العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية..الإمبراطور «ميجي».. الإصلاح أم الثورة؟

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٠٣ مارس ٢٠١٨ - 01:20

عانى الفكر العربي خلال المائة سنة الماضية من الخلاف حول خيرة الوسائل لتحقيق التنمية المستدامة، الراسمالية المطلقة أم الشيوعية المطلقة أم الاشتراكية المطلقة أم الثيوقراطية المطلقة؟ لأن ثقافة المطلق، وثقافة الكأس المليان، وثقافة الواحد والصفر (الواحد للفائز والصفر للمنهزم)، وثقافة الصدر أو القبر (نحن قوم لا توسط عندنا... لنا الصدر بين العالمين أو القبر)، هي الثقافة المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط. كما استمر الخلاف حتى اليوم حول صلاحية الثورة المفاجئة أو الإصلاح التدريجي. وقد عقد الإجابة عن هذا السؤال تطورات العولمة الجديدة، بعد أن تحول العالم الى قرية عولمة صغيرة وسريعة التغير جدا، ليطرح فريق بأن تغيرات العولمة بتكنولوجياتها السريعة لن تعطي الفرصة لثورة تقلب مؤسسات الدولة رأسا على عقب، والتي ستحتاج الى وقت طويل مرة أخرى لإصلاحها، فإعادة الإصلاح نفسه، وتطوير خبراته، وتقييم أخطائه وتعديلها، يحتاج الى وقت طويل، بل سيحتاج الى ثورة تصحيحية، ومن ثم الى ثورة تصحيحية أخرى، ومن ثم إلى انقلاب عسكري، وليؤدي ذلك الى تخلف هذه الدولة عن عجلة سرعة العولمة، ولتتخلف عن تحقيق تنميتها المستدامة، بسبب صراعات قياداتها على السلطة، مع تعثر تعاملها مع تحديات العولمة الاقتصادية المتصاعدة والسريعة، كما تتصور هذه الفئة بأن ثورات الشرق الاوسط خلال المائة سنة الماضية، انتهت معظمها لدكتاتوريات علمانية أو ثيوقراطيات سرطانية، أدت الى تخلف المواطن، وعطلت التنمية المستدامة، بل لتضيف الى هذه التحديات حروبا طائفية، دمرت البنية التحية، وجرحت وقتلت مئات الألوف، وخلقت ملايين من اللاجئين الجدد، فالذين كانوا يساومون على النكبة، خلقوا عدة نكبات جديدة في وطننا العربي، بل واسوأ منها. 

وقد واجهت بلدي مملكة البحرين هذه التحديات الفكرية بين الثورة والإصلاح منذ الاستقلال في بداية سبعينيات القرن الماضي، مع اختلاطات النكبة، والحروب العربية الإسرائيلية، ومع المد القومي الناصري والاشتراكي البعثي والرأسمالي الساداتي، لتبرز خاصة مع موجات ما سمي الربيع العربي في عام 2011، بين فريق دعا الى اختيار الإصلاح التدريجي، وفريق آخر طالب بالثورة. وقد استغلت الفرصة دول مجاورة، لتدفع بعملائها لمحاولة الدفع الى ثيوقراطية سرطانية انقلابية فاشلة. لقد كرر شعب مملكة البحرين اتفاقه على طريق الإصلاح التدريجي المتزن والحكيم، في عام 2011، حينما وافق 98.4% منه على ميثاق وطني، انبثق منه دستور أكد أن البحرين مملكة عربية دستورية، كدولة معاصرة تضم نظاما تنفيذيا حكوميا، وسلطة قضائية مستقلة، وسلطة تشريعية تجمع بين مجلس شوري معين من خيرة خبرات البلد المخلصة للوطن، ومجلس نيابي منتخب من عامة الناس، كما اكدت التشريعات الجديدة منع الجمع بين الخطاب السياسي والخطاب الديني، وعلى أن تتطور هذه التجربة من النظام الراسمالي ذي المسؤولية الاجتماعية، بتوافر الخدمات التعليمية والصحية والسكنية والوظيفة مع نظام تعطل وتقاعد، لمستوى الدول الاسكندنافية. ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: هل حان الوقت لأن تركز المعارضة على الثورة الذاتية في الإنسان ذاته، لكي يحقق التنمية المستدامة، وذلك بتركيزه على فلسفة النقد الذاتي، لكي يحقق إصلاح شخصي ومجتمعي، أكثر أخلاقية وعلما وتدريبا وبإنتاجية مهارة مبدعة، وخاصة بعد أن انخفضت إنتاجية الفرد في المنطقة لأقل من الساعة في اليوم؟ وهل من الممكن ان نستفيد من التجربة اليابانية للإجابة عن هذا السؤال؟

