العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الرسول الكريم.. رؤية غربية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٥ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

لقد احتل العقل مكانة كريمة في الإسلام حين جعله مناط التكليف، وعوّل عليه في الطاعة، والمعصية، ومحاسن الأخلاق، وجعل من شروط صحة التكليف وجود العقل، وبغيابه بسبب السن أو فقدان الوعي باتباع الهوى، أو بما يقترفه المؤمن من معاص كشرب المسكرات، أو تعاطي المخدرات، أو اتباع الآباء والأجداد، قال تعالى: «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأَضَلَّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون» سورة الجاثية/23.

ومن مكانة العقل في الإسلام، وعظيم منزلته أنه جعله الفارق العظيم بين الإنسان والمخلوقات الأخرى التي لم يمنحها الحق سبحانه وتعالى نعمة العقل، يقول جل جلاله: «ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام. بل هم أضل أولئك هم الغافلون» سورة الأعراف/179.

وانظر إلى من حباه الله تعالى عقلاً راشداً وإدراكاً سديداً، كيف يوجه عقله إلى ما يحقق إنسانيته، وصار من مقتضى احترامه لعقله أن أطلقه في الكون الفسيح ليقرأ آيات الله الدالة على وجوده وعظمته، يقول الحق سبحانه وتعالى: «إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار (191)» سورة آل عمران.

انظر كيف يقود العقل الرشيد، والتدبر السديد صاحبه وهو يقلب بصره وبصيرته في الكون من حوله، يقوده هذا كله إلى التعرف على واجب الوجود، الإله الواحد الذي لا شريك ولا ندّ له سبحانه.

إن الكون بشموسه وأفلاكه ومجراته، والأرض بمحيطاتها وبحارها وأنهارها وجبالها هو كتاب الله المنظور، وقرآنه هو كتابه المقروء، والمؤمن يقلب بصره وبصيرته في هذا وذاك ليصل من خلال ذلك كله إلى أنه لا بد للكون من إله حكيم وعليم وقادر، يقول سبحانه ليدلل على ذلك: «إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفورا» سورة فاطر/41.

هذا العقل الراشد يتحاكم إليه الإسلام في كل قضاياه التي يختلف حولها الناس، وليقرر من خلاله صدق البلاغ عن الله تعالى بواسطة رسل الله الكرام، وليدلك به أيضاً على كمال أخلاق الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وها نحن نرصد مواقف علماء الغرب ومفكريه من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) لنصل من خلال ذلك إلى حقيقة أن العقل الراشد ليس حكراً على أمة دون أمة، ولا على إنسان دون آخر، بل هو مشاع بين الناس، وكل له حظه المقدر له من هذا العقل، ومن احترام العقل وتوقيره ألا يسعى به صاحبه في طريق الغواية، وألا يستعلي به على غيره، وسوف نضرب مثالاً عملياً من أصحاب العقول الراشدة الذين احترموا عقولهم، فلم يغمطوا رسول الإسلام حقه، بل اعترفوا له بكمال أخلاقه، وعظيم صفاته، وأنه الأعظم بين عظماء التاريخ، وأنه لم يأت رجل عظيم بمثل ما جاء به رسول الإسلام صلوات ربي وسلامه عليه.

وها هي ثلة من علماء الغرب ومفكريه يقفون على منصة الشهادة العالمية ليدلوا بشهاداتهم لصالح رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، ومن هؤلاء العالم الأمريكي مايكل هارت، الذي ألف كتاباً بعنوان: «المائة الأكثر تأثيراً في التاريخ» أعظمهم محمد (صلى الله عليه وسلم)، يقول في كتابه هذا: «إن محمداً (صلى الله عليه وسلم) كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.. إن هذا الاتحاد الفريد لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي مما يخوله أن يعتبر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية» قالوا عن الإسلام/ د.عمادالدين خليل/90.

الكاتب مايكل هارت لا يتحدث عن محمد الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأن هذا ليس هدفه في هذا الكتاب، وإنما هدفه وغايته أن يرصد مائة شخصية كان لهم أعظم الآثار على البشرية، سواء كانت هذه الآثار في الخير أو في الشر بدليل أنه أورد أسماء: كهتلر وموسيليني، وهذا لا يعني أن العلماء والمفكرين الغربيين الذين سوف يقفون على منصة الشهادة كلهم يحذون حذو العالم الأمريكي مايكل هارت، بل فيهم كثير يعظمون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكمال أخلاقه، وعلوّ منزلته بين إخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، ومن هؤلاء العلماء من يؤكد خاتمية الرسول محمد لركب الرسل الكرام، ومن هؤلاء العالم واشنجتون إيرفنج، فلنستمع إلى شهادته في حق رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول إيرفنج: «كان محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم النبيين، وأعظم الرسل الذين بعثهم الله تعالى ليدعوا الناس إلى عبادة تعالى» المرجع السابق /ص95، نقلاً عن كتابه (حياة محمد (صلى الله وسلم عليه). 

