العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الاتجاهات العالمية الحديثة في تطوير التعليم العام.. بين الواقع والمأمول (4)

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الأربعاء ٠٨ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

تناولنا في الأجزاء الثلاثة السابقة من هذا الموضوع أبرز الاتجاهات العالمية الحديثة في تطوير التعليم، وهي بعض من العديد من الاتجاهات الحديثة المطروحة اليوم لتطوير التعليم العام، وبعد استعراض ستة من أبرز التوجهات في هذا المجال، نتساءل حول واقع نظامنا التعليمي، ومدى استفادته من هذه التوجهات، ومدى قربه أو بعده منها، وما المأمول والمطلوب منه إذا كان بعيدا عنها؟ وخاصة ان هناك حركة سريعة جدا في مجال تطوير التعليم ومتابعة كل التوجهات الحديثة في هذا المجال على مستوى العالم، بعد الوعي الواضح والايمان الكبير بدور التعليم في تنمية وتطوير المجتمعات والدول وانطلاقها نحو آفاق رحبة من التقدم والاستقرار والازدهار على كل مستوى وفي كل صعيد. 

 ولذا سنستعرض كل توجه من تلك التوجهات التي تطرقنا اليها في الأجزاء السابقة من هذا المقال، ونقاربه من الواقع لتحديد مدى قربنا أو بعدنا منه.

أولا: التطور الهائل الحادث في مجال تكنولوجيا التعليم وتوظيفها في تعزيز التعليم والتعلم:

وكما ذكرنا في المقالات السابقة فإن من أكثر وأسرع التطورات التي حدثت في مجال التعليم هو مجال تكنولوجيا التعليم والمعلومات من خلال طرح استراتيجيات وأدوات تكنولوجية جديدة ومتعددة تم توظيفها بفاعلية في تحسين وتطوير عملية التعليم والتعلم وتعزيز مخرجاتها. وقد اهتمت وزارة التربية بمملكة البحرين وبصورة واضحة بهذا الاتجاه، واتجهت نحو الاستفادة من التكنولوجيا وتوظيفها في العملية التعليمية مع بداية هذا القرن وتحديدا عام 2004 من خلال طرح مشروع جلالة الملك حمد لمدارس المستقبل والتي تهدف إلى ربط جميع مدارس البحرين بالشبكة الإلكترونية وتفعيل التعلم الإلكتروني ليكون داعما أساسيا للتعليم. مرورا بعدد من المشاريع التكنولوجية الأخرى ولعل آخرها مشروع التمكين الرقمي والذي يهدف إلى توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التعليم، بالإضافة إلى مكتبة جلالة الملك حمد الرقمية، وقد عزز اهتمام مملكة البحرين بهذا التوجه فتح المركز الإقليمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصال التابع لمنظمة اليونسكو، بالإضافة إلى العديد من المشاريع التي تبنتها المملكة في هذا الاتجاه ما يدل على الاهتمام بذلك، وإن كان هناك اهتمام بهذه المجالات الا ان هناك بعض الامور التي يجب الالتفات اليها، منها أهمية التقويم والتطوير المستمر لهذه المشاريع لتحديد مدى تحقيقها أهدافها بصورة دورية لتكريس الجانب العلمي الحقيقي من وجودها. كما ان هناك العديد من الأدوات والتوجهات التكنولوجية الحديثة الأخرى التي ذكرت لم يتم الاستفادة منها بعد والتي يمن ان يكون لها مردود إيجابي أكبر لو تم تبنيها ومتابعتها. 

ثانيا: النقلة الكبيرة في القياس والتقويم التربوي:

بتطور نظريات التعلم تطور القياس والتقويم التربوي من الاعتماد على النظرية السلوكية وتطبيقاتها التربوية وخاصة في التدريس من ترجمة الدرس إلى أهداف سلوكية محددة وقياس سلوكيات مجزأة من خلال الامتحانات التحصيلية الشهرية أو الفصلية والتي يرتاح اليها ويطبقها الكثير من المعلمين حاليا، إلى النظرية المعرفية والبنائية والتي من تطبيقاتها استخدام التقويم القائم على الأداء، أي قياس مدى تمكن الطالب من المعرفة من خلال اداءات يقوم بها وينفذها وليس من خلال امتحانات تحصيلية نظرية ومن خلال وجود أداة معيارية مرجعية للتصحيح (Rubric) تصف درجات الأداء المطلوب. ان متابعة التوجهات الجديدة والتطورات الكبيرة في مجال القياس والتقويم التربوي مهم جدا لانعكاسها المباشر على النتائج المرجوة من العملية التربوية ككل ولذا من المهم المام المعلمين بها وتنفيذها داخل غرفة الصف والتي مازالت تحتاج إلى جهود إضافية لتحقيق ذلك.

ثالثا: تغير دور الطالب:

