العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

في الصميم

«كل الناس أحباب»!!



تنعقد اليوم جلسة استثنائية لمجلس النواب بشأن مشروع بتعديل البند «ب» من المادة (105) من الدستور، وهي التي تنص على أن «ينظم القانون القضاء العسكري ويبيِّن اختصاصاته في كل من: قوة دفاع البحرين والحرس الوطني والأمن العام».. وسوف تقتصر الجلسة على النظر في إحالة هذا المشروع المشار إليه إلى اللجنة القانونية والتشريعية بالمجلس للسير فيه.
لست أعتقد أنه سيكون هناك اعتراض واحد على هذا المشروع المهم وما يرمي إليه؛ إذ تُحتِّمه الأوضاع الراهنة بشدة أمام الحاصل هذه الأيام، وتفاقم الأوضاع، وتمادي المتآمرين على أمن الوطن ومقدراته، ووصول ممارسات معاداة الوطن إلى منتهاها.. كل ذلك يتطلب إجراءات استثنائية للضرب على أيدي المتآمرين بلا هوادة.. وأول ما هو مطلوب بالدرجة الأولى هو سرعة إنزال العقاب الصارم على رؤوس المتآمرين والمحرضين بالطرق المشروعة.
ليس مطلوبا أن يؤخذ بأكثر مما تأخذ به الدول التي تمر بمثل ما نمر به في مناطق أخرى.. لكن المطلوب هو أن نصل إلى ما هو مطلوب في هذه الظروف على وجه السرعة.. إذ إن تعديل الدستور وحده لا يكفي.. وإنما لا بدَّ أن ترتب على ما سوف يتم استحداثه في صلب الدستور «أبو القوانين» استصدار قوانين لازمة كأدوات تنفيذية لكل ما هو مطلوب.
وكل ما أريد قوله إن مملكة البحرين دولة المؤسسات والقانون لا يمكن أن تسمح لنفسها بأن تروح بعيدا عن القانون.. حتى لو اقتضى الأمر محاكمة الإرهابيين وأعداء الوطن أمام محاكم عسكرية تصدر أحكامها بالسرعة المطلوبة.
***
من الموضوعات التي يبحثها مجلس النواب في جلسته الاعتيادية بعد غد –وهو الموضوع الذي تعرضنا له من قبل– اقتراح برغبة يطالب الحكومة بوقف الزيادة على إيجار سجلات السوق الشعبي بنسبة 10%.
هذا الاقتراح ولد فاقدا لقيمته.. ذلك لأنه «يعطل المراكب السائرة» من حيث مناصرة جهود دعم الميزانية العامة للدولة، وتمكين البلديات من تنفيذ الخدمات البلدية التي يحتاج إليها المواطنون بفارغ الصبر.
والحقيقة أن المسألة كلها لا تستحق كل هذا التحرك؛ لأنّ الزيادة لا تعدو إلا أن تكون 10% فقط.. أي أنه إذا كانت القيمة الإيجارية للمحل في الوقت الراهن (85) دينارا فإن القيمة الإيجارية بعد الرفع الذي وافق عليه مجلس الوزراء ستكون 93.5 دينارا فقط!
إن هدف وزارة البلديات هو القضاء على الظواهر السلوكية السلبية أو العكسية التي سببها انخفاض القيمة الإيجارية إلى هذا الحد المشار إليه.. وخاصة أن هذه القيمة كانت (150) دينارا قبل الحريق الذي شب في السوق الشعبي.
تقول وزارة الأشغال والبلديات في ردِّها الذي بعثت به إلى مجلس النواب إن من الظواهر السلبية التي سببها هذا الخفض الكبير في القيمة الإيجارية هو غلق بعض المستأجرين محلاتهم.. أو تحويلها إلى مخازن.. على الرغم من أنه توجد قائمة طويلة بالتجار الذين يرغبون في استئجار محلات لهم في السوق الشعبي.
