العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٠ - الأربعاء ١٧ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

في الصميم

ظاهرة «وزراء المنظرة»!!



جاءت فترة على بعض الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة الحكومية -في آخر القرن العشرين- أنك كنت تلحظ بسهولة مكاتب المسؤولين الحكوميين وقد تحولت إلى «خلايا نحل» ولم يكن هذا النحل هم المراجعين من طالبي خدمات الحكومة.. كما لم يكونوا هم المسؤولين والموظفين في الوزارة أو الهيئة نفسها.. بل كانوا يمثلون الوسطاء الذين يخلصون أعمال ونشاط واستثمارات المسؤول خارج جهات العمل.. أو أنهم الشركاء في العمل في السوق التجاري أو الاستثماري أو غيره.. وليس هذا فقط.. بل كان المسؤولون يسخرون مكاتبهم وإمكانيات الدولة كلها وموظفي مكاتبهم ومكاتب زملائهم لتخليص أعمالهم الخاصة.. أما مهامهم الحكومية فقد كانت ذات طابع جانبي أو هامشي أو استثنائي.
الآن انقشعت هذه الظاهرة المنحرفة.. بفضل تدخل الصحافة وسلسلة تحقيقاتها النارية الكاشفة لهذا النوع من الفساد ثم قضي على هذه الظاهرة قضاء مبرما.. وتم إسناد مهمة الرقابة الإدارية إلى اختصاص أو مسؤولية ديوان الرقابة المالية وتغيرت تسميته إلى «ديوان الرقابة المالية والإدارية» وهو الجهاز الذي يقوم بدوره خير قيام.
الآن بقيت ظاهرة «وزراء المنظرة».. أو بقيت ذيول هذه الظاهرة التي كانت قد استفحلت في فترة من الفترات.. حيث أسهم الوعي المجتمعي.. ويقظة الصحافة.. وصحوة القيادة في تقليص ظاهرة «وزراء المنظرة» إلى حد كبير.
لا ندعي أن هذه الظاهرة قد اندثرت.. وإنما نقول إنه قد بقيت لها ذيول لا بد من استئصالها.
معروف في كل الدنيا أن من مهام الوزراء الرئيسية الزيارة أو المرور اليومي أو المتباعد قليلا على مواقع ومجالات اختصاصاته مثل الأسواق ومواقع إنجاز المشاريع.. ومرافق تقديم الخدمات للمواطنين.. الخ.. وتفقد أحوالها والوقوف على مواضع الضعف والجمود وعشعشة الروتين العقيم وطغيانه عليها.. والتلاعب وإذلال خلق الله من طالبي الخدمات الحكومية وغير ذلك من مفردات مهام أصحاب السعادة الوزراء.
بعض السادة الوزراء يقومون بهذه المهمة خير قيام من دون أن يشعر بهم أحد.. ولا يدري بهم أي كائن, حتى موظفو وزاراتهم.. وبعضهم يقوم بهذه المهمة بشكل يومي.. أما البعض الآخر -للأسف- وهم القلة القليلة فاعتبروها مهمة استثنائية.. وليست من صلب عملهم اليومي.. ولذلك يحرصون أشد الحرص على دعوة الصحافة ومحرريها ومصوريها إذا فكروا في القيام بأي جولة لهم في المواقع والأسواق ذات العلاقة بوزاراتهم.
وعند القيام بمثل هذه الجولات لا يقدم الوزراء شيئا يذكر ولا يتحاورون مع الموظفين والمواطنين والمراجعين الموجودين في هذه المواقع ومرافق الخدمات.. ولا يحرصون على حصر السلبيات وأوجه القصور.. ولا يسجلون أسماء وأعمال المتفانين في أداء الخدمة للمواطنين أو المراجع.. وإنما يكون كل همهم أن تكون استدارتهم أو التفاتتهم إلى كاميرات المصورين منضبطة وفي أحسن وضعية لها.. ثم التصريحات للمرافقين من الصحفيين والتي لا علاقة لها بالجولة التفقدية أو بالواقع على الأرض!
