العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٠ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

قراءة في حصاد زيارة وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأوسط

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٠٢ مارس ٢٠١٨ - 01:20

وسط توقعات من مقربين في البيت الأبيض بأنها كانت زيارة صعبة، اختتم وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» جولته الشرق الأوسطية يوم 16 فبراير 2018. التي توقف خلالها في خمس محطات (القاهرة، الكويت، عمان، بيروت، وأنقرة)، وذلك لمناقشة عدد من القضايا المهمة والاجتماع مع عدد من الزعماء والقادة العرب.

بداية.. يمكن القول بأن هذه الزيارة جاءت على اعتبار أن واشنطن قادرة على التأثير في مجريات عدة داخل بعض الدول التي شملتها الجولة، فضلاً عن حرص الإدارة الأمريكية على التمسك بحلفائها، ولكن من منطق استراتيجي ومصلحي بحت، حسبما أشار خبراء. 

عمومًا.. وفي قراءة تحليلية، بدأ وزير الخارجية الأمريكي جولته من القاهرة أكبر حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ وذلك لإدراك واشنطن أن القاهرة تعد مركز الثقل السياسي والاستراتيجي المؤثر في الملف الفلسطيني، وأن لديها الإمكانيات المطلوبة للتأثير في إدارة المشهد القادم في الأراضي المحتلة.

وخلال الزيارة التي تزامنت مع العملية العسكرية والأمنية الشاملة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية والشرطة المدنية في شمال سيناء وعلى جميع المحاور الاستراتيجية- التقى «تيلرسون» الرئيس «عبد الفتاح السيسي» ووزير الخارجية «سامح شكري»، حيث تناولت المباحثات العلاقات الثنائية ولا سيما العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وملفات الصراع في المنطقة والأزمتين السورية والليبية ومكافحة الإرهاب، غير أن مصادر أمريكية وصفت مباحثات وزير الخارجية الأمريكي مع الرئيس المصري بـ«الصعبة» في ظل تباين المواقف بين الجانبين في العديد من القضايا، في الوقت الذي أكدت صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها يوم 13 فبراير أن الوزير الأمريكي حافظ على علاقة غير عادية مع مصر التي يزورها للمرة الأولى، وتعتبر حليفًا قويًا وقديمًا للولايات المتحدة.

ومن القاهرة، توجه «تيلرسون» إلى محطته الثانية الكويت، لحضور الاجتماع الوزاري للتحالف ضد تنظيم الدولة الإرهابية «داعش»، والمشاركة في أعمال المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق.

ففي الاجتماع الوزاري حذر من أن الهجوم التركي على عفرين في شمال سوريا ضد قوات كردية متحالفة مع واشنطن قد يؤدي إلى «حرف مسار» معركة التحالف ضد «داعش» في شرق سوريا بعدما انتقلت قوات من هناك باتجاه عفرين، كما طالب بضرورة «استعادة الوحدة الخليجية لأنها تصب في مصلحة جميع الأطراف بالمنطقة»، يأتي ذلك على خلفية قطع مصر والسعودية والإمارات والبحرين، العلاقات الدبلوماسية مع قطر بسبب دعمها وتمويلها للإرهاب والجماعات الإرهابية، واحتجاجًا على تدخلها في الشؤون الداخلية للدول.

وكانت محطته الثالثة عمّان، حيث التقى نظيره الأردني «أيمن الصفدي» ووقع معه مذكرة تفاهم، تقدم بموجبها الولايات المتحدة مساعدات سنوية للحكومة الأردنية قيمتها 1.275 بليون دولار اعتبارًا من العام الحالي إلى عام 2022. وتعتبر هذه أول مذكرة تفاهم بين حكومتي البلدين منذ تولي «دونالد ترامب» رئاسة الولايات المتحدة، علمًا بأنها تتضمن زيادة سنوية بمقدار 275 مليون دولار من المساعدات الخارجية الأمريكية للأردن عما كانت عليه.

كما التقى «تيلرسون» العاهل الأردني الملك «عبد الله الثاني» وبحث الجانبان ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من أزمات، في مقدمتها: الأزمة السورية والمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وضرورة التوصل إلى حلول سياسية لها، إضافة إلى الجهود الإقليمية والدولية في الحرب على الإرهاب، ضمن نهج شمولي.

