العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

في الصميم

شاهبندر التجار...



جئت إلى البحرين في بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.. وأستطيع القول إنني جئت في توقيت كان فيه فقيد البحرين الوجيه محمد يوسف بن جلال يتربع على قمة ازدهار مسيرة عطائه لنفسه وعائلته وللوطن.. وكنت ألمس أنه قد بدأ يشعر بأنه قد حقق أهدافه التي كان ينشدها لنفسه ونحو أولاده.. وأنه عليه – كما كان يفضي إليّ دائما – أن يعمل أكثر من أجل الوطن والخدمة العامة.
كنت قريبا منه كثيرا.. وظلت علاقتي قوية به حتى استسلم للمرض الذي فرض عليه ألا يبارح فراشه.. ولا أبالغ في أنه كان يعتبرني الصحفي والإعلامي المفضل لديه، حيث كان يبوح لي بما لا يفرط أو يبوح به للآخرين.
جئت وكان – رحمه الله – على رأس غرفة صناعة وتجارة البحرين.. حيث كان يطلق عليه «شاهبندر تجار البحرين» – وكانت الغرفة ضمن الاختصاصات أو المصادر الصحفية التي لزاما عليّ تغطية أنشطتها.. لكن كانت علاقاتي معه أكبر من كونه رئيسا للغرفة.. واهتمامي به وبنشاطه العام أكبر من ذلك أيضا.
وقد زاد إعجابي وتمسكي به عندما علمت أنه عصامي النشأة والمسيرة.. حيث بدأ إعجابي به يتزايد.. عندما كان يحلو له أن يحدثني عن تفاصيل هذه المسيرة.. حيث كان ما يقوله لي – بحسب طلبه – ليس للنشر.
إعجابي به قد شهد أكبر طفراته عندما علمت أنه لم يدخل جامعة ولم يتخرج في معهد.. في الوقت الذي كنت أشعر وهو يتحدث إليّ، وكأني أمام أستاذ جامعي يتميز بدرجة ثقافة عالية ومتشعبة في كل المجالات.. وهذا فوق تميزه بأنه خبير في الاقتصاد والعلوم التجارية.. وكنت أسمعه وهو يتحدث بالإنجليزية وكأنه أستاذ لها وليس دارسا لها.. وفوق كل ذلك كان محمد يوسف جلال مثقفا عميقًا وقارئا نهما في جميع تفريعات الثقافة.
وخلال فترة قربي منه وعلاقاتي معه أجريت عديدا من الأحاديث واللقاءات الصحفية.. وخاصة تلك الأحاديث التي أسهمت في إثراء «أخبار الخليج» مع بداياتها.. وكان كثير الأحاديث معي والمقل فيها جدا مع الآخرين.
أحد الأحاديث التي أجريتها معه في «البدايات» لاحظت أنه قد أغضب بعض المسؤولين في الحكومة.. وقد أبلغوا الأستاذ محمود المردي بذلك.. لأن الحديث قد تضمن نقدا شديدا لبعض أعمال الحكومة.. وهذا الأمر أربكني وجعلني أشعر بالقلق، ذلك لأننا في مصر كصحفيين كنا لا نلتفت إلى مثل هذه المشاكل بالمرة ولست أعرف الوضع هنا في البحرين.. حيث قال لي أحد الزملاء قد يترتب على هذا الأمر أن أحمل حقيبتي وأعود إلى حيث جئت.
ذهبت إلى الأستاذ محمد جلال في مكتبه وأبلغته بالأمر فقال لي بالحرف الواحد: لا تقلق فأنا متكفل بالأمر كله.. عد إلى مكتبك وكأن شيئا لم يحدث.. وفعلا حدث «وشعرت وكأن الموضوع برمته قد مُحي بالمحَّاية» وبعدها شعرت أنه من النوع الذي لا يتخلى عمن وثقوا به.. ويقف مع من وقفوا إلى جانبه مهما كانت الأمور.. فازدادت علاقتي به وثوقًا وإعجابًا.
وعندما كان من بين من أخذوا على عاتقهم تأسيس أول بنك إسلامي في البحرين.. وكان لا يتغيب عن كل اجتماعات وخطوات التأسيس، كما كان مملوءً بالحماس الكبير نحو هذه الخطوة.. أتذكر أن فضولي قد دفعني لأسأله: أنت – ما شاء الله – مساهم كبير في البنوك ومعظم الشركات المساهمة في البحرين.. كما أنك رئيس أو عضو في معظم مجالس الإدارة.. فماذا يضيف إليك هذا البنك الجديد؟.. فأجاب على الفور قائلا: هذا بنك إسلامي.. ويطبق الشرع الإسلامي.. ويلتزم به.. فليس أقل من أن يسهم في تطهير أموالنا التي في البنوك التجارية الأخرى.
لم يكن محمد جلال تاجرا فحسب.. ولا حتى مجرد «شاهبندر التجار».. بل كنت أراه شخصية مجتمعية عامة.. يهتم بأمور المجتمع البحريني في كل الاتجاهات.. وكان مواطنا مولعا بوطنه، ويغوص في أعماقه.. بل كان لديه رأي العارفين عندما يجيب على أي سؤال يوجه إليه بعيدا عن الغرفة التجارية، والاقتصاد بصفة عامة.. بل كانت هناك قضايا مجتمعية يتحدث فيها حديث الخبراء والمتمكنين.
كان محمد جلال – رحمه الله – من الشخصيات البحرينية التي لها مكانة كبيرة في النفس والقلب إلى درجة المحبة والاعتزاز.. وقد آلمني كثيرا أن نبكيه قبل أن يفارق الدنيا.. وأن يغيب عنا وهو الذي على بعد خطوات منا..
كنت الحريص على أن أزور مجلسه الرمضاني طوال فترة مرضه على أمل أن يكون هناك احتمال في أن تكون له طلة على المجلس لأراه ولو لدقيقة أو دقائق.. ولكن للأسف هذا لم يحدث أبدا.
شعرت أنني على مقربة من أن أحقق أمنيتي برؤيته قبل أن نفترق عندما أبلغني أحد المقربين من عائلته أن مجلس محمد جلال يستقبل المقربين جدا منه ومن عائلته في العيد.. فعقدت العزم على أن أزور هذا المجلس في أحد الأعياد.. على أساس أن الاحتمال قوي من أن يطل صاحب المجلس على ضيوفه في العيد.. أو يسمح للحاضرين بالمجلس – وهم قلة قليلة – بأن يذهبوا إلى فراشه حيث يرقد ويسلموا عليه أو يكتفوا بإلقاء طلة سريعة عليه.. وفعلا أقدمت على هذه الخطوة على الرغم من أنه «لم يعزمني أو يدعوني أحدا».. ولكن للأسف هذه المحاولة الأخيرة قد منيت بالفشل الذريع.. حيث اضطررت إلى الانسحاب قبيل الدعوة إلى مأدبة «غداء العيد».. وأسلمت أمري إلى الله.. وافترقنا من دون لقاء أو حتى مجرد طلة تستريح معها القلوب.
رحم الله فقيد البحرين الكبير الأستاذ محمد يوسف بن جلال.. وأفسح له في جناته بمقدار ما خدم به وطنه وبقدر ما أحبه وأعطاه.. وبمساحات مكانته في قلوب كل محبيه.







إقرأ أيضا لـ""

aak_news