وسبق أن أشرنا من قبل إلى أن استغلال المستأجرين في السوق الشعبي قد بلغ حد البشاعة مع كبار التجار الذين يستأجرون مساحات كبيرة.. فقد ثبت أنهم يؤجرون مساحات فيها من الباطن بمبالغ مُبالغ فيها.. ولا يبقون لأنفسهم سوى مساحات قليلة؛ أي أنهم قد جعلوا من خفض الحكومة للقيمة الإيجارية تجارة رائجة أو وجهًا من أوْجه الاستغلال في البلاد.. وخاصة أنه قد ثبت أن كبار المستأجرين هؤلاء توجد فروع لمحلاتهم في جميع أنحاء البحرين!! وعموما هناك قضايا أهم يمكن للسادة النواب الخوض فيها أو توجيه أسئلتهم بشأنها.
***
قبل أن ينتهي شهر يناير عام 1975م بيوم أو يومين بينما كنت جالسا أمارس عملي ليلا في صالة تحرير جريد الأخبار القاهرية.. فوجئت بالأستاذ أحمد زين نائب رئيس التحرير يقف أمامي ويبلغني قائلا: «مصطفى بيه -يقصد الأستاذ مصطفى أمين- يبلغك أن السيدة أم كلثوم قد نقلوها الآن حالا إلى المستشفى العسكري بالمعادي مصابة بفشل كلوي حاد.. وقد اختارك أنت شخصيا لتغطية الحالة، وأن تقيم في المستشفى إقامة كاملة لمتابعة الحالة ليلا ونهارا».
وكعادتي لا أناقش أي تكليف صحفي يصدر إليّ مهما كان نوعه أو صعوبته –تماما كما كنت طوال مدة خدمتي العسكرية– وتوجهت فورا إلى المستشفى، ومن حسن حظي أن بيتنا في المعادي كان يقع بالقرب من المستشفى.. الأمر الذي كان يسعفني في أن أختلس بضع دقائق لأتوجه إلى البيت لتغيير ملابسي.. لكن الإقامة في المستشفى كانت دائمة ليلا ونهارا.. وكنت أختلس بضع دقائق تغمض فيها عيناي على مقاعد استراحة الزوار بالقرب من الغرفة التي ترقد فيها كوكب الشرق (رحمها الله).
كانت مهمتي أن أتوجه بسرعة نحو أي ضابط طبيب يهم بدخول غرفة أم كلثوم أو يخرج منها.. لأسمع منه أكبر عدد من الكلمات يمكن أن أكتبه عن حالتها لأقوم بإبلاغه تلفونيا فورا إلى الجريدة.. كما كنت أتردد على إدارة المستشفى، وعلى موظفي بدالتها لأعرف من الذي اتصل.. وماذا يمكن أن يجود به لي هؤلاء الموظفون، وكانوا يساعدونني كثيرا، وخاصة أنني قد أبلغتهم أنني كنت مُجندًا مثلهم.. وحاولت أن أقترب من أفراد أسرة أم كلثوم ولكنهم لم يكونوا عند حسن الظن؛ إذ كانوا مُنفِّرين ولا ألقى منهم سوى الخشونة في معظم المحاولات!!
والحمد لله.. كما عهدتني جريدتي دائما.. كنت أقدم لها أفضل تغطية صحفية «كوفئت عليها»؛ إذ إنني كنت لا أنام، وقد ساعدني على ذلك أنني كنت في ريعان الشباب، وقد أفادتني خدمتي بالجيش في ذلك كثيرا.. والمستشفى الذي كانت ترقد فيه أم كلثوم هو أكبر وأرقى مستشفى عسكري في ذلك الوقت.