ومن عمّان، انتقل وزير الخارجية الأمريكي إلى بيروت، لكنه بدا على ما يبدو خلال تلك المحطة مستمعًا أكثر منه متحدثًا أو حاملاً لطروحات أو وساطة لحل الأزمات الجديدة المتفجّرة مع إسرائيل، سواء المرتبطة بالحدود البرية أو تلك البحرية.. سياسة «المستمع» تلك سبقه إليها مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية «مارشال بيلينغسلي» الذي زار لبنان في يناير 2018. حينها ظن المسؤولون اللبنانيون أنه يحمل عقوبات مالية جديدة أو إجراءات متطورة لمواصلة التصدي لولوج «حزب الله» إلى النظام المصرفي اللبناني.. غير أن «بيلينغسلي» لم يحمل أيًّا من هذا في جعبته، بل على العكس فاجأ من قام بمقابلتهم باعتماد خطاب حاد لكل من «حزب الله» حيث وصفه بـ«السرطان في قلب لبنان»، وبالنسبة إلى إيران، إذ أشار إلى الأهمية القصوى التي توليها بلاده لتحجيم دورها ونفوذها في المنطقة»، وان كان لم يقدم أي توضيحات بخصوص الخطة الأمريكية في هذا المجال.

ومن ثم، يبدو أن ما بدأه «بيلينغسلي» استكمله «تيلرسون» الذي حث الشعب اللبناني خلال مؤتمر صحفي مشترك في لبنان مع رئيس الحكومة «سعد الحريري» ورئيس الجمهورية «ميشال عون» ورئيس مجلس النواب «نبيه بري» على وجوب «الشعور بالخطر من تصرفات حزب الله»، محذرًا من أن مشاركته في النزاعات الإقليمية تهدد أمن لبنان والمنطقة، ومؤكدا أنه «من غير المقبول لمليشيا كحزب الله أن تعمل خارج سلطة الحكومة اللبنانية».

وفي السياق ذاته، شدد «تيلرسون» الذي تصنف بلاده «حزب الله» على قائمة المنظمات الإرهابية، على أن «وجود الحزب في سوريا لم يؤد إلا إلى مواصلة سفك الدماء وتفاقم نزوح الأبرياء ودعم نظام الأسد».. علمًا بأن هناك حالة توتر بين لبنان وإسرائيل في الأسابيع الأخيرة على خلفية ملفين، الأول: بناء إسرائيل جدارًا اسمنتيًا على طول الخط الأزرق، حيث توجد 13 نقطة متنازع عليها بين الدولتين، ويتعلق الملف الثاني بالتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية في رقعة يؤكد لبنان أنه ملك له بالكامل، فيما تعتبرها إسرائيل ملكًا لها.

وفي الإطار ذاته، قال «عون» في بيان أصدره مكتبه الإعلامي إنه طلب من «تيلرسون» أن «تعمل الولايات المتحدة على منع إسرائيل من استمرار اعتداءاتها على السيادة اللبنانية البرية والبحرية والجوية والالتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701»، والذي أرسى في العام 2006 وقفًا للقتال بين إسرائيل و«حزب الله»، وعزز انتشار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان.

وفيما يتعلق برد فعل «حزب الله»، فهو يعي تمامًا الهدف من الحراك الأمريكي المستجد في بيروت، حتى وإن سمع بوضوح التصريحات التي أدلى بها «تيلرسون» في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده مع رئيس الحكومة «سعد الحريري»، ويتوقع أن تزداد الضغوط عليه قبل موعد الانتخابات النيابية بعد الاستطلاعات التي رجحت حصوله وحلفاؤه على الأكثرية النيابية. ووفقًا لمصادر مقربة من الحزب، فإن «أكثر ما تخشاه واشنطن في هذه المرحلة هو ارتماء لبنان كليًّا في حضن محور إيران».

وعلى إثر ذلك، حذر زعيم الحزب «حسن نصر الله» الحكومة اللبنانية من أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا نزيهًا عندما يتعلق الأمر بحل النزاع مع إسرائيل على الحدود البحرية، مؤكدا في حشد بمناسبة إحياء ذكرى مؤسسي الحزب: «الأمريكي هو محامي إسرائيل، فلا تعولوا على هذه الوساطة، وخاصة عندما يكون الطرف الآخر هو الكيان الإسرائيلي».. ورأى أنه «يجب على لبنان أن يتحدث اليوم من موقف قوي وليس من موقف ضعف لأن ذلك يؤدي إلى الهزيمة».

وحسبما لفت بعض الخبراء، فإن أولويات أمريكا في منطقة الشرق الأوسط تبدأ من القضاء على «داعش» ثم مواجهة إيران، وبعد ذلك الوصول إلى حل في سوريا، وأخيرا معالجة الأوضاع في لبنان، ولن تكون أي أزمة عبر الحدود أو حتى داخل لبنان إلا «خضّة» أمنية تعرقل الأولويات الأمريكية في المنطقة.

وفيما يتعلق بزيارته لتركيا التي استغرقت يومين، والتي استقبله فيها كل من الرئيس «رجب طيب أردوجان»، و«جاويش أوغلو» وزير الخارجية، تضمن الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد «داعش» فيها جلستي عمل؛ عقدت الأولى لمناقشة آخر تطورات التنظيم في سوريا والعراق. فيما بحثت الثانية أطر مكافحة الإرهاب على مستوى العالم، وخاصة جهود التحالف في محاربة «داعش».