وكما ذكرنا في المقال السابق ان دور الطالب قد تغير مع مطلع القرن الواحد والعشرين بصورة محورية من طالب مستهلك للمعرفة إلى طالب مبدع وصانع لها ومساهم في تطويرها والارتقاء بها وخاصة في وجود وتطور تكنولوجيا التعليم والتعلم التي فتحت أمامهم عالما جديدا وآفاقا رحبة للإبداع والإضافة للمعرفة بل وتوظيفها لإنتاج معرفة جديدة، مع التأكيد على الانفتاح الدولي والجهد المشترك مع الاخرين من خلال التحفيز الذاتي وتعليم ذي معنى بالنسبة إليه، ولو تأملنا واقعنا لوجدنا ان طلبتنا مازالوا مستهلكين للمعرفة بعيدين كل البعد حاليا عن المساهمة في انتاجها وتوظيفها بالصورة الفعالة في حياتهم، وبالرغم من ان الوزارة تسعى لتحقيق مهارات التفكير الإبداعي والتفكير الناقد لدى الطلبة كهدف من اهداف التعليم في البحرين إلا أن المناهج الدراسية وأساليب التدريس المستخدمة لا تحقق ذلك، وهذا ما أكدته العديد من الدراسات العلمية والأبحاث التربوية، منها على سبيل المثال الدراسة التي قمنا بنشرها عام 2009 في المجلة الاردنية في العلوم التربوية بعنوان مهارات التفكير الناقد المتضمنة في كتب العلوم للمرحلة الإعدادية بمملكة البحرين وقد تبين ان مهارات التفكير الناقد قليلة جدا في تلك الكتب الدراسية بحيث لا يمكنها تنمية التفكير الناقد والذي كان هدفا من اهداف وزارة التربية لتلك المرحلة، وكذلك الحال بالنسبة للعديد من مهارات التفكير التي تحتاج إلى تنمية من خلال منظومة المناهج بجوانبها المتعددة.

رابعا: التطور الكبير في أساليب واستراتيجيات التعليم والتعلم:

بالرغم من التطورات الكبيرة التي حدثت في استراتيجيات وطرق وأساليب التدريس إلا أن الطرق التقليدية مازالت هي السائدة الاستخدام لدى العديد من المعلمين والمعلمات وخاصة الطرق التي تؤكد على التلقين ومركزية المعلم بدل التركيز على المتعلم وتنمية المهارات والقدرات لديه وليس نقل المعلومات فقط، وهذا ما توصلت اليه وأكدت عليه العديد من الدراسات والرسائل العلمية والأبحاث التربوية التي أجريت داخل صفوفنا الدراسية بالرغم من وعي المعلمين والمعلمات بالطرق والاستراتيجيات الحديثة من خلال الدورات التربوية التي تعقد لهم ودراساتهم ومؤهلاتهم العلمية التي تم اعدادهم عليها إلا ان الكثير منهم يفضل تلك الطرق والأساليب في التدريس لسهولتها ولإكمال المنهج بصورة اسرع من خلالها.

خامسا: الأدوار الجديدة لمعلمي القرن الحادي والعشرين:

المعلم هو الركن الأساسي في نجاح أو فشل العملية التعليمية واللاعب الرئيس فيها، فدقة اختياره وحسن إعداده ومتابعة عمله وأدائه وتطويره باستمرار من خلال الدورات والبرامج العلمية لها دور كبير في نجاحه في مهماته وبالتالي نجاح العملية التعليمية وحسن مخرجاتها، فالأدوار المطلوبة من المعلم اليوم والتي تناولناها في الأجزاء السابقة من هذا المقال تجاوزت بكثير نقل المعارف والمعلومات وتوصيلها إلى الطلبة بصورة التلقين والحفظ وبالرغم من وعي المعلمين بذلك الا ان العديد منهم قصر مهمته ودوره في ذلك، وخاصة أن دور الطلبة قد تغير من متلقين للمعارف والمعلومات إلى مساهمين في انتاجها، مستفيدين من مهاراتهم وقدراتهم التي تطورها مدارسهم من خلال معلميهم ومناهجهم للمساهمة في تطوير مجتمعاتهم المعاصرة، المجتمعات القائمة على اقتصاد المعرفة وإدارة التكنولوجيا وانتاجها، مجتمعات أصبحت بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التأكيد على المواطنة والقيم الانسانية والعيش المشترك، مع تنمية واطلاق قدرات ومهارات الطلبة إلى اقصى حد ممكن لتحقيق كل ذلك، ولذا وجب مراجعة أدوار المعلمين والتأكيد عليها وتدريبهم المستمر على تنفيذها لتحقيق رسالتهم المعاصر والادوار الجديدة المطلوبة منهم.

سادسا: تطور نظريات التعليم والتعلم:

لنظريات التعليم والتعلم انعكاسات مباشرة على نوع الأساليب والاستراتيجيات التدريسية المختلفة المستخدمة من قبل المعلمين لتعليم وتعلم الطلبة وأساليب وصول المعلومات لديهم، وكذلك في اختيار أساليب القياس والتقويم وكذلك تعديل سلوك المتعلمين وطريقة التعامل معهم، وكلما تم الاستفادة من نظريات التعلم والتنويع في استخدامها وتوظيف الجديد منها كلما انعكس ذلك بصورة مباشرة على أداء ونتائج الطلبة، لأنها تسعى لفهم أفضل لطريقة تعلم الطلبة وطرق التعامل معهم، الا ان التطبيقات الميدانية في مدارسنا غالبا مازالت متمركزة حول النظرية السلوكية وربما المعرفية الجشطلتية إلى حد ما، بينما التأكيد والتوجه اليوم نحو النظرية البنائية ونظريات الدماغ وتطبيقاتها العملية داخل غرفة الصف، ولذا أعتقد أن هناك حاجة ملحة لعقد عدد من الدورات التدريبية للمعلمين حول ابرز نظريات التعلم الحديثة المطروحة على الساحة اليوم وتوظيف تطبيقاتها العملية داخل غرفة الصف. 

هذه نظرة سريعة على واقعنا اليوم من بعض التوجهات العالمية الحديثة لتطوير التعليم العام والمطروحة على الساحة العالمية، والتي نأمل ان يتم الالتفات اليها أكثر في مؤسساتنا التعليمية ومتابعة كل ما هو جديد والاستفادة منه بعد بحث ودراسة علمية لندفع منظومتنا التعليمية لتكون في مصاف الدول المتقدمة في أهم مجال من مجالات تقدم المجتمعات ألا وهو التعليم. 

 

 ‭{‬ أستاذ التربية (المناهج، واستراتيجيات التعليم)

 khalidbQ@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news