لمعالجة هذا الموضوع، نحتاج الى مراجعة كتاب يضم حوالي الألف صفحة، بعنوان إمبراطور اليابان، «ميجي» وعالمه، 1852-1912. كتبه بروفيسور جامعة كولمبيا الأمريكية، دونالد كين، والمتخصص في الادب والتاريخ الياباني، فأرجو أن نستطيع اختصار أفكاره الأساسية في مقال واحد. فقد قام هذا البروفيسور بمراجعة مخطوطات القصر الامبراطوري خلال الفترة 1852-1912 من تاريخ اليابان، ليعرض من خلالها تاريخ حكم امبراطور عهد التنوير، الإمبراطور «ميجي»، الذي لعب دورا مهمًّا في وضع قواعد أخلاقية «بوشيدية» رصينة لحداثة يابان اليوم. فقد كانت تعيش اليابان منذ القرن الثالث عشر تحت نظام اقطاعي حازم، يجمع بين ديوان إمبراطوري منغلق هو الإمبراطور «الإلهي» في قصره، وليس له علاقة بأمور الحكم، بل لا يخرج من قصره، ومحرم أن يراه المواطنون، وبين حكم عسكري يديره «الشوجن» (الحاكم العسكري)، وبمساعدة «الديموس» (لوردات الحرب) تتحكم في المناطق (250 ديمون) المختلفة من البلاد، مع مساعدة عساكر الساموراي، الذين كانت لهم قوة وسلطة واخلاقيات محددة، ومميزات مادية سخية في المجتمع. وقد ثار والد إمبراطور «ميجي»، الامبراطور «كومي» على النظام العسكري الاقطاعي في البلاد، بعد ان توج إمبراطورا لليابان في عام 1848. وحاول ان يبرز قوة القصر الامبراطوري لإصلاحه، ولكنه توفي من اختلاطات مرض الجدري، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ما أدى الى أن يصبح ابنه «ميجي» امبراطور اليابان المائة والاثنين والعشرين، في عام 1867، وهو في الخامسة عشرة من عمره.

لقد واجه الإمبراطور «ميجي»، وهو في سن المراهقة تحديات كبيرة، تجمع بين تكملة دراسته (دراسة اللغة اليابانية والإنجليزية والاخلاقيات والقوانين الكونفوشوسية والادب والثقافة والتاريخ الياباني، والعلوم والرياضيات)، وبين تكملة الإصلاحات التي بدأها والده. وكانت من أكبر تحدياته الخارجية هي انفتاح اليابان المنغلقة على العالم، مع التعامل مع أطماع دول الغرب في اليابان، وفي مرحلة استعمارية غربية صعبة من التاريخ، مع حل مشاكل الحدود مع الصين وروسيا، والخوف من غزو الغرب لكوريا الضعيفة، والذي كان خطرا على أمن اليابان. أما تحديات الحكم الداخلية فكانت معقدة جدا، وتتعلق بتطوير النظام العسكري الدكتاتوري الاقطاعي المتخلف، لنظام ديمقراطي غربي متقدم، بصبغة وثقافة يابانية متطورة، كما كان عليه ان ينقل اليابان من يابان العصور الوسطى إلى يابان التنوير والحداثة المعاصرة، بالتعليم والتدريب وبالأخلاقيات البوشيدية. 

وقد كانت من أهم التحديات التي واجهها إمبراطور ميجي في السنة الأولى من حكمه، فتح ميناء «هايجو» للأجانب، وحل مشكلة الجزر الشمالية مع روسيا، وإخماد الثورة ضد الدولة في منطقة «جوشو»، وإقناع الشعب الياباني بضرورة الانفتاح على الغرب مع الاستفادة من خبراته العلمية والتكنولوجية وتجربته الإصلاحية الديمقراطية في الحكم. وبعد حوارات ذكية مع مستشاريه ولوردات الاقاليم، ومع قوة شخصيته العاقلة والصبورة والمتواضعة والبسيطة والحكيمة والرزينة والحازمة والكريمة، استطاع أن ينجح في كسب ثقة الشعب، واخماد الثورة في الشمال بعلاج أسبابها، كما اتفق مع روسيا على حل مرضي لجزيرة سخالين الشمالية، وفتح بعض موانئ البلاد للأجانب وسمح لهم بالمتاجرة فيها، كما بدأ تهيئة الشعب لثورة تعليمية كبيرة، وإصلاحات ديمقراطية مهمة.

