العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عار بلفور وحقوق العرب السليبة

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٧ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

في سنة 1919. وعقب نهاية الحرب العالمية الثانية. اجتمعت الدول المنتصرة في العاصمة الفرنسية باريس من أجل الاتفاق على إعادة رسم العالم. ضم ذلك الاجتماع ما يسمى «الأربعة الكبار» - أي رئيس وزراء إيطاليا، فرنسا وبريطانيا العظمى، إضافة إلى الرئيس الأمريكي وودرو ولسون. كان هؤلاء الأربعة هم اللاعبون الدبلوماسيون الرئيسيون في ذلك الاجتماع وهم الذين تولوا حسم مصير أراضي الدول الصغيرة في أوروبا الوسطى والتي خرجت منهزمة من الحرب العالمية الأولى. 

هكذا تفككت أراضي الإمبراطورية النمساوية والمجرية إلى عدة دول صغيرة في أوروبا الوسطى. أما ألمانيا فقد فقدت كثيرا من أراضيها وفرضت عليها إجراءات عقابية صارمة ومعاهدة سلام باهظة الثمن. عمدت مجموعة «الأربعة الكبار»، التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى، إلى الاستحواذ على بعض الأراضي وضمها إليها. 

في خضم هذا السياق الذي نتج عن الحرب العالمية الأولى تقرر حسم مصير الأراضي العربية بعد أن تكبدت الإمبراطورية العثمانية الهزيمة في الحرب العالمية الأولى - والتي تعرف باسم الحرب الكبرى. 

خلال الحرب العالمية الأولى، عمد الحلفاء إلى الإطاحة بالعثمانيين بعد أن حصلوا على مساعدة كبيرة من السكان العرب المحليين والذين انتفضوا ضد الحكم التركي. كان من بين الرعايا العثمانيين السابقين الأمير فيصل. وهو ابن الحسين بن علي شريف مكة. وصل الأمير فيصل إلى باريس سعيا للتأكد من أن البريطانيين سيفوا بما تعهدوا به لوالده الحسين بن علي شريف مكة. تتمثل هذه التعهدات البريطانية في منح الاستقلال ما بعد الحرب لتلك الأراضي العربية التي تحررت من سيطرة الأتراك.

استمعت الدول المجتمعة في مؤتمر باريس أيضا إلى حائيم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية البريطانية وقد طالب بإقامة وطن قومي لليهود في أرض عربية تعرف باسم فلسطين. سرد وايزمان في ذلك المؤتمر النص الكامل لوعد بلفور - أي تلك الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور إلى زميله اللورد روتشيلد يخبره فيها بأن الحكومة البريطانية تؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. 

لقد تسببت متاهة المعاهدات والاتفاقيات في اندلاع الحرب العالمية. سعيا منه للحيلولة دون اندلاع حرب عالمية جديدة مدمرة، فقد اقترح الرئيس الأمريكي وودرو ولسون سنة 1919 إنشاء عصبة الأمم- أي منظمة عالمية تعتمد أسلوب الدبلوماسية العالمية من أجل تكريس سيادة القانون. 

كان الرئيس وودرو ولسون يعتقد أن الاعتماد على الاتفاقيات الدولية ونشر الديمقراطية وتكريس السيادة والحرية والحق في تقرير المصير من شأنه أن يهيئ البيئة الملائمة من أجل تحقيق السلام الدائم. لم يأت الرئيس الأمريكي وودرو ولسون إلى باريس وهو يحمل أجندة لتوسيع الأراضي الأمريكية شرقا، بل إنه جاء إلى العاصمة الفرنسية وهو يؤمن بإمكانية تحقيق السلام العالمي.

عندما طرحت المسألة العثمانية أراد الرئيس وودرو ولسون أن يكرس مبدأ تقرير المصير وشدد على ضرورة التواصل مع الشعوب التي تعيش هناك لمعرفة حقيقة ما يريدون. كانت فكرة تقرير المصير غريبة ولا تتلاءم مع الطموحات والمشاريع الامبريالية والاستعمارية الفرنسية والبريطانية. لم يكن مبدأ تقرير المصير بمثاليته يتلاءم مع مؤتمر باريس الذي كرس سلام المنتصرين ونهب أراضي وأملاك المنهزمين. 

لم يعبأ الرئيس ولسون بذلك المناخ الذي ساد مؤتمر باريس رغم علمه بأن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها كان يمثل في ذلك الوقت فكرة راديكالية تصطدم مع السياسات الامبريالية والاستعمارية البريطانية والفرنسية.

لقد شدد الرئيس ولسون على ضرورة تمكين السكان العرب في الأراضي المحررة من حقهم في تقرير مصيرهم، مضيفا أن أي تسوية لمصير الأرض أو أي تكريس للسيادة يجب أن يتحددا على أساس قبول الشعوب المعنية بمثل هذه التسوية. 

لقد عمد الرئيس ولسون إلى طلب إجراء أول استطلاع لرأي العرب. في شهر يونيو 1919 وصلت لجنة أمريكية بقيادة رئيس كلية أوبرلين الدكتور هنري كنج، ورجل الأعمال والدبلوماسي شارلز كرين، إلى مدينة حيفا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وذلك من أجل البدء في أول استطلاع من رأيه لآراء السكان العرب، وقد سافر أعضاء اللجنة عبر ما كان يعرف بسوريا الكبرى، والتي كانت تشمل ما يعرف اليوم بلبنان وسوريا والأردن وفلسطين.

