العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

رحمة الرسول الإنسان عليه الصلاة والسلام (2)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١٦ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



يقول الله تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يُحب المتوكلين». آل عمران: 159، إن الله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته جميع خلقه ملأ قلب رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- رحمة حتى فاضت الرحمة منه على جميع خلق الله. فكان صلى الله عليه وسلم رحيما بالضعفاء، حريصا على الرفق بهم وعلى الرحمة بهم، فيؤكد حقوقهم، ويحذر من استضعافهم وإهانتهم ووقوع الظلم عليهم واستلاب حقوقهم لضعفهم، فكان يهتم بأمرهم اهتماما عظيما، ليعلم البشرية الرحمة بالضعيف، فهو أول من أرسى حقوق الإنسان وأكد كرامته وإن كان خادما أو عبدا مملوكا، يوضح هذا ما رواه البخاري بسنده عن الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ (رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَشَكَانِي إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فإن كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ). وبوب البخاري في صحيحه بابا بعنوان قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ). ومن مظاهر الرحمة بهم وحُسن معاملتهم أن جعل لهم نصيبا مما يصنعون من الطعام، كما يُطعم الرجل ولده وأهله. روى البخاري بسنده عن مُحَمَّد بْن زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فإن لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، أو لُقْمَتَيْنِ، أو أُكْلَةً، أو أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاَجَهُ). وهذا لمراعاة حظ النفس، فإن كان الطعام قليلا وتكاثرت عليه الأيدي فليعطه منه لقمة أو لُقمتين. أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا صَنَعَ لأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَلِىَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ فإن كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلاً فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أو أُكْلَتَيْنِ. قَالَ دَاوُدُ يَعْنِى لُقْمَةً أو لُقْمَتَيْنِ). ومعنى مشفوه: قليل. لأن الشفاه تكاثرت عليه. فانظر إلى توجيهات الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الرفق والرحمة بالخدم، حتى أمر مالكيهم وأصحاب أعمالهم أن يُجلسوهم معهم على موائد طعامهم كبقية أفراد الأسرة، فأي رحمة هذه وأي عظمة تلك؟! إنه صلى الله عليه وسلم نبع الرحمة البشرية، وهو رسول الإنسانية، سبق بتشريعاته كل تشريعات البشر في حقوق الإنسان، كل الإنسان، من دون تمييز أو تفريق، بين غني أو فقير، أو بين قوي وضعيف، أو بين مسلم وغيره، فهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة لكل الخلق، وفي ذات يوم تمر عليه جنازة، فوقف لها صلى الله عليه وسلم، تعظيما لحرمتها، فقيل له: إنها جنازة يهودي يا رسول الله، فأجابهم مُعلم البشرية صلى الله عليه وسلم: أليست نفسا؟ إنه -صلى الله عليه وسلم- من علم البشرية أن حرمة الإنسان الميت كحرمته وهو حي. من دون النظر إلى عقيدته، ما أحوج البشرية اليوم لتتعلم من هدي رسول الإنسانية، ونحن كل يوم نسمع ونرى في وسائل الإعلام كيف تُهان كرامة الإنسان من قتل وتشريد واستعباد، ومدى ما وصلت إليه البشرية من العبث والفوضى بسبب بعدها عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى هانت النفس البشرية على كثير فسُفكت الدماء لأقل الأسباب، وللأسف في بعض الأحيان باسم الدين نقتل ونعذب ونُشرد ونستعبد، حتى شوهوا صورة الدين، ونفروا الناس منه، حتى تجرأ أهل الشر والفساد على مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى قدسية القرآن الكريم، مع أنه دين الرحمة، ورسوله رسول الرحمة ونبع المحبة. ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- رحمته باليتامى والأرامل، وهم من جملة الضعفاء والمستضعفين، التي يستهين كثير من الناس بهم، فيأكلون حقوقهم، ويظلمونهم لضعفهم. وقد حذر الله تعالى من أكل أموال اليتامى ظُلما واستكبارا فقال تعالى: «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا». النساء:10، وحذر الله تعالى من إيذاء اليتامى بدنيا ونفسيا فقال تعالى: «فأما اليتيم فلا تقهر». الضحى:9، وقال تعالى: «أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين». الماعون. 1-3، ومن توجيهات الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرفق باليتيم وكفالته ورعايته، فكافل اليتيم رفيق الرسول في الجنة، أخرج أبو داود وأحمد وغيرهما عَنْ سَهْلٍ بن سعد أَنَّ النَّبِي. صلى الله عليه وسلم قَال: (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ. وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى والتي تَلِي الإِبْهَامَ). وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل، أخرج البخاري بسنده عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أو الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ). إنها دعوة عامة للرحمة والتراحم. أخرج الحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه قالوا: بلى يا رسول الله قال: أفشوا السلام بينكم تحابوا والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم قال: إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة رحمة العامة). حديث صحيح. واعتبر الرسول وجود الضعفاء في الأمة، والعطف عليهم سببًا من أسباب العزة والنصر على الأعداء، فأي فضل هذا؟ أخرج البزار في مسنده عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ لِي فَضْلا عَلَى مَنْ وَرَائِي، أو كَانَ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ فَضْلا عَلَى مَنْ وَرَائِهِ حَتَّى سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ).






كلمات دالة

aak_news