العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٤ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

بلفور ووعده المشؤوم

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٥ نوفمبر ٢٠١٧ - 01:20

لا أريد أن أقف طويلاً عند تصريح رئيسة وزراء بريطانيا (تيريزا ماي) عندما أعلنت يوم الأربعاء الموافق 25 أكتوبر 2017 أنها تفتخر بأن بريطانيا كان لها الفضل الأكبر في إنشاء الكيان الاستعماري الذي يعرف بالكيان الصهيوني، فهي تنظر إلى هذا الموضوع بعين استعمارية وبعين بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس، وبعين تلك القوات الإنجليزية التي اجتاحت الدول العربية الإسلامية لتخضعها للسلطة الإنجليزية المحتلة، فتصريحاتها لم تكن مفاجئة، ولكن العتب على المتصهينين العرب الذين لم يجدوا غضاضة في الثناء عليها والتسبيح بحمدها هي وأمريكا. 

فلو عدنا بالتاريخ إلى ما قبل 100 سنة، وبالتحديد 2 نوفمبر 1917 نجد أن وزير خارجية بريطانيا آنذاك (آرثر جيمس بلفور) قد وعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في وثيقة كتبت على ورقة تحوي 67 كلمة فقط، وكأنه عندما وعد كان يملك فلسطين حينئذ، فهو يعلم علم اليقين أن بريطانيا كانت دولة مستعمرة لفلسطين في حينه، وأن العرب والمسلمين كانوا يفدون هذا القطر بأرواحهم مهما طال الزمن. علمًا بأن نسبة اليهود في فلسطين في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز 5% من مجموع السكان، فمن أين جاءهم الحق في إقامة دولة لهم في فلسطين؟

وكان خطابه موجهًا إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، فمن هو ليونيل روتشيلد هذا؟ 

كان «ليونيل روتشيلد» هو المسؤول عن فرع عائلة روتشيلد في إنجلترا، وهي أسرة مصرفية يهودية، أصلها من مدينة فرانكفورت الألمانية، كما كان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي، وزعيم الطائفة اليهودية الإنجليزية. 

اشـترك ليونيل في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم، كما قدم التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيدًا عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي اسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة حماية الخديوي توفيق من الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيدًا لتحطيمها وتقسيمها.

وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لا بد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي فحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد، ولذلك سعى ليونيل لاستصدار التعهد البريطاني المعروف باسم وعد بلفور، وعند إصدار وعد بلفور كان روتشيلد رئيسًا شرفيا للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وايرلندا، وبعد ذلك سعى ليونيل إلى إنشاء فيلق يهودي داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وتولى مسؤولية الدعوة إلى هذا الفيلق، الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني، وجمع المتطوعين لهذا الفيلق «جيمس أرماند روتشيلد» (1878-1957م)، كما تولّى هذا الأخير رئاسة هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتولّى والده تمويل بناء المستوطنات والمشاريع المساعدة لاستقرار اليهود في فلسطين، ومن أهم المشروعات القائمة حتى اليوم مبنى الكنيست الإسرائيلي في القدس.

ولم تكتف بريطانيا العظمى بالوعد المشؤوم وإنما ساهمت بكل ما تملك في تنفيذ هذا الوعد، وبعد حوالي 31 سنة في 14 مايو 1948 تم الإعلان عن كيان طفيلي باسم (دولة إسرائيل) وذلك من خلال وثيقة إعلان قيام ذلك الكيان، عارضت جامعة الدول العربية أي تقسيم لفلسطين ولإقامة إسرائيل، وشنت على أثر ذلك حملة عسكرية على الدولة المسخ فيما يعرف بحرب 1948.

وقد نتج عن إعلان قيام دولة إسرائيل تشكيل حكومة مؤقتة، في حين مازالت العمليات العسكرية مستمرة، واعترفت الولايات المتحدة على الفور بالحكومة المؤقتة باعتبارها السلطة الشرعية بحكم الأمر الواقع، وتبعتها إيران – التي كانت قد صوتت ضد خطة تقسيم الأمم المتحدة – ثم غواتيمالا وايسلندا ونيكاراغوا ورومانيا والأوروجواي ، وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بإسرائيل اعترافًا قطعيا بتاريخ 17 مايو 1948، ثم تبع ذلك بعض الدول الأخرى وقد غيرت الولايات المتحدة حالة اعترافها القانوني بإسرائيل ليصبح اعترافًا قطعيا بعد عقد الانتخابات الإسرائيلية الأولى، بتاريخ 31 يناير عام 1949، والذي انتخب فيه «ديفيد بن غوريون» كأول رئيس وزراء لإسرائيل.

تقدمت إسرائيل بطلب الحصول على عضوية في الأمم المتحدة بتاريخ 15 مايو 1948، أي بعد يوم واحد من وثيقة إعلان قيامها، ولكن الطلب لم يتخذ من جانب مجلس الأمن، ورفض مجلس الأمن طلب إسرائيل الثاني في 17 ديسمبر 1948 بأغلبية 5 أصوات مقابل صوت واحد مع امتناع 5 أعضاء عن التصويت.