زار أعضاء اللجنة أيضا أكثر من ثلاثين مدينة والتقوا ممثلي أكثر من 442 منظمة وتسلموا أكثر من 2000 عريضة. لقد حرص أعضاء اللجنة على التأكد في كل محطة من المستقبل السياسي الذي يريده السكان المحليون، إما أن يحصلوا على الاستقلال وإما أن يعيشوا تحت سلطة دولة أجنبية. لقد سأل أعضاء اللجنة السكان المحليين عن رأيهم في الخطط الفرنسية والبريطانية لتقسيم المنطقة العربية. 

حرص أعضاء اللجنة أيضا على أن يسألوا السكان المحليين عن موقفهم من الخطط البريطانية لمساعدة الحركة الصهيونية على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. كان عدد السكان في تلك الفترة في حدود 3.247.500 نسمة، وقد كان من بينهم 2.365.000 مسلم و587.560 و140 ألف درزي و11.000 يهودي.

جاءت النتائج التي تمخض عنها ذلك الاستطلاع حاسمة بشأن بعض المسائل. فقد كان أبدى قرابة تسعة أعشار سكان فلسطين من غير اليهود مناهضتهم للمشروع الصهيوني في بلادهم وقد حصل شبه إجماع بين سكان فلسطين حول هذه المسألة بالذات أكثر من أي نقطة أخرى. 

كان نفس هذا الموقف المناهض للمشروع الصهيوني فلسطين سائدا أيضا في كامل الشرق العربي. جاء في تقرير كنج - كرين أيضا أن مسألتي سوريا الكبرى والاستقلال الوطني قد حظيتا أيضا بتأييد كبير في ذلك الاستطلاع.

تأسيسا على نتائج استطلاع آراء ومواقف السكان المحليين فقد طرح التقرير المذكور عدة اقتراحات. ففيما يتعلق بمصير فلسطين نفسها فقد اقترح كنج وكرين أن يتم التقليص من حجم المشروع الصهيوني في فلسطين، علما أن هذين الرجلين كانا في البداية متعاطفين معه. اقترح الرجلان الحد من عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين أو التخلي عن مشروع إقامته دولة يهودية في فلسطين. 

شملت الاقتراحات الواردة في ذلك التقرير أيضا عديد المسائل المحددة الأخرى التي امتدت على هذه صفحات غير أن الأمر الأكثر أهمية أن ذلك التقرير يعير أهمية كبيرة لآراء ومواقف السكان العرب المحليين. على غرار الرئيس الأمريكي ويلسون، اعتبر كنج وكرين أيضا أن فرض أي سياسة ضد إرادة الشعب من شأنه أن يتسبب في اندلاع حركة مقاومة على نطاق وواسع. رغم ذلك أصرت القوتان الاستعماريتان -بريطانيا وفرنسا- على المضي قدما في ذلك ولم تكترثا بنتائج التقرير. 

لقد اتخذ اللورد بلفور موقفا مناهضا، مبديا رفضه القاطع لمقاربة الرئيس الأمريكي ويلسون حيث قال: «في فلسطين نريد استشارة سكان تلك البلاد قصد معرفة رغباتهم رغم أن اللجنة الأمريكية قد فعلت ذلك.. سواء أكان المشروع الصهيوني جيدا أو سيئا، فإنه يظل أكثر أهمية من رغبات 700 ألف عربي يسكنون الآن تلك الأراضي القديمة». 

في نهاية المطاف كان للورد بلفورد ما أراد. فبدل الاستقلال، تقرر رسم الحدود وتفكيك الشرق العربي وخلق دوائر نفوذ استعمارية تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا، حيث أصبحت الدولتان الجديدتان -سوريا ولبنان- تابعتين للقوة الاستعمارية الفرنسية فيما حصل البريطانيون على الأردن والعراق، إضافة إلى فلسطين، بعد أن حصل تفاهم على تحويلها إلى وطن قومي لليهود.

لقد تسببت تلك السياسات المشينة التي انتهجتها القوتان الاستعماريتان -بريطانيا وفرنسا- في زرع بذور النزاعات العديدة التي ظلت تعصف بالمنطقة منذ تلك الفترة. قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو لصحيفة ذا نيو ستايتسمان في سنة 2002: «إن الكثير من المشاكل التي نتعامل معها الآن والتي أتعامل معها أنا الآن نتيجة ماضينا الاستعماري... فوعد بلفور والتعهدات المتناقضة التي قدمت سرا للفلسطينيين في نفس الوقت الذي قدمت فيه للإسرائيليين - هذا تاريخ مهم بلا شك غير أنه ليس بالتاريخ المشرف لنا».

هكذا إذا، لم تكن مئوية وعد بلفور المشؤوم مناسبة للذكرى والاحتفال. يجب أن تكون هذه الذكرى مناسبة لتذكير العالم بالظلم الشنيع الذي سببه الجشع الامبريالي والسياسات العنصرية بالأمة العربية البريئة. لم تجد حقوق ومواقف وآراء العرب إلا التجاهل واللامبالاة. لم تشهد المائة سنة الماضية سوى النزاعات والحروب والآلام والمعاناة. هذا هو العار الذي سيظل يلاحق بلفور.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news