العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

في الصميم

جلسة هادئة.. وطرح ساخن



في جلسة مجلس النواب أمس التي تناوب على رئاستها رئيس المجلس السيد أحمد الملا، ونائبه الأول السيد علي العرادي، تعد من الجلسات الهادئة والمعطاءة رغم سخونة الطرح والمطروح، وما يهمني أنا هو الوقوف عند نقطتين أراهما في غاية الأهمية والحيوية بالنسبة إلى المملكة ومواطنيها وسمعتها.
ثلاثة نواب تناوبوا على التحاور مع وزير النفط الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة الذي يقف أمام النواب لأول مرة.. ولقد حاوره النواب الثلاثة في حالة من الرضا الكامل عن أدائه.. معبرين عن إعجابهم به وباحترامه للمجلس ونوابه بعكس وزراء آخرين.. فقد رد على أسئلتهم كتابة وفي الوقت المناسب.. وجاءت إجاباته إليهم محفوفة بالاهتمام البالغ وهي عبارة عن بحوث نفطية مصغرة مصحوبة بالجداول والإحصائيات ملؤها الصراحة في كل ما قدمه وعرضه.
ويهمني في حوارات الوزير مع النواب الثلاثة نقطتين، الأولى ما طرحه النائب خالد الشاعر عن محطات البترول على أرض البحرين، حيث عبر عن أنها في حالة يرثى لها من حيث الشكل والنظافة وأدائها مهمتها.. هذا بعكس محطات البترول في الخارج التي ترى كل ما فيها عبارة عن تحفة في الشكل والجمال والنظافة يهوى الجميع التوجه إليها والاستمتاع بالتواجد بها.. بينما جميع محطات البترول عندنا حالتها يرثى لها.. لا تحترم آدمية الإنسان كإنسان، حتى دورات المياه لا تتواجد بها بأي شكل من الأشكال!!
وقد فجر النائب خالد الشاعر بهذا الطرح ما هو حبيس صدور المواطنين جميعا من حيث خلو البحرين بجميع مدنها من أي دورات مياه عامة.. حتى أشد المدن كثافة وازدحاما لا تعترف بها!
وعاب الشاعر على محطات النفط أيضا من أنه حتى طفايات الحريق في محلات السوبرماركت والمتاجر العامة نجدها منتهية الصلاحية!
والحقيقة، لقد قال خالد الشاعر الكثير عن الحالة المزرية لمحطات البترول بالبلاد.. وهي التي بمثابة تحف جمالية تترصع بجمالها مدن العالم!
وهنا لم يملك الوزير سوى أن يشكره على أدائه وصراحته، مؤكدا أن الوزارة من ناحيتها مقدمة على تطوير محطات البترول بالمملكة.
والنقطة الثانية في حوارات وزير النفط مع النواب الثلاثة هي ما طرحه الدكتور مجيد العصفور من أن نفط البحرين في طريقه إلى النضوب.. حيث يتعثر كثيرا الكشف عن المزيد منه وسط تكاليف باهظة تضيع سدى في الوقت الذي تتحرك فيه الدولة ببطء شديد نحو الطاقة البديلة المتوافرة مصادرها عندنا بشكل أكثر مما هي متوافرة في بلاد الدنيا من حيث الشمس الساطعة على مدار العام.. حتى الرطوبة التي نشكو منها أحيانا يمكن توليد الطاقة منها وبكميات كبيرة.
وهنا أكد الوزير أن النفط في البحرين سيتواصل عطاؤه وتدفقه ولن ينضب في فترة زمنية تشاؤمية قريبة كما يتخيل البعض خطأ.. وأن النفط نحتاج إليه وهو مستخدم في جميع المجالات.. حتى البتروكيماويات فكلنا ننتفع بإفرازاتها إلى درجة أننا جميعا نلبس مما تجود به.
نصل إلى النقطة الثانية: أو الجزء الثاني من حوارات السادة النواب ومداخلاتهم.. وأراه الجزء الأهم في هذه الجلسة.. وقد دار حول: مشروع القانون الخاص بتعديل أحكام قانون العقوبات الصادر بالمرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1976 وهو المحال من الحكومة.. ويهدف هذا المشروع إلى ناحيتين مهمتين:
الأولى: توسيع دائرة موظفي الدولة الخاضعين لأحكام تجريم الإخلال أو الإساءة إلى المال العام أو العدوان عليه مثل جرائم الرشوة والاختلاس، لتشمل العقوبات رؤساء مجالس الهيئات والمؤسسات العامة، والشركات التي تسهم فيها الحكومة وجميع موظفيها بلا استثناء.
الثانية: تغليظ العقوبات التي يتم توقيعها على المدانين في جرائم العدوان على المال العام والرشوة والاختلاس.. حيث إننا، وخاصة في هذه الظروف في حاجة أشد إلى الحفاظ على المال العام والحيلولة دون الجور عليه.