وبعد فشل إسرائيل في طلبها الانضمام إلى الأمم المتحدة في خريف 1948، عادت وقدمت طلبًا آخر في ربيع 1949، وبعد التصويت (37 مع، 12 ضد، و9 ممتنع)، أصدرت الجمعية العمومية قرارها رقم 273 بتاريخ 11 مايو 1949 بقبول عضوية إسرائيل بناءً على إعلان إسرائيل بأنها «تقبل من دون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وتتعهد بتطبيقها من اليوم الذي تصبح فيه عضوًا في الأمم المتحدة» وبأنها تتعهد بتطبيق قرار الجمعية الصادر (29 نوفمبر 1947) وقرار تقسيم فلسطين (11 ديسمبر 1948 (قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ومن الجدير بالملاحظة أنه لم يطبق من كل هذه القرارات أي شيء حتى الآن، والأمم المتحدة عاجزة كل العجز حتى عن إدانة إسرائيل وأفعالها المشينة.

ويستمر الحال، حتى أنه في عام 2002 اقترحت جامعة الدول العربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل من جانب الدول العربية كجزء من حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في إطار مبادرة السلام العربية.

واليوم وبعد مائة سنة، تعلن بريطانيا على لسان رئيسة وزرائها «تيريزا ماي» قولها «سنحتفل حتمًا بالذكرى المئوية لوعد بلفور بكل فخر»، لترد بذلك على المطالبات الفلسطينية من بريطانيا بالاعتذار عن منح هذا الوعد المشؤوم الذي انتهى إلى كارثة حلت بهم في نكبة 1948. وهكذا تحولت كوارث العرب إلى مفخرة بريطانيا، وحيث قالت في معرض ردها على أسئلة النواب في مجلس العموم البريطاني (نفتخر لدورنا في تأسيس دولة إسرائيل)، وعبرت عن امتنانها لبلادها، بإقامة العلاقات (الوثيقة بالطبع) مع هذا الكيان المغتصب، وهللت أنها بانتظار زيارة «نتنياهو» لبريطانيا في الثاني من نوفمبر الحالي بفارغ الصبر، طبعًا استجابة لدعوة منها، لحضور الاحتفال بالذكرى المئوية لإعلان «وعد بلفور».

وأضافت بقولها: «علينا أيضًا فهم الشعور الموجود لدى بعض الناس بسبب وعد بلفور، ونعترف بأن هناك مزيدًا من العمل يجب القيام به».

ويبقى السؤال المهم، لو كان حال العرب غير الحال الذي نحن فيه هل تجرأت رئيسة الوزراء بمثل هذا التصريح؟ هل بعد هذا الهوان الذي نعيش فيه والإهانة شيء يقال؟

نعم هناك، اليوم سوف يتصايح العرب المتصهينيين بالإسراع في عملية التطبيع مع ذلك الكيان المسخ، بدعوة أنها واقع، أو على الأقل ينادون بقيام الدولتين، وكأن كل ما فعله اليهود صار مقبولاً، وكأن كل المذابح التي تمت وكل العربدة التي جرت في كل الأراضي العربية كانت مجرد مزح ومهرجانات واحتفالات، وكأن كل ما جرى وسوف يجري مجرد حلم في ليلة صيف، ألا يعلم كل هؤلاء أن القادم مع اليهود أسوأ من الذي مضى؟

إن تطاول اليهود على الذات الإلهية سبحانه وتعالى، أنهم قاموا فيما مضى بقتل الأنبياء عليهم السلام، وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاولوا قتله، فهل لا يتورعون عن القضاء على البشرية ليسودوا العالم؟ وهذا ليس من خيالاتنا وإنما هو من عقيدتهم الراسخة، ففي التلمود يؤمن اليهود -وبكل صلافة وبجاحة- بأنهم شعب الله المختار، وما عداهم من البشر ما هم إلا دون مستوى البشر، ويمكن أن ننقل من التلمود هذه المقولات:

«اليهود أبناء الله، أما غيرهم فحيوانات نجسة»

«تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من والده، ومن ثم كانت أرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة إلى باقي الأرواح، لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواح شيطانية، وشبيهة بأرواح الحيوانات».

«إذا لم يُخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض، ولما خلقت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقي المخلوقات أن تعيش، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الموجود بين اليهود وباقي الشعوب».

«وخلق الله الأجنبي على هيئة الإنسان ليكون لائقًا لخدمة اليهود الذي خُلقت الدنيا لأجلهم».

«الإسرائيلي أفضل عند الله من الملائكة، فإذا ضرب أميٌّ إسرائيليًا فكأنه ضرب العزة الإلهية، وهو يستحق الموت».

ويعتبر اليهود أنفسهم مساوين للعزة الإلهية، ولذلك يجب أن تكون الدنيا بما فيها ملكًا لهم، ولهم عليها حق التسلط، ولهم مطلق التصرف في كل شيء فيها، وإذا سرق أولاد نوح (أي غير اليهود) شيئًا، ولو كانت قيمته تافهة جدًا، فإنهم يستحقون الموت لأنهم قد خالفوا الوصايا التي أوصاهم الله بها، وأما اليهود فمصرح لهم أن يضروا الأمي (غير اليهود).

هل وصلت الفكرة يا عرب؟

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news