العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

إغراق المدمرة «إيلات» ودور سلاح الجو المصري بعد حرب 1967

بقلم: يوسف صلاح الدين

الاثنين ٠٦ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

تعليقا على التحليل المنشور في «أخبار الخليج» بعنوان «50 عاما على إغراق وتدمير المدمرة الإسرائيلية «إيلات» بصفحة دراسات يوم السبت الماضي (غرة صفر 1439هـ الموافق 21 أكتوبر 2017م)، أود إضافة بعض المعلومات التاريخية وهي باختصار:

أنا وغيري كثيرون عاصرنا تلك الفترة ومازلنا نذكر كثيرا من أحداثها، فقد كانت التوقعات والتخمينات عن حرب 5 يونيو 1967 تتجاوز الحقائق والمعطيات الممكنة والمنطقية في تلك الفترة وما صاحبها من ظروف إقليمية وعالمية كان يجب أخذها في الحسبان من قِبَل القادة العرب بدلا من رفع شعارات براقة وحماسية تخالف الواقع، ما أدى إلى هزيمة مريرة، فقد كنا نسعد بسماع البيانات العربية من الإذاعتين المصرية والسورية، ونحزن لسماع البيانات المتناقضة من الإذاعات الإسرائيلية والبريطانية وصوت أمريكا التي هي الآن «إذاعة سوا».

فبالإضافة إلى «المعركتين اللتين وقعتا على الجبهة المصرية بعد فترة قصيرة من هزيمة 1967 وكان لهما أبلغ الأثر في إعادة الأمور إلى نصابها، «هناك أيضا معركة ثالثة وهي معركة جوية حدثت يومي 14 و15 يوليو 1967 وسميت طلعة «مدكور أبو العز»، وكانت أيضا مؤثرة على الجبهة، فقد قام الطيران المصري للمرة الأولى بعد الهزيمة بعمل هجمات جوية قوية على المواقع الإسرائيلية شرق قناة السويس وكانت هذه الهجمات هي إعلان من القوات الجوية المصرية عن وجودها بعد الهزيمة، وكان لهذه الهجمات دوي مثير في مختلف دول العالم على سير المعارك اللاحقة التي أدت إلى حرب الاستنزاف والتي غيرت مفاهيم كثيرة في الاستراتيجيات العسكرية الإسرائيلية والمصرية والعالمية؛ لأن حرب الاستنزاف أسهمت في معرفة التكتيكات الإسرائيلية خلال الاشتباكات الجوية، وهو ما مكن الطيارين المصريين من التعود عليها وتحقيق نتائج رائعة في حرب الاستنزاف ونجاح الضربة الجوية في حرب 6 أكتوبر 1973. 

لقد قام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في 10 يونيو 1967 بتعيين الفريق طيار مدكور أبو العز قائدا للسلاح الجوي، وكان قبلها محافظا لمدينة أسوان وله أعمال معروفة في الميدان العسكري والمدني، ولكن عبدالناصر عزله مرتين، المرة الأولى قبل نشوب حرب يونيو بثلاث سنوات والثانية بعد تعيينه بحوالي خمسة أشهر في نوفمبر 1967 لأسباب وتبريرات لا يتسع هذا المقال لذكرها، وتم التعتيم على أدوار أبو العز الذي نال ميدالية المنظمة الدولية للطيران المدني بعد أن رشحه لها الرئيس السابق الطيار محمد حسنى مبارك، وكذلك تم تكريم أبو العز بحضور مبارك في احتفال أقيم بمقر الكلية الجوية في بلبيس في يوليو 2005 بمناسبة تخريج الدفعة 72 من طلبة الكلية بفرعيها الطيران والعلوم العسكرية الجوية، وسميت باسم الفريق مدكور أبو العز وحضر مبارك جنازة أبو العز الذي توفي عام 2006.

لمدكور أبو العز قول مشهور يتداوله الطيارون «من الشرف أن تفقد القوات الجوية إحدى طائراتها في معركة جوية، ولكن من العار أن تفقدها وهي رابضة على الأرض».

ورغم عدم وجود دور لأبي العز في حرب 6 أكتوبر 1973 إلا أن دوره وبصماته كانت هناك، فأغلب الطيارين كانوا من طلبته، ومساعده في كلية الطيران في ذلك الوقت كان حسني مبارك ومهما يقال عن مبارك، فإن دوره كان حاسما ومهما في أعداد الضربة الجوية، ما أدى إلى نجاح عبور قناة السويس فقد استخدم مبارك الضربة الجوية بمختلف الطائرات المتوافرة لديه على ان تطير على ارتفاعات منخفضة ومعها قاذفات القنابل الثقيلة والمعروفة باسم توبوليف تى يو 16 والتي هي مصممة للطيران على ارتفاعات شاهقة وتم حشد الطائرات وكأنها في مناورات أو طلعات روتينية. 

استطاع أبوالعز تجميع حوالي 250 طائرة من الطائرات التي لم تدمر في الضربة الجوية، وطائرات معطوبة تم إصلاحها وطائرات أرسلت من قبل الاتحاد السوفيتي والمملكة الليبية والمملكة المغربية والجمهورية الجزائرية التي كان لها دور مهم. فقد سافر الرئيس الراحل هواري بومدين إلى الاتحاد السوفيتي وقابل القيادة السوفيتية العليا وتلاسن معهم وقدم شيكا على بياض بقيمة أسلحة وطائرات وذخائر، وحث الاتحاد السوفيتي على إرسالها إلى مصر مرتين خلال حرب يونيو 1967 وحرب أكتوبر 1973.

