العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

بين المرجعية والهُوية

بقلم: عبدالرحمن هاشم *

الجمعة ٠٩ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



من الأمور المتعارف عليها أنه لا بد لكل مجتمع من مرجعية تكون على شكل قواعد حاكمة يرجع إليها المجتمع لتضبط تصريف شؤونه.
هذه القواعد المرجعية لا يصح أن تتصادم مع تلك القواعد التي تحكم القلوب والمشاعر في ذات المجتمع؛ لكي لا تحدث ازدواجية أو ثنائية في المعايير تتكسر عليها كل موجات الإصلاح.
والمرجعية الغربية المهيمنة على العالم حاليا مرجعية مادية تدعي أن كل عمل يأذن فيه العقل صواب لا غبار عليه، وهي تفسر الكون والحياة والإنسانية والاجتماع البشري تفسيرا ماديا بحتا.
وهي بتفسيراتها المادية البحتة تصادم ما يحكم قلوبنا ومشاعرنا بينما مرجعيتنا تضبط قرار الفرد وتصرفه رجلا كان أو امرأة ليرضى عنه الله. هي إذن استجابة فعلية وتطبيقية وليست مجرد مرجعية فكرية نظرية.
نعم، لنا مرجعيتنا التي تجمع بين (الوحي) ومعارفه وبين (الطبيعة) وعلومها، وتحقق وحدة توجيه التصور والتصرف، فلا ازدواجية ولا ثنائية، وهي لا تصادم عقائد الأقلية غير المسلمة لأنها الوحيدة التي تقبل التعددية منذ أن قبلت زواج المسلم من الكتابية في بيت واحد، ثم إنها لا تتعارض مع مقتضيات تشريعية لهذه الأقلية التي اعتنت عقيدتها فقط بمملكة السماء فلم تتناقض في الأرض مع أي مرجعية تشريعية تصرف شؤون الدنيا.
ثم إنها سبيل لا مندوحة عنها لمريد الإصلاح في المسلمين، الذين أشربت أنفسهم الانقياد