كنت في غاية السعادة لاختياري لهذه المهمة.. لكن الاجتهاد الذي ندمت عليه طوال عمري حتى الآن وقع عندما طلبت من ضابط صغير كنت أعرفه أن يمكنني من دخول غرفة العناية القصوى التي كانت ترقد فيها أم كلثوم في أي وقت ليلا أو نهارًا لكي أتمكن من كتابة وصف للغرفة.. وقد كان الضابط عند حُسن الظن به.. ومكنني في عمق الليل من دخول الغرفة.. فلم أجد أمامي سوى شبكة من الخراطيم تدخل إلى جسم عملاقة مصر وأخرى تخرج منه، وكل ذلك في صمت رهيب.. وكانت هذه أول مرة في حياتي أدخل إلى غرفة إنعاش.. وقد شعرت بدوار وأنني على وشك السقوط والإغماء.. فخرجت من الغرفة مسرعًا.. وكان قراري الفوري هو ألا أبلغ الجريدة بما فعلت؛ إذ إنني لم أر سوى ما يشبه دينامو سيارة تمتد إليه وتخرج منه الأسلاك والخراطيم.. وكان هذا هو حال عظيمة عظماء الدنيا.
كانت هذه المهمة التي اختارني لها أستاذي ومعلمي الكبير مصطفى أمين من دون كل الزملاء -وكان هناك من هو أكفأ مني لها– درسًا في الصحافة لا أنساه ما حييت.. وكانت أيضا اختيارا لكفاءتي الصحفية.. إذ وجدت كل ما هو حولي في المستشفى أو حتى خارج أسوارها يصلح خبرا صحفيا يتلقفه القراء.. ما دامت كوكب الشرق ترقد فيه: المرضى الذين كانوا يرقدون في المستشفى أثناء وجود أم كلثوم.. حركة الأطباء أو الممرضات وحتى عمال المستشفى.. زوار المستشفى من كبار.. رجالات وسيدات المجتمع.. عمال البدالات والمختبرات.. والمطبخ.. اجتماعات أسرة أم كلثوم في الغرفة المجاورة لغرفتها.. أصواتهم التي كانت تعلو أحيانا على غير العادة.. ومنها ما فهمته وأكثره لم أفهمه.. وكانت كل هذه الأشياء والتحركات تسهل عليّ أن أصيغها في أخبار وأبلغها رؤسائي في الجريدة.. صحيح أن معظمها لم يجد طريقه إلى النشر لكنها كانت موضع استحسان وإشادة كبيرة منهم.
وكان كل ما أرسله يُبَلَّغ به الأستاذ مصطفى أمين؛ فقد كان شديد الاهتمام بما يجري وبتطورات الحالة.. فكان على علاقة وطيدة بأم كلثوم وكنت أعلم أنها هي من أمدته هو وشقيقه الأستاذ علي أمين بالمال اللازم لتأسيس دار أخبار اليوم.. وكان يقال ويتردد ما هو أكثر من ذلك.. وأنه كان هناك رباط شرعي بينهما.
وأهم ما أتذكره حتى الآن هو أن حركة المرور على شارع كورنيش النيل الذي كان يطل عليه مستشفى القوات المسلحة كانت قد توقفت تماما منذ اللحظة الأولى لدخول أم كلثوم إلى المستشفى من فرط توافد المواطنين لإلقاء طلة على أسوار المستشفى لعلهم يسمعون أي كلمة يمكن أن تطمئنهم على من أسعدتهم طوال عمرها وأعمارهم.
وما لا أنساه أيضا هو جنازة أم كلثوم في يوم الخامس فبراير عام 1975م.. التي بدأت من أمام المستشفى حتى جامع عمر مكرم، ثم تحولت شوارع القاهرة كلها إلى محيط بشري وأمواج من البشر بدءا من ميدان التحرير حتى مدفنها.. كأعظم جنازة في تاريخ مصر فاقت جنازات كل زعماء مصر.. فإذا كان للزعماء مريدون وخصوم.. فإنه بالنسبة إلى أم كلثوم «كل الناس أحباب»!!








إقرأ أيضا لـ""

aak_news