وقد برزت حكمته وهو صغير حتى في الحوادث الصغيرة المحرجة، فمثلا كان دائما يستشار في قضايا مختلفة من رجال الدولة، وبدلا من أن يطرح الحلول، يصر على عرض هذه القضايا للنقاش المفتوح بين مستشاريه وممثلي الشعب، ليدفعهم الى إيجاد الحلول المناسبة، من دون أن يطرح حلولا بنفسه، لإيمانه بأن من يعتقد أنه اكتشف الحل، سيكون أول من سيدافع عنه، ويحاول أن ينفذه. فمثلا، في صباح يوم 14 يوليو من عام 1867 في السنة الأولى من حكمه، وهو في الخامسة عشرة من عمره، وبعد ان بدأ الأجانب الاستقرار في اليابان، اكتشفت واعتقلت وسجنت إدارة مدينة ناجازاكي مسيحيا في الثامنة والستين من عمره، حيث كان اعتناق المسيحية ممنوعا في اليابان، ومنذ مائتين وخمسين عاما، وليبقى المسيحيون الذين كان معظمهم من الفلاحين وصيداي الاسماك، مختفين عن بطش القانون. وقد كان هذا الموضوع حساسا مع دول الغرب المسيحي، الذين كان الإمبراطور ميجي يحاول كسب ثقتهم، وقد استطاع بحكمته الاستفادة من هذه الحادثة، لمناقشة عامة لموضوع حرية اعتناق الاديان، ولينتهي بوضع قانون يسمح للأجانب بممارسة دياناتهم المختلفة في اليابان وبحرية. 

وفي عام 1881 بدأت المطالبة بدستور وبرلمان وطني للبلاد، بعد أن هيأ الامبراطور ميجي منذ تسلمه الحكم وبذكاء، شعب اليابان لهذه الخطوة، للتخلص من الحكم العسكري الدكتاتوري للشوجن، وهو في مقتبل العشرينات من عمره. فبعد أن حس الحاكم العسكري بالضغوط الشعبية، ومن جهات مختلفة في الدولة، وبعد أن أرسل مستشار الامبراطور ميجي، ياماجاتا اريتومو، في شهر ديسمبر من عام 1869 رسالة إلى رئيس الوزراء يشرح تصوره حول الحكم الدستوري، وخاصة بعد استياء عامة الشعب من الحكومة، بسبب ارتفاع نسب البطالة والتباطؤ الاقتصادي وتدهور القيم والأخلاق، والذي أدى الى بروز حركات المطالبة بالحرية والحكم الدستوري، ليصبح من الضرورة الملحة إرجاع ثقة الشعب بالحكومة، وذلك باصطلاح النظام التشريعي والقضائي والحكومي، وإلا ستندلع نار ثورة أخرى في الشمال. ومع أن المستشار أكد أن هذه الإصلاحات ستحتاج وقتا، ولكن يمكن البدء أولا بوضع القواعد الأساسية لها، كما أكد ضرورة عدم الإضرار بمسؤوليات الديوان الإمبراطوري في الدستور الجديد. وقد بدأت أولا عملية الإصلاح على مستوى المحافظات، حيث انتخبت مجالسها البلدية، وليؤكد المستشار ضرورة اختيار خيرة العقول المبدعة في هذه المجالس للبرلمان الجديد. وقد دعم رئيس الحكومة هذه التصورات، كما أيدها الامبراطور بقوة، كما حذر أحد المقربين للإمبراطور السيد «ايتو» خوفه من تأثير الثورة الفرنسية على الشعب، بل يجب الاستفادة منها بذكاء، للمحافظة على الاستقرار والحكم الإمبراطوري، كما يجب أن تكون خطة تأسيس البرلمان مدروسة بدقة، للمحافظة على الاستقرار في البلاد، واقترح بان يتشكل البرلمان من مجلسين على النمط الأوروبي، بأن يكون المجلس «الأعلى» مكونا من مائة شخص يختارون من خيرة النبلاء وعساكر الساموراي، لكي يضمن ولاءهم، وتكون مسؤوليته دعم الديوان الامبراطوري والمحافظة على الإرث والثقافة اليابانية. بينما سيتشكل المجلس «السفلي» من مشرفين، ينتخبون من مجالس المحافظات، وتكون مسؤولياته محددة بالأمور المالية. واعتقد «ايتو» أن البرلمان سيخلق الاستقرار في البلاد، بينما سيقي المجلس الأعلى المجلس السفلي من التطرف والانحراف. 