استطاع أبوالعز بعد مرور أربعين يوما على تدمير أكثر من 85% من السلاح الجوي المصري الرد على الاستفزازات الإسرائيلية، ووجه ضربتن جويتين استهدفت المطارات والطائرات الإسرائيلية ومراكز القيادة في سيناء بعد أن احتلتها إسرائيل، واتبع أسلوب الطيران المنخفض رغم أن السوفييت يمنعون طياريهم من استخدام طائرات الميج 21 على ارتفاع منخفض بسبب عوامل فنية في تصميمها، لكونها طائرات دفاعية وليست هجومية ومصممة للاشتباك على ارتفاعات عالية، حيث إن الاشتباكات الجوية لها عوامل مهمة يجب الأخذ بها بتحديد مسرح المعارك وما به من مظلات جوية ومدافع وصواريخ مضادة للطائرات ونوعية وميزة وكفاءة الطائرات المهاجمة والمدافعة من نواحي التسليح والارتفاع والسرعة ومدى الطيران.

في اعتقادي ان دور أبو العز ومبارك البطولي في استخدام الطائرات على ارتفاعات منخفضة لا يقل عن الدور البطولي للطيار الأمريكي جيمس هارولد دوليتل الذي قاد 16 طائرة قاذفة قنابل من نوع بي 25 أقلعت من حاملة الطائرات الأمريكية «هورنيت»، وكانت على مسافة حوالي 960 كيلومترا من اليابان وأغارت للمرة الأولى على المدن اليابانية ومنها طوكيو في 18 أبريل 1942.

اعترفت إسرائيل وقتها بتكبدها خسائر كبيرة في الأفراد والطائرات الحربية وطلبت من مجلس الأمن التدخل لوقف إطلاق النار وهددت السيدة جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل بقصف قرية أبو العز، وكذلك هدده الجنرال موشيه ديان وزير الدفاع ولقبته الصحف الإسرائيلية «بالسفاح».

أدت الهجمتان إلى إعادة قدر من الثقة والإحساس بالكرامة التي فقدت في حرب 5 يونيو 1967 بشأن الطيارين المصريين في العالم الإسلامي والعربي.

هناك أقوال مختلفة ومتناقضة عن تفاصيل إغراق المدمرة «إيلات» في التصريحات الإسرائيلية والمصرية وهناك رواية غير مؤكدة تقول إنها كانت المدمرة أو الفرقاطة «إبراهيم الأول» التي كانت في مهمة لقصف ميناء «حيفا» خلال حرب العدوان الثلاثي في سنة 1956 وأسرتها إسرائيل وأبدلت اسمها ومازلت أذكر تفاصيل الكتاب الذي كان يدرس في مدارس البحرين في المرحلة الإعدادية عن المدمرة إبراهيم، والتي أرسلت من قبل القيادة البحرية المصرية ومن دون توفير غطاء جوي رغم معرفة القادة بان إرسال مدمرة إلى معركة بحرية ومن دون توفير غطاء جوي يحميها هو بمثابة انتحار، والأرجح أن هذه رواية إسرائيلية تم ترويجها بهدف التقليل من شأن الانتصار والإنجاز المصري بتدمير وإغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، والذي كان فضيحة مدوية لإسرائيل، والدليل على ذلك أن القائد الإسرائيلي للمدمرة «إيلات» اسحاق شوشان لم يتحدث إطلاقا عن هذه المزاعم في مذكراته بعنوان «الرحلة الأخيرة للمدمرة إيلات» لأن الثابت تاريخيا أن المدمرة «إيلات» هي إحدى مدمرتين من صناعة إنجليزية اشترتهما إسرائيل من إنجلترا عام 1956.

ومن جانب آخر، نشير إلى حادثة إغراق المدمرة الألمانية «بسمارك» والتي تعد من أهم وأقوى قطع أسطول ألمانيا النازية في 27 مايو 1941والمدمرة البريطانية «أمير ويلز» المتجهة إلى سنغافورة في 10 ديسمبر 1941 وهي معروفة وتدرس في المعاهد العسكرية، لكن المدمرة «إبراهيم» استطاعت الوصول إلى ميناء «حيفا» وقصفته رغم وجود سفن إسرائيلية وبريطانية وفرنسية، وتعرضت المدمرة بعد نهاية مهمتها لهجمات جوية وبحرية.

أشاعت بعض وسائل الإعلام في ذلك الوقت أن البحرية المصرية أغرقت مدمرتين، هما «ايلات» و«يافو» نسبة إلى ميناء «يافا»، ولكن تم نفي غرق المدمرة «يافو» لعدم وجود دليل ملموس على غرقها، ولكن مهما قيل عن تفاصيل المعركة من مختلف الأطراف فإن المعركة كانت بمثابة نصر كبير وفريد من نوعه للبحرية المصرية؛ لأنها المرة الأولى في التاريخ التي تتمكن فيها زوارق صواريخ صغيرة من تدمير مدمرة، وأدى هذا النصر إلى صدور قرار جمهوري بمنح كل الضباط والجنود الذين شاركوا في العملية أوسمة وأنواطا، وأصبح غرق المدمرة «ايلات» في 21 أكتوبر 1967 عيدا للقوات البحرية المصرية تحتفل به كل عام. وقد أشادت الدوائر العسكرية بالشجاعة النادرة لقادة الزوارق المصرية، وتم تسجيل هذه المعركة ضمن أشهر المعارك البحرية في التاريخ العسكري.

 

yousufsalahuddin@gmail.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news