وأخيرا.. تنبهت الصحف لهذه الظاهرة.. ولم يعد الكثير منها يهتم بمثل هذه الجولات التفقدية التي تأتي في صلب مسؤوليات وأعمال الوزراء.. كما تعتبر من أوجب واجبات الوزراء.
وبقي عدد قليل جدا من الصحف هي التي تهتم بمثل هذه الزيارات المظهرية.. حيث ستتوقف كل الصحف عن التعامل معها قريبا جدا.. وعندها ستنكشف الأمور.. حيث سيتوقف عنها نهائيا من كان يبتغي من ورائها حبا للظهور والإيهام بأنه يقوم على غير الحقيقة بواجبه خير قيام.. ويستمر في أدائها الوزراء الجادون.. الذين يؤدون دورهم على أتم ما يكون في صمت كبير إيمانا بدورها ولزوميتها في حسن تسيير الأمور والعمل على تطويرها أولا بأول.
نقول كل ما سبق يأتي بمناسبة هذا الاقتراح بقانون الذي طرحه بعض السادة النواب بشأن السماح لموظفي الدولة والقطاع الأهلي بتملك السجلات التجارية بكل أنواعها.
ومنطلق السادة النواب من وراء هذا المشروع هو أن دخل الموظفين ضعيف لا يعينهم على أن يعيشوا الحياة الكريمة هم وأسرهم.. وأن ترقياتهم وحوافزهم وأجورهم الإضافية في طريقها إلى التجميد إن لم تكن قد أوقفت وتجمدت فعلا بفعل قسوة الظروف الراهنة فأصبحوا غير قادرين على تلبية المتطلبات الأساسية لأنفسهم ولأسرهم.!
لكن يبدو أن السادة النواب لا يدرون أنهم وهم يسعون إلى إصلاح أوضاع الموظفين وفتح أبواب الرزق أمامهم أنهم يدمرون قطاعين هما من أهم القطاعات على الساحة الآن وفي كل زمان.. ألا وهما القطاع الوظيفي, بل قطاعات العمل بالكامل.. ثم إفساد القطاع التجاري وإتلافه, بل تدميره.
لكن لماذا التخوف من هذه الخطوة والتصدي لها؟ نكتفي الآن بالتعبير عن موقف جهات الاختصاص.. وننتظر ما سيقوله السادة النواب في جلسة يوم الثلاثاء القادم.
تقول الغرفة التجارية درءا لأخطار هذا المشروع، مشروع منح سجلات تجارية للموظفين:
- هذا المشروع سيؤدي إلى الإضرار بالتاجر الذي قد يأتي اليوم الذي لا يربح فيه ما يغطي تكلفة معيشته ومعيشة أسرته.
} قد يؤدي إلى استفحال ظاهرة تأجير السجلات التجارية.. الأمر الذي سيؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني.. وتفاقم ظاهرة العمالة السائبة.
} قد يؤثر تأثيرا خطيرا على سمعة الوظيفة العامة ونزاهتها.. من خلال تداخل المصالح, واستقلالية الوظائف والموظفين.. الخ.
والآن ما هي المخاوف على القطاع الوظيفي كما يراها ديوان الخدمة المدنية؟
} هذا الاقتراح بقانون يتعارض مع كل ما جاء في قانون الخدمة المدنية.
} سيؤدي إلى تشتيت جهود واهتمام الموظف والمسؤول في الوظائف العامة والخاصة.. وقد لا يتوافر للوظيفة الجهد الذي يسعف الموظف للقيام بأعباء وواجبات وظيفته.
} الخوف من انشغال الموظف بعمله الخاص على حساب الانضباط في الحضور إلى الوظيفة أو في مواعيد الانصراف منها.. حيث ستتفشى ظاهرة التأخير عن العمل والاستئذان للخروج منه لتصريف أمور الأعمال الخاصة.
} ومن أهداف تيسير الحصول على السجلات التجارية هو تشجيع الموظفين على العمل الخاص وترك وظائفهم للأعداد الرهيبة التي تتخرج سنويا في المعاهد والجامعات.. ولذا فإن هذا المشروع سيشجع على الجمع بين الوظيفة والتجارة.. فتتضاءل فرص التوظيف إلى حد كبير..!!








إقرأ أيضا لـ""

aak_news