بينما وضع المستشار المقرب من جلالة الإمبراطور، «اوكوما شيجينوبو»، سبع مواد للمناقشة حول الدستور: لتناقش المادة الاولى تحديد يوم افتتاح البرلمان، واختيار الأشخاص لوضع مواد الدستور، وتحديد تاريخ بدء بناء البرلمان الجديد، بينما تناقش المادة الثانية، تعيين مسؤولين، اعتمادا على مدى ثقة الشعب فيهم، كما تعكس قرارات البرلمان القادم رغبات الشعب، وبأن قيادة الحزب الأكثر شعبية سيقود البرلمان، كما ان تأسيس الملكية الدستورية ستساعد جلالته في اختيار خيرة المسؤولين لمساعدته، حيث سيختار رئيس الوزراء، ويطلب منه تشكيل الحكومة. اما المادة الثالثة تركز على التمييز بين نوعين من المسؤولين، مسؤول منتخب تنتهي مهمته حينما تنتهي فترة انتخابه، ومسؤول يحافظ على مركزه بشكل دائم، بشرط ان يكون محايدا ولا يسمح له أن يكون عضوا في البرلمان. اما المادة الرابعة فتؤكد بأن يكون الدستور مبسطا، يضم اساسيات عامه، ويحدد مسؤوليات السلطة الادارية، كما يوضح حقوق المواطن بدقة، بينما تقترح المادة الخامسة بأن يبدأ البرلمان مع بداية عام 1883. وليتحقق ذلك يجب أن يصدر الدستور في عام 1881، وبأن يتم اختيار أعضاء البرلمان في نهاية عام 1882. وناقشت المادة السادسة تشكيل الأحزاب، بينما أكدت المادة السابعة أخلاقيات العمل السياسي والتنفيذي، وخاصة بضرورة أن تكون الأحزاب مخلصة لروح الحكومة الدستورية، لا أن تدخل في صراعات لتحقيق مصالحها الخاصة، وبذلك تشوه التجربة الديمقراطية، للأجيال القادمة. 

وقد بدأت تتطور الأمور التنفيذية، وليبدأ ولأول مرة في تاريخ اليابان أن يكون الجيش تحت امرة الإمبراطور، ليس تحت سلطة الحاكم العسكري، وقد أكد الإمبراطور ضرورة أن يكون ولاء العسكر للوطن. وبهذه الأفكار كتب وطور الدستور الياباني المعاصر، بعد زيارة وفود يابانية لدول الغرب للاطلاع على دساتيرها، وبعد ان وجد المستشارون أن التجربة البريطانية والبروسية الألمانية من خيرة التجارب للاستفادة منها في اليابان. وقد صدرت النسخة الكاملة للدستور المعاصر في عام 1889، وبدون عرضه على أي استفتاء عام. والجدير بالذكر أنه تم تطبيق هذا الدستور منذ عام 1890 حتى تحولت اليابان من دولة اقطاعية فقيرة متخلفة إلى دولة صناعية تكنولوجية عظمى، بل ولتنتصر على دولة اوروبية عظمى في الحرب الروسية اليابانية لعامي 1904-1905. ولتنتصر على دولة اسيوية عظمى في الحرب الصينية اليابانية الأولى 1894-1895، ولتتحول الى قوة عالمية عظمى تنافس دول الغرب الاستعمارية في مستعمراتها، ولتنتهي بدخول لعبة البوكر الاستعمارية، ولتنتهي بصراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى دمار الحرب العالمية الثانية. وقد قام الجنرال مكارثر ببعض التعديلات على هذا الدستور، وذلك بالفرض على اليابان التعامل مع خلافاتها الدولية بطريقة سلمية فقط، مع إضافة بأن يكون المجلس الاستشاري والنيابي منتخبين، مع زيادة حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. وليستمر هذا الدستور حتى اليوم، برغبة الشعب الياباني من دون تغيير، بعد أن أصبحت اليابان ثاني وثالث اقتصاد عالمي. ولم يكن سر نجاح اليابان تفاصيل الدستور بذاته، ولكن أخلاقيات المواطن الياباني في الالتزام به وتطبيق بنوده، والتي أصر عليها الإمبراطور ميجي، لتصبح اليابان اليوم من أكثر الدول سلما وامنا واخلاقية وتنمية. الجدير بالذكر أن الإمبراطور ميجي توفي عام 1912 نتيجة لاختلاطات مرض السكري، بعد أن طور اليابان من دولة فقيرة متخلفة ومنعزلة إلى دولة عظمى معاصرة، خلال الخمس والأربعين سنة من حكمه. ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news