العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

في الصميم

أحمد سلمان كمال.. الذي فقدناه!!



في تمام السابعة والنصف من صباح أمس كنت أستعد للخروج إلى حفل تكريم صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان للصحافة والصحفيين.. سمعت زوجتي تناديني «تليفون من الأستاذ أنور عبدالرحمن».
إن أخشى ما أخشاه هو «التليفون الذي يأتيني في الصباح الباكر على غير العادة».. حيث ترتعد معه فرائصي.. وأتوقع معه مكروها.. أو وقوع مصيبة وراءها حدوث خطأ شنيع في عدد «أخبار الخليج» الصادر في الصباح.. فقد ذهب تفكيري على الفور إلى كلمات مانشيت الجريدة على الصفحة الأولى «شجعان مصر حموها من أن تسقط بأيدي جهلة ومجرمين».. وقلت في نفسي: يبدو أن هذا المانشيت قد أغضب من أغضب!!
لمْ أُكمل استعدادي للخروج وقمت بإعادة طلب الأستاذ أنور عبدالرحمن فوجدته على الفور يقول لي «البقاء لله» الأستاذ أحمد كمال في ذمة الله.. ثم قال: عليك القيام بالواجب.. بأن تفرد صفحة كاملة تُسّطر فيها سيرته وحياته وكفاحه من خلال الصحافة من أجل الوطن والمواطنين.. وأن تفرد مساحة أخرى لتعزيته ومواساة أسرته باسم «أخبار الخليج».
وعلى أية حال فقد كان هذا الخبر مؤلما وصادما لي.. حيث صادقتُ وعايشت الأستاذ الكبير أحمد سلمان كمال بصفة يومية وعانينا معا متاعب وأهوال المهنة عبر سنوات طوال من خلال «أخبار الخليج».. ولي معه ذكريات لا تنسى.. بعضها مبعث فخر واعتزاز وارتياح.. والبعض الآخر «مر وعلقم»!!
أحمد سلمان كمال ثاني رؤساء تحرير «أخبار الخليج» جاء إلينا بعد وفاة الأستاذ محمود المردي رحمه الله، وبعد أربع سنوات تقريبا من تاريخ بداية مسيرة «أخبار الخليج».
كان العمل إلى جانب الأستاذ أحمد كمال في «بلاط صاحبة الجلالة» مريحا.. فلم يأت إلينا من فراغ، حيث كان صاحب تاريخ حافل في إذاعة البحرين وإدارة المطابع وتولى مسؤولية إدارة المطبوعات الحكومية بوزارة الإعلام.. ورئيس تحرير مجلة البحرين.. وغير ذلك من النشاط الصحفي والإعلامي والطباعي.. وفوق ذلك كان أديبا ومثقفا من بين أدباء ومثقفي البحرين المعدودين.. وصاحب «قلم وطني» لا يجوز التقليل من دوره وعطائه.
عاصرتُ مشواره في «أخبار الخليج» كاملا في الوقت نفسه الذي عاصرت فيه الأستاذ طارق المؤيد - رحمه الله - وزيرا للإعلام.. وكان التفاهم بين طارق المؤيد وأحمد كمال كبيرا وكاملا.. وهذا حقق انسيابا مطلوبا في أداء «أخبار الخليج» لمهمتها في ذلك الوقت.. ثم لاحظت بعد ذلك تغيرا مفاجئا في صفو هذه العلاقات، ولم أرد أن أزج بأنفي لمعرفة أسبابه وتفاصيله.
إن تاريخ وأعداد «أخبار الخليج» طوال فترة عمل أحمد كمال رئيسا لتحريرها تشهد له بأنه وطني صميم.. حمل روحه على كفه.. وأمطر أعداء الوطن ودعاة تمزيق وحدته وإنجازاته وابلا من المقالات النارية.. غير مكترث بالتهديدات التي كان يتلقاها من حين إلى آخر وكان يبلغني بعضها قائلا: إن الصحفي الذي يقبل على نفسه بأن يسكت قلمه هو كالجندي الخائن الذي ينزل سلاحه من فوق كتفه.
كانت السنوات الطويلة التي قضاها الأستاذ أحمد كمال – رحمه الله – في السلك الحكومي ذات تأثير على أسلوب ونظام عمله بـ«أخبار الخليج».. يأتي إلى مكتبه في الصباح ويتركه في الواحدة ظهرا ليعود إليه في الرابعة ليتركه في الثامنة والنصف.. وكنا نلتقيه في الثامنة لنعرض عليه ما سوف يحمله عدد الصحيفة في اليوم التالي من خلال كشوف مكتوبة.. ليقول رأيه في كل ما يعرض عليه ثم ينصرف في الثامنة والنصف.
كانت علاقته تنقطع تماما بالصحيفة وصحفييها ومسؤوليها حتى صباح اليوم التالي.. تاركا الحمل بأكمله ومسؤولية إصدار الجريدة للمسؤولين بها.. وهذا يرجع إلى أن رؤساء تحرير الصحف يختلفون في أساليب ونظام عملهم كاختلاف بصمات الأصابع تماما.. وقد يرجع ذلك إلى الثقة في معاونيه.. المهم أنه قد نجح في خلق جيل من الكوادر الصحفية الذي يعتمد على نفسه.. وقد يختلف البعض في ذلك، لكن هذه هي بصمات أصابعه!!
كان أحمد كمال من النوع الذي يرفض لأي من زملائه أو معاونيه أو معارفه أن يؤثر على قناعاته ومبادئه مهما كانت الأمور.. وهذا أدى إلى غلق باب «القيل والقال» في بلاط صاحبة الجلالة.. وقد عرف عنه من زاملوه هذه الحقيقة.
كان أحد مديري التحرير بـ«أخبار الخليج» مصابا بنوع من الهلع لوجودي إلى جانبه في الجريدة وكان يخشى واهما على مستقبله مني.. لذا فقد أمسك بكل معاول الهدم ليجعلني أكره «أخبار الخليج» ثم أتركها.. فلم ينجح.. وآخر المطاف حرر مذكرة إلى رئيس التحرير «أحمد كمال» يطالب فيها بنقلي من إدارة التحرير إلى إدارة الإعلانات.. وكان على درجة من الذكاء التي جعلته لا يصور لي هذه الخطوة على أنها نوع من العقاب.. بل صورها بأنها في مصلحة الجريدة.. وأنني سأكون مفيدا أكثر في إدارة الإعلانات لأنني دارسٌ الإعلام والإعلان معا على المستوى الجامعي!!
استدعاني أحمد كمال وأطلعني على المذكرة.. وبعد أن انتهيت من قراءتها قلت له: وماذا ستفعل؟ ضحك.. وقال: «هذه الحيلة الخبيثة إن فاتت على العالم كله فلن تفوت أو تخيل عليّ.. استمر وواصل.. «أخبار الخليج» لن تكون بغير لطفي نصر».
طلب مني عدد من رجال الأعمال كانوا ينوون تأسيس شركة جماهيرية تؤدي أول خدمة من نوعها في البحرين بأن أحضر اجتماعات مسائية لتأسيس الشركة للاستفادة بخبراتي في رسم الأسلوب الأنجح للعلاقة بين الشركة وجمهور خدماتها.. عرضت الأمر على الأستاذ أحمد كمال رئيس التحرير.. فقال: أوافق بشرط عدم التأثير على واجبك في الجريدة.
وبعد أن تم تأسيس الشركة وبدأت القيام بدورها اتصل بي رئيس مجلس الإدارة وقال: سأرسل لك شيكا بأتعابك معنا في تأسيس الشركة.. فباسم من أكتبه؟ قلت له: باسم «أخبار الخليج».. وصلني الشيك وسلمته على الفور للقسم المالي، فقيل لي: 50% من المبلغ لـ«أخبار الخليج» و50% لك.. فلم أعترض ولم أناقش.. وبعد ذلك بالصدفة سألني أحمد كمال: هل كافأوك في شركة (....)؟ فقلت له ما حصل.. فغضب غضبا شديدا ونادى المدير المالي على الفور وأمره بأن يسلمني المبلغ كاملا!!
هذا هو أحمد كمال رئيس تحرير «أخبار الخليج» الذي كان يحترم الصحفي.. ويعي حقيقة دوره ومكانته.. وقد كان خفيض الصوت بطبعه.. وفوق ذلك كان هادئ الطبع.. حواراته كانت معنا جميعا زملاء ومرءوسين قائمة على الإقناع والاقتناع والاحترام.. ذلك لأن مهنة الصحافة ونجاحها لا تتطلب أكثر من ذلك.. وقد عرف أحمد كمال كل متطلبات ومقومات نجاحها.
رحمه الله أحمد سلمان كمال وأفسح له في جناته بقدر دماثة أخلاقه وهدوء طبعه وصداقاته وعلاقاته الطيبة مع الجميع.








إقرأ أيضا لـ""

aak_news