العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٩ - الأحد ٢٥ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

في الصميم

نوابٌ يجعلون من «الحبَّة قبَّة»!!



يتردد الآن أن عددا من السادة النواب ينوون التصدي لظاهرة الخادمات الهاربات.. وأن هذه المجموعة تبحث التقدم باقتراح بقانون خاص كآلية للتصدي لهذه الظاهرة!
ونحن لا يمكن لنا أن نقلل من الدور الكبير الذي يلعبه السادة النواب في إثراء الساحة التشريعية بالبلاد.. وليس من حقنا أن ننقص من هذا الدور المشهود به لهم، أو التهوين أو النيل منه.. ونشهد أنهم – أي السادة النواب – كانوا المبادرين من خلال نفس هذه الآلية – آلية الاقتراحات بقوانين – إلى استصدار مجموعة التشريعات الأخيرة التي تتصدى للإرهاب على أرض البحرين والتي أسهمت في تحجيم الإرهاب اللعين.. وكل ذلك عبر حماس هادر ومنقطع النظير.
لكن هذا لا يمنع أن نتهم بعض السادة النواب باستهانة هذه الآلية التشريعية.. والتلاعب بها وإقحامها فيما لا يصح ولا يجوز.. أو فيما لا حاجة لنا به.
في البداية من قال: إن حوادث هروب الخادمات من كفلائهم قد أصبحت ظاهرة تستحق إهدار الجهود الثمينة والغالية للسادة نواب الشعب؟
صحيح أن كثرة أحاديث الناس عن هروب الخادمات في البحرين قد يوحي بأن هذه المسألة أصبحت ظاهرة.. وأنك عندما تنطق أمام أي بحريني بكلمة «خادمة» فإنك تكون وكأنك قد أدرت مفتاحَ مذياع مغلق.. حيث ينطلق محدثا إياك عن هروب الخادمات.. وعن حكايته أو حكاية زوجته مع الخادمة.. أو حكاية جيرانه أو أقاربه أو الحكايات التي يسمعها عن هروب الخادمات.. وكأنها – أي هذه الحكاية - قد أصبحت الحكاية الوحيدة الماثلة أمام الجميع.. وأنه لا قضية ولا حديث لأحد إلا عن هروب الخادمات!
كل هذا بينما الحقائق تؤكد أن هذه الحكاية غير ذلك تماما.. وأنه بحسب مصادر هيئة تنظيم سوق العمل فإن عدد حوادث هروب الخادمات على أرض البحرين خلال سنة كاملة – وبحسب أحدث الإحصائيات – هو 1400 خادمة في السنة.. وهؤلاء لا يشكلن أكثر من 0.3% من جملة عدد الخادمات في البحرين!!
هذه المفاجأة.. والسادة النواب.. لا تتفتق أذهانهم إلا عن أخبار موضوع الخادمات الهاربات أداة للتقنين.. لقد تركوا كل الموضوعات والظواهر المهمة أو الحرجة تستفحل على الساحة.. واختاروا هذا الموضوع لاستصدار قانون خاص للتصدي بمقتضاه إلى الخادمات الهاربات.. بينما الموضوع الذي يحتاج إلى البحث والتقنين هو الإجابة على هذا السؤال الحائر: لماذا يحلو للجميع الحديث عن الخادمات.. ولا حديث لهم إلا عن الخادمات الهاربات؟!!
وكل ما سبق ذكره «كوم».. بينما المسارعة إلى إدانة الخادمة وإلقاء اللوم والذنب كله عليها «كوم آخر».. وكيف أنها هربت مع صديقها.. أو شربت لبن الطفل الذي عهد إليها برعايته.. أو خلطت شاي الصباح لمخدميها أو رضعة الطفل «ببولها» إلى آخر الاختراعات وأدوات الظلم والإدانة التي لم يقم عليها دليل مادي ملموس!!
كل ذلك والجميع سبّاقون إلى إدانة الخادمات الهاربات.. والكل راغب في إلباسهن الأخطاء والذنوب من أخمص أقدامهن إلى أم رؤوسهن.. ولا أحد يريد أن يراعي الله في الإجابة على سؤال واحد: لماذا هربت الخادمة من جحيم الأسرة التي جاءت لخدمتها لا لشيء إلا أن تعيش وتريد أن تكوّن مصدر رزق لها ولأسرتها في موطنها؟.. لا أحد يتحدث عن تحرش بعض الأزواج والأبناء بهن.. ولا أحد يريد أن يتحدث عن غيرة بعض الزوجات وعن اللجوء إلى الضرب والتعذيب والتجويع والإهانات والكي بالنار من قبل بعض الأسر.. أو عن الانتقاص من الأجر المتفق عليه.. أو حجبه في بعض الأحوال!
لا يمكن أن أدعي بأن كل الخادمات ملائكة أو بريئات أو طاهرات مطهرات.. فبينهن بكل تأكيد المنحرفات ومن أمعن في السوء وعدم التربية وانعدام الأخلاق والضمير.. كما أنه بكل تأكيد بينهن من لا ينتمين إلى البني آدمية بأي صلة.. ومن بينهن من قطعن مخدماتهن «بالساطور» ووضعتهن إربا إربا في أكياس.. وبينهن من تقشعر الأبدان بسماع حكاياتهن.. وبينهن.. وبينهن.
ولكن بكل تأكيد أن هذا الذي أتحدث عنه نسبة نادرة جدا.. ويمكن تحاشيهن بقدر الإمكان من خلال حسن الاختيار وإعطاء كل صاحب حق حقه.
لكن المهم أنه علينا ألا نظلم.. وألا نتجنى.. وألا نخلق «من الحبة قبة».. وألا يكون حديثنا عن سير الخادمات من طرف أو جانب واحد.. علينا أن نوازن.. وأن نعدل.. حتى تستقيم الأمور.
والمنصف هو من يحاول الاقتراب من الحقيقة.. ويتقصاها.. ويبحث عنها في مصادرها.. وفي المراكز التي تتلقف الهاربات والمعنفات.. وأن يستمع من دون آراء مسبقة، وألا يكون السماع على هدى مما سمع أو أُشيع أو تم «التقول» به ظلما وعدوانا.. وحذارٍ من السماع من طرف أو جانب واحد.. لأننا هنا نكون قد وضعنا أنفسنا على شفا منزلق خطير ملؤه الظلم وارتكاب ذنوب لا تغتفر.
ويكفي أن دولا كثيرة رغم فقرها وحاجتها إلى أي مصدر لتمكين شعوبها من أن تعيش بدأت تمنع سفر بناتها للخدمة خارج حدودها.. وبدأت أسعار الخادمات وتكاليفهم ترتفع.. بل وتشتعل اشتعالا.. وقريبا جدا ستصل ظاهرة الخادمات إلى حالة الانقراض!!
وليس كل ما سبق الخوض فيه أو الإشارة إليه هو موضوعي الذي أقصده.. بل إن حقيقة موضوعي هو السادة النواب الذين يبحثون عن أي شيء ليجعلوا من كل حبة قبة.. ويرفعوا هذا الأمر النادر إلى درجة الظاهرة ليخترعوا له قانونا يهدرون من خلاله الوقت والجهد والمال حتى ولو كانت نسبة حدوثه لا تتجاوز 0.3%!!








إقرأ أيضا لـ""

aak_news