وفي الحقيقة، كانت هذه الزيارة التحدي الأكبر أمام السياسة الأمريكية، على خلفية التدخل التركي في شمال غرب سوريا على أساس أن وزير الخارجية يحمل رسالتين إلى تركيا، أولاهما: طمأنة الجانب التركي بأن التعاون الأمريكي الكردي لن يشكل تهديدًا للأتراك، وثانيهما: تخفيف التناقضات التي ظهرت بشكل حاد بين شريكي الناتو، على خلفية العملية العسكرية التركية «غصن الزيتون» في سوريا، كما أوضح رئيس الدبلوماسية الأمريكية أن الولايات المتحدة تريد تفعيل صيغة جنيف للمفاوضات حول الأزمة السورية. ووفقًا لعدة محللين فلا يبدو أن الحديث بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن سوريا أمر بسيط، فزيارة «تيلرسون» لأنقرة تأتي في وقت سيئ للغاية بالنسبة إلى علاقات الشريكين في حلف شمال الأطلسي.

علاوة على ذلك، فإن القيادة الأمريكية، بدورها، تريد الحد -طبقًا لصحيفة «دايلي صباح» في مقالها الافتتاحي عقب زيارة «تيلرسون»- من طموحات أنقرة، من دون أن تضعف أهم شريك لها في الحرب ضد تنظيم الدولة.

ومن الجدير بالملاحظة، أن تل أبيب لم تكن حاضرةً في المطارات التي هبطت فيها طائرة الوزير الأمريكي، ما حرك «شياطين التفاصيل» -حسبما أشار محللون- لتطل برأس المنطقة، فالزيارة التي لم تتم من الأساس لتل أبيب لا تقتصر أهميتها في وجود تحالف استراتيجي وثيق بين الجانبين ربما يكون لا مثيل له في تحالفات المصالح على سطح الأرض، بقدر ما قد يرتبط الأمر بسلسلة من التطورات التي سببت توترًا كبيرًا في المنطقة.

ويدلل على ذلك أنه من بين معالم التوتر، حسبما طرحت مصادر مطلعة، يظهر الخلاف بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي إزاء إعلان تل أبيب بناء جدار حدودي على أراضٍ لبنانية، واعتبرت بيروت حينها الأمر بمثابة إعلان حرب إزاء محاولات الاحتلال لتشييد الجدار، وعليه أصدر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان أوامر للتصدي ومنع الاحتلال من بناء هذا الجدار على الحدود مع لبنان.

ويأتي إسقاط طائرة عسكرية إسرائيلية في الأراضي السورية في إطار حلقة ثانية من مسلسل التوتر بالمنطقة، طرفها تل أبيب، حتى بات أغلب المحللين العسكريين والاستراتيجيين يتحدثون عن قرب اندلاع حرب شاملة في شرق أوسط مشتعل تتداخل خيوطه وتتشابك قضاياه.

لذا، تفرض كل هذه التوترات محورًا من عدم ضم «تل أبيب» لتلك الجولة الشرق أوسطية، واقتصارها على دول بعينها، وهو ما رآه محللون أنه بمثابة احتواء لتلك الدول، ترتيبًا للمرحلة المقبلة من عُمر المنطقة، وقد يرتبط ذلك بما يسمى «صفقة القرن» التي يُقال إنه يتم الإعداد لها حاليًا من أجل طرحها في مارس أو أبريل 2018. وتتطلب ترتيب بعض التوازنات في المنطقة، كما أن جانبًا آخر لا يمكن غض الطرف عنه وهو أن العلاقة بين «ترامب» ورئيس دبلوماسية بلاده ليست على ما يرام، حيث إن «ترامب» يعتمد على صهره «جاريد كوشنر» في قضايا عدة، بما ذلك «ملف إسرائيل».

وإجمالاً، تعتبر جولة وزير الخارجية الأمريكي «ريكس تيلرسون» للشرق الأوسط -والتي جاءت في أعقاب زيارة لنائب الرئيس الأمريكي «مايك بنس» لكل من مصر والأردن وإسرائيل- مختلفة عن سابقتها من حيث استهداف دول أخرى مثل الكويت ولبنان وتركيا بالأساس، على اعتبار أن الإدارة الأمريكية انتقلت من العام إلى الثنائي، ومن الطرح الأشمل إلى طرح جزئي، ومع كل دولة على حدة، وخاصة أن الإدارة الأمريكية تمر في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية جديدة بعد دخولها العام الثاني في الحكم، وفي ظل سعي الرئيس «ترامب» للانتقال من طرح المواقف والتوجهات إلى مرحلة تنفيذ السياسات على المستويات الإقليمية والدولية، واعتمادًا على ما أوضحه خبراء، فإن ما يحدث يأتي في إطار مهام أمريكية عاجلة في الشرق الأوسط على أساس وجود نغمة تصالحية تتماشى بعد هزيمة «داعش» في سوريا والعراق. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news