أما الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند مارسيل بوازار، القانوني والمفكر الفرنسي، فهو ليس مصلحاً اجتماعياً، بل هو رسول من عند الله تعالى، يقول بوازار في كتابه «إنسانية الإسلام»: «لقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) نبياً لا مصلحاً اجتماعياً، وأحدثت رسالته في المجتمع العربي القائم آنذاك تغييرات أساسية لا تزال آثارها ماثلة في المجتمع الإسلامي المعاصر..» المرجع السابق /ص99.

وفي حديثه عن أثر رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) في المؤمنين الذين آمنوا به وجعلوا سنته، وهي: أقواله، وأفعاله، وتقريراته مصدراً للقانون، يقول المؤرخ البريطاني المعاصر آرنولد توينبي: «لقد أخذت سيرة الرسول العربي (صلى الله عليه وسلم) بألباب أتباعه، وسمت شخصيته لديهم إلى أعلى عليين، فآمنوا برسالته إيماناً جعلهم يتقبلون ما أوحي به إليه وأفعاله كما سجلتها السنة، مصدراً للقانون، لا يقتصر على تنظيم حياة الجماعة الإسلامية وحدها، بل يرتب كذلك علاقات المسلمين الفاتحين برعاياهم غير المسلمين الذين كانوا في بداية الأمر يفوقونهم عدداً» من كتابه (مختصر دراسة التاريخ / المرجع السابق / ص100).

أما المفكر اللبناني جورج يوحنا، فيقول في كتابه (قصة الإنسان): «.. كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يخرج سويعات (لقائه مع جبريل عليه السلام) بآيات تنطق بالحكمة، داعياً قومه إلى الرجوع عن غيّهم، والإيمان بالإله الواحد الكلي القدرة، صاباً النقمة على الآلهة الصنمية التي كان القوم يعبدونها، فكان طبيعياً أن يحقد عليه أشراف العرب، ويضمروا له الشر لما كان في دعوته من خطر على زعامتهم، وهي ما كانت قائمة إلا على التعبد للأصنام التي جاء هذا الرجل يدعو إلى تحطيمها..» (المرجع السابق/ص102).

ويقول المؤرخ اللبناني فيليب حتى عن تكامل صفات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): «وإذا نحن نظرنا إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) من خلال الأعمال التي حققها، فإن محمداً الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحداً من أقدر الرجال في جميع أحقاب التاريخ. لقد نشر ديناً هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية، وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعَّالة في حياة الملايين من البشر» (المرجع السابق /ص102).

أما الشاهد التالي، وهو جورج سارتون، صاحب كتاب (الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط)، فيقول فيه: «صدع الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالدعوة نحو عام 610م وعمره يومذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين (عليهم السلام) ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهداً وفقيهاً ومشرعاً ورجلاً عملياً..» المرجع السابق /ص113).

وها هي المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري، الأستاذة بجامعة نابولي تتحدث عن تسامح الرسول (صلى الله عليه وسلم) نحو أتباع الأديان الموحدة، فتقول في كتابها (دفاع عن الإسلام): «كان محمد (صلى الله عليه وسلم) المتمسك دائماً بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة. لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين مصطنعاً الأناة دائماً اعتقاداً منه بأن الزمن سوف يتم عمله الهادف إلى هدايتهم، وإخراجهم من الظلام إلى النور.. لقد عرف جيداً أن الله تعالى لا بد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري» (قالوا عن الإسلام/ د. عمادالدين خليل /ص119).

هذه بعض المواقف الغربية والاستشراقية من رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم)، والوفاء ببعض حقه على البشرية، وكما قلنا سابقاً: الفضل بما شهد به الأغيار من الذين لا ينتمون إلى الإسلام عقيدة وشريعة، ولكنهم ينتمون إلى الحقيقة المطلقة التي يبحث عنها كل عالم منصف يحترم عقله، ويبجله، ويأبى أن يستجيب إلى مشاعره التي قد تضلله، وتجعله ينكر الحق الذي لا تغيب شمسه أبداً.

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news