العدد : ١٥٠٨٩ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٨٩ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

في الصميم

استعمار.. أم انتداب؟!



هناك قضايا تطرح عبر الندوات والمحاضرات والمجالس التشريعية.. قضايا أو حتى مجرد عناوين لقضايا هي في منتهى الأهمية والخطورة.. ولكن للأسف الشديد لا يلتفت إليها أحد وخاصة الجهات والوزارات والمؤسسات ذات الشأن والعلاقة التخصصية، وتفضل الصمت متمثلة بمقولة «أخوك أصمخ» جاعلة إحدى أذنيها من عجين والأخرى من طين.. وهذا سر نَـعـْت المجتمع أحيانا بالتراخي.. وهذا عيب خطير.
في إحدى جلسات مجلس النواب وفي إحدى مرافعات الدكتور علي بوفرسن ردد في أكثر من موضع عبارة «الاستعمار» ومتحدثا عن حقبة من تاريخ البحرين.. أي باختصار متحدثا عن فترة الاستعمار على أرض البحرين.
هنا.. وقف الوزير القدير غانم البوعينين معترضا على كلمة «استعمار» مؤكدا أن البحرين لم تستعمر ولم تمر بحقبة استعمار في تاريخها.. وواصل قائلا: أقول ذلك إحقاقا للحق.. وتصحيحا لمعلومة شائعة خاطئة.
وواصل الوزير القدير: لم يكن هناك في تاريخ البحرين استعمار بريطاني ولا غير بريطاني.. إنما كان هناك «انتداب بريطاني» بمقتضى اتفاقيات مكتوبة ومسجلة ومحفوظة.. كما أن «بلجريف» في مذكراته ردد كلمة «انتداب» ولم يذكر كلمة استعمار أبدا.
وهنا أيضا وقف النائب الشيخ ماجد الماجد قائلا: لا تزيفوا التاريخ.. لقد كان هناك استعمار.. وهذا هو الواقع!
المهم أن هذا الذي أثير -وهو خطير- لم يلتفت إليه أحد ولم يتلقفه أحد ويتناوله معمقا للحقيقة وواضعا يده على الصحيح والصادق فيما طُرح.. ولم تتصدَّ الجهات المعنية لإبراز الحقيقة والتأكيد عليها حتى لا يختل أو يهتز التفكير لدى الجيل الحاضر والأجيال القادمة، وأهم هذه الجهات: وزارة التربية والتعليم -وزارة الإعلام -هيئة الثقافة والآثار ومراكز البحوث.. للأسف كل هذه الجهات ومعها الجامعات الوطنية المسؤولة عن تعميق البحوث والحقائق لاذت بالصمت المريب!
والحقيقة المؤكدة هي أنه ليس عيبا أن تكون بلادنا قد استعمرت في حقبة من الزمن.. ذلك لأنه جاء زمن أو جاءت أزمان كان فيها أكثر من نصف الكرة الأرضية مستعمرا.. ثم إن هذه الحقيقة تؤكد أن هناك فرقا بين استعمار وآخر.. فهناك استعمار الدول المتحضرة والمتقدمة والعريقة التي تنطبق عليها عبارة «الضارة النافعة» التي طبعت و«بهتت» حضارتها على الدول التي استعمرتها فأفادتها كثيرا.. ومنها -أي هذه الدول التي تم استعمارها- ما نهض وتحرر.. وتعلمت شعوبها معاني الكرامة والكفاح، ثم صارت في مقدمة الدول ومن أقواها اقتصادا وتعلما وتحضرا.. وهناك استعمار مثل استعمار التتار والمغول وغيرهم، الذين لونوا أنهار الدول التي أصابها غزوهم باللون الأسود بفعل مداد مقتنيات المكتبات التي ألقوا بها في هذه الأنهار، ومنها ما دمر حضارات عريقة، غيرة وحسدا وانتقاما بعد أن كانت هذه الحضارات ملء أسماع الدنيا كلها.
أنا شخصيا هالني جدا ما حدث.. أقصد هذا الصمت المريب الذي التزمت به هذه الجهات المسؤولة إزاء هذا الذي أثير.. فذهبت إلى الوزير القدير غانم البوعينين في مكتبه وقلت له: لقد فجرت قضية يسيء إليها كثيرا أن تكون مسكوتا عنها.. هل عندك ما دمت قد تطوعت بالتصدي لحديث عابر كان يمكن أن تتركه يمر مرور الكرام مادام الجميع يردد كلمة استعمار ما يمكن أن يجعلك تضيف إليه أو تعمقه؟
رد الوزير قائلا: عندي.. والله عندي.. عندي ما يجعلك تقدم لقارئ «أخبار الخليج» حديثا مهما ومطلوبا.
فقلت له: هل تعدني -ووعد الحر دين- بألا تبخل عليّ وعلى قراء «أخبار الخليج» بهذا الحديث؟
قال: أعدك!
وفي كل يوم ثلاثاء -وهو يوم جلسة مجلس النواب- وعلى مدى شهرين حتى الآن التقى الوزير الكريم غانم البوعينين لأذكره بوعده.. فلا أسمع منه غير عبارة: «الوعد قائم بإذن الله»!
ولكن يبدو أن ما حدث للوزير من حادث عابر وسفره للعلاج أكثر من مرة، ثم مشاغله مع مجلسين كفيلين بأن يشغلا الدنيا كلها معهما.. سيجعل ما يردده الوزير على مسامعي كل يوم ثلاثاء يتردد على مدى الشهور القادمة حتى ينتهي دور الانعقاد الراهن.. وقد يصل الأمر إلى نهاية الفصل التشريعي الرابع.. فماذا أفعل والجهات ذات الشأن التي أشرت إليها تعير الجميع أذنا من عجين والأخرى من طين؟
لنا الله!
***
ماذا نفعل في لجنة خدمات مجلس النواب؟
وماذا نفعل في سعادة النائب عيسى الكوهجي الذي ألقى بحجر كبير في بحر المجتمع البحريني الهادئ بتصريحه المثير بالموافقة على مشروع إلغاء مجانية التعليم لغير البحرينيين التي يتمتع بها كل من يعيش على أرض المملكة الكريمة.. والتي تتميز بها البحرين الآن مع القليل المتضائل من دول العالم كافة؟!
لا حديث أمس قد ابتعد عن هذا التصريح الذي صرح به النائب الكريم عيسى الكوهجي.. بل وسيظل هذا الحديث مشتعلا في كل بيت حتى يتغير الموقف من قبل المجلس نفسه أو من قبل الحكومة الموقرة وهي الأشد كرما من كل الكرماء ولا توافق على أن يتراجع رصيدها من الإسهام في نشر هذا النور.. فالعلم نور ونشر النور من الإيمان.
ونطرح الآن سؤالا واحدا ليس أكثر: ماذا يفعل موظف أو عامل عربي بسيط يتقاضى 400 دينار أو أكثر شهريا ولديه أربعة أبناء يتعلمون في مدارس الحكومة؟
أفيدونا.. أفادكم الله!







إقرأ أيضا لـ""

aak_news