتمع متفكك -كما يقول عبدالمجيد الزنداني- لا يحب بعضه بعضًا، ولا يرحم بعضه بعضًا، بل قل ما شئت في مجتمع يريد كل فرد فيه أو أغلبهم الخير لنفسه وزواله عن غيره، فهنا -لا شك- لعنة الله نازلة وعقابه حاصل لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» أخرجه الطبراني.

كيف لا وقد عم الخبث وفشا بين الناس، وقد جاء في الحديث الصحيح أن الخبث إذا كثر وقع الشر وعم الفساد، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنهن: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» أخرجه البخاري.

فالحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيلٌ بما لا يملكه طالبٌ ما لا يجده، وقال ابن المعتز: الحسد داء الجسد، وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت، وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه، وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم وهمّ لازم وقلب هائم، فالحاسد لا ينال في المجالس إلا مذمة، وذلاً ولا ينال من الملائكة إلا لعنةً وغضبًا، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وهمًّا، ولا ينال عند النزع إلا شدةً وهولاً، ولا ينال في الموقف إلا فضيحةً ونكالاً، ولا ينال في النار إلا حرًّا واحتراقًا.

إذن كيف يستطيع هذا المريض مرضًا نفسيا واجتماعيا أن يعيش في مجتمع الأسوياء؟ كيف يمكنه أن يتقن فن الحياة؟ كيف يستطيع أن يتصالح مع نفسه قبل أن يتصالح مع الناس؟

وحتى أختم مقالي هذا وجدت أنه من المناسب أن اختمه بالحديث النبوي الشريف العظيم -وكل أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم عظيم -فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا»، صحيح مسلم بشرح النووي.

الحسد مرض نعوذ بالله منه، وهو مرض لا يساعدنا في إتقان فن الحياة، فلنراجع أنفسنا فإن وجدنا في أنفسنا حسدا لأي إنسان صاحب نعمة، فلنقل على الأقل فيما بيننا وبين أنفسنا «اللهم بارك له فيه وارزقنا مثله»، حينئذ يمكن أن نخفف عن أنفسنا قليلاً من الضغط النفسي ويمكننا أن نعيش كما يعيش الآخرون.

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news