ويهمنا في البداية –وفي هذا المقام– أن نشير إلى ما طرحه النائب محمد ميلاد حول هذه القضية، حيث تساءل: لماذا السير نحو تغليظ العقوبات في جرائم المال العام من حيث الرشوة والاختلاس وما شابه؟! ألا تكفي العقوبات الراهنة الموجودة في القانون لردع المرتشين والمختلسين؟.. هل تتزايد أعداد المرتشين والمختلسين من الموظفين العموميين بالدرجة التي تجعلنا نتحرك ونخاف إلى هذه الدرجة؟.. هل لدينا إحصائيات تفجر هذا الخوف والتمادي في التجريم وتغليظ العقوبات؟ أليس في الإمكان أن يؤدي هذا المنحى إلى الإساءة إلى سمعة البحرين إلى هذه الدرجة.. بينما ربما يكون المختلسون والمرتشون شيئا نادرا؟.. ثم قال: ألم يؤكد لنا تقرير الرقابة المالية والإدارية أن معظم الجرائم عبارة عن مخالفات إدارية وليست جرائم مالية أو جنائية؟!
وهنا انقسم السادة النواب على أنفسهم بين مؤيدين لما قدمه وطرحه النائب محمد ميلاد.. وبين معارضين له بما في ذلك ممثل وزارة الداخلية في الجلسة.. فقد أجمعوا على أن الظروف الراهنة تتطلب مثل هذا التشريع الجديد المغلظ لعقوبات مرتكبي جرائم العدوان على المال العام.. ثم إن اللجوء إلى مثل هذا التشريع لا يعني أن المملكة تغص بالموظفين المرتشين والمختلسين.
وقال المؤيدون: إن وجود عقوبات مغلظة في القانون يمثل الرادع الأكبر.. وتؤدي إلى الحفاظ على المال العام.. ثم إن الرشوة موجودة والاختلاس موجود.. وأن الحكومة لديها ما يبرر لجوؤها إلى مثل هذا التشريع عندما فكرت في اللجوء إليه.. ثم إن قانون العقوبات يحفظ حرية الحركة وتطبيق معايير العدالة من خلال وضع حد أدنى للعقوبة وحد أقصى، حيث تتراوح عقوبة السجن من 3 سنوات إلى 15 سنة.. ومن حق الحكومة التحصن ضد أي وباء.. فالرشوة منتشرة.. والاختلاس يتربص.
وأجمع السادة النواب أيضا على أن التشريع يجب ألا يكون «ردة فعل».. وأن توسيع دائرة الموظفين العموميين الذين يخضعون لتغليظ عقوبات العدوان والجور على المال العام واجب وقائي مشروع.
أما النائب الدكتور ماجد الماجد فقد كان صاحب رأي خاص في الجلسة وكان له مؤيدون أيضا.. حيث وقف ليعلن أن العقوبات التقليدية لم تعد رادعة.. وأن تغليظ العقوبات التقليدية لا يفيد.. فالذي يقضي عقوبة خمس سنوات لا يؤلمه ولا يضيره أن يقضيها عشر سنوات.. لقد فقدت هذه العقوبات أهميتها وفاعليتها.. العالم كله الآن يتحرك نحو العقوبات البديلة.. ثم لماذا نحن نحتار وأمامنا الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع.. ويمكن أن ننهل منها ما نريد من عقوبات ربانية رادعة تحقق الهدف؟.. ثم إن الجزاء يجب أن يكون من جنس العمل.. فالزانية لا يؤلمها ولا يضيرها السجن.. إن عقوبتها عند الله الرجم والجلد.. فلا بد أن ما أحسّت به في الزنا تحسّه عذابا وحسّا مؤلما ومهينا عند الرجم والجلد.. وأن عقوبة السارق قطع اليد كي يعرف العالم كله أنه قد سرق.. إلى آخر ما قال في هذا الصدد.
وطبعا عقب الكثير من السادة النواب الرافضين لهذا الطرح ومن بينهم النائب علي العرادي النائب الأول لرئيس المجلس.. قائلا: نحن لا نعترض على الشريعة الإسلامية.. ولكن يجب أن يعلم الجميع أننا مجتمع مدني.
ورغم هذه الحوارات المؤيدة والمعارضة للجوء إلى تغليظ عقوبات العدوان على المال العام كحل وقائي للحفاظ على المال العام وردع كل من تسول له نفسه بالعدوان عليه فقد وافق المجلس على مشروع القانون المحال من الحكومة بأغلبية الأصوات وأحاله المجلس على وجه السرعة إلى مجلس الشورى وسط تأكيدات الكثيرين أن سمعة موظف الحكومة البحريني عالية ونظيفة.. ورغم إقرار جميع تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية أن الجرائم الجنائية المالية تكاد تكون معدومة بين موظفي الدولة.







إقرأ أيضا لـ""

aak_news