العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

في الصميم

كيف يكون إعداد الخيّرين؟!!



عندما قام المسؤولون على الجامعة الأهلية في البحرين باصطحاب الطلاب الدارسين في أقسام الصحافة والإعلام بالجامعة في رحلة علمية ودراسية إلى جمهورية مصر العربية.. وطافوا بهم في معظم دور الصحف الكبرى ومطابعها، وشملت الرحلة أيضا محطات الإذاعة والتلفزيون الرسمية والأهلية.. رأى الطلاب بأمهات أعينهم كيف يمارس الصحفيون والإعلاميون المصريون نضالا وكفاحا يوميا.. وكيف يتم التعامل مع أحدث الأجهزة وآلات الطباعة الحديثة.. وكيف تكون علاقة الرؤساء بالمرؤوسين.. ثم أُتيحت لهم فرصة التحاور مع كبار الصحفيين والإعلاميين في مصر من ذوي الباع والتاريخ العريق والعميق في مجال الصحافة والإعلام.. ساعتها كتبت عن هذه الرحلة وقلت هذا هو التعليم الصحيح.. وهذه هي الدراسة الميدانية الحقيقية كما يجب أن تكون.. ووجهت الشكر إلى القائمين على الجامعة الأهلية.. وأنحيت باللائمة على الجامعات والأساتذة الذين يحبسون طلابهم مع كتبهم ومذكراتهم في غرف مغلقة وبين جدران خانقة ومميتة.. لا يمكن أن تسمح بمعلومة نظرية واحدة أن تصل إلى عقول الطلاب!!
ولكن – والحق يجب أن يقال – لقد كانت مفاجأتي أكبر وأنا أقرأ ما نشرته «أخبار الخليج» بالأمس عما فعلته وتفعله «مدرسة عبدالرحمن كانو الدولية» بالنسبة إلى تربية وتعليم وتكوين عقلية طلابها وإعدادهم إعدادا رصينا ومدروسا للحياة الصعبة.
رفض القائمون على مدرسة عبدالرحمن كانو أن تكون رحلات طلابهم السنوية إلى دول الخارج بالنمط نفسه الذي تمارسه بعض المدارس الخاصة الأخرى.. التي تتباهى في تقاريرها بأنها تبعث طلابها في رحلات سنوية إلى نيويورك وباريس وسويسرا ولندن وغيرها من المدن الكبرى.. حيث يسعد بها طلابها ويهنأون ويقنعون بعودتهم من رحلاتهم بالقشور.. وبما تقع عليه أعينهم من إفرازات للحضارة الغربية تأباها كل قيمنا ومبادئنا وتعاليم ديننا الحنيف!!
بصراحة: لقد فوجئت – وفوجئ كثيرون غيري – بما يفعله القائمون على مدرسة عبدالرحمن كانو الدولية، فلقد دأبوا على مدى السنوات العشر الماضية أن يختاروا أفقر دول إفريقيا وغيرها مقصدا وهدفا لرحلات طلابها السنوية كتنزانيا، زنجبار، كينيا، وغانا، كما شملت أيضا جزر القمر، أوغندا، كمبوديا، وموزمبيق وغيرها.
ليس هذا فقط بل إن المدرسة تبدأ الإعداد لهذه الرحلات الطلابية السنوية من بداية العام الدراسي.. حيث يقيمون المعارض والأسواق ومهرجانات الخير والفعاليات لتخصيص ريعها إلى الرحلة السنوية المقبلة علاوة على جمع التبرعات من داخل المدرسة وأولياء الأمور.. ويحملون معهم في رحلتهم حصيلة التبرعات إلى الدولة التي يقع عليها الاختيار.. كما يحملون بقدر ما يستطيعون من المساعدات التي تحتاج إليها الأسر الفقيرة مثل مدغشقر التي كانت مقصدا للرحلة الأخيرة والتي ثلث سكانها هم تحت خط الفقر.. ويشترون من هناك المواد الغذائية للأسر الفقيرة ومن بينها الأبقار والعجول ليذبحوها وسط العائلات الفقيرة التي لا ترى اللحوم بأعين أهلها سوى مرتين في السنة.. وهذا غير توفير الأدوات والأجهزة التعليمية المدرسية ومن بينها أجهزة الكمبيوتر وغيرها من الوسائل الحديثة والملابس وغيرها.
وقبل أن أسترسل في تسجيل إعجابي بهذه الرحلات الطلابية الإنسانية الهادفة، يجدر بي أن أشير إلى أن السبب الذي يجعل مدرسة عبدالرحمن كانو تلزم هذا النهج الإنساني القويم في رحلات طلابها.. هو أن هذه المدرسة قد بنيت وأسست على نهج الخير والإنسانية على أيدي مؤسسها وبانيها الوجيه عبدالرحمن كانو – رحمه الله – والتي استطاعت تحقيق قصب السبق في فعل الخير كما أصبحت وبجدارة واحدة من أكفأ المدارس الخاصة على أرض البحرين.. مع حرصها الأكيد أن تبقى متحيزة للخير والإنسانية وعدم استغلال الطلاب وأولياء أمورهم كما تفعل بعض المدارس الخاصة.
كان مجموع الطلاب الذين شاركوا في رحلة مدغشقر (56) طالبا وطالبة إضافة إلى عدد من المشرفين والمشرفات.. وهذا العدد مكن الطلاب أيضا من أن يشتركوا جميعا في ترميم وتنظيف مدارس كانت في حالة يرثى لها.. وكان طلاب الرحلة يحملون هدايا خاصة لتقديمها إلى طلاب المدارس وإلى أهالي القرى التي يدخلونها.
القائمون على مدرسة عبدالرحمن كانو يعلمون أن طلابهم يعيشون على أرض البحرين عيشة رغدة.. وأن من واجب المدرسة التعليمي والتثقيفي أن يرى الطلاب بأنفسهم أن هناك على الطرف الآخر شعوبا محرومة تعاني وتقاسي.. وأن الواجب التعليمي يحتم أن نضع طلابنا في مواقف تجعل قلوبهم تستوعب وتتعاطف وتتضامن وتشعر بآلام الآخرين.. وفي الوقت نفسه يحمدون الله كثيرا أنهم يعيشون على أرض البحرين حياة رغدة هانئة وتحيط بهم نعم كثيرة بفضل من الله وبجهود قادتها الأوفياء الذين لا يدخرون جهدا في سبيل إسعاد الشعب وجعله يعيش دائما وأبدًا حياة كريمة.
وهذا صحيح.. فقد كان الأستاذ مصطفى أمين يقول لنا في اجتماعاته معنا: الثقافة ليست في الكتب بقدر ما هي في أنه يجب أن تمشي على قدميك وترى وتشعر وتحس بما تراه وتتفاعل معه بكل كيانك ومشاعرك.
تقول إحدى الطالبات العائدة من هذه الرحلة: هذه الرحلة جعلتني أكتشف حقيقة نفسي، لقد شعرت بخجل من نفسي وأنا أرى بشرا يعانون معاناة لم أسمع بها في حياتي، وحرمانا لا يتحمله بشر بينما أنا أعيش دلالا وراحة تحيط بي من كل جانب في البحرين.
ثم قالت: أنا لم أعرف حقيقة قيمة نفسي حتى عشت هذه التجربة.. وقالت طالبة أخرى: تمنيت لو كان في استطاعتي أن أقدم إلى هذا الشعب كل ما أملك حتى تستريح نفسي.. وقال طالب آخر: لقد عصفت بي مشاعر صعبة طوال هذه الرحلة.. ويقول أحد الطلاب: هذه الرحلة جعلتني أشعر بقلة الحيلة وتأنيب الضمير.
وقال طلاب مدرسة عبدالرحمن كانو الكثير مما يجب الوقوف عنده مليا.. لقد استوعبوا وتعلموا وانفتحوا ثقافيا على الآخر وشعروا بما لا يمكن أن يتعلموه أو يشعروا به داخل المدرسة.. ولذا فإن هذا هو التعليم والتثقيف والانفتاح الحقيقي.
وواجبٌ على تلفزيون البحرين في عهده الجديد أن يستضيف هؤلاء الطلاب العائدين وأمثالهم ليتحدثوا فيما رأوا وشعروا وأحسوا واستوعبوا.
إن أمثال هذه المدارس هي التي تخرّج الموظف الحقيقي.. والمسؤول الحقيقي.. والقادة الحقيقيين في مجال الوظيفة وفي كل الأجهزة، وفي مواقع العمل الذين يشعرون بآلام الساعين إليهم طلبا لما ينجزون من مراجعات أو يقدمون من خدمات.. ذلك لأنهم يكونون قد استوعبوا في فترات تنشئتهم ما يجعل كل منهم الرجل الصحيح في المكان الصحيح كما يشعرون بآلام الآخرين وقسوة ومرارة الحاجة لديهم.







إقرأ أيضا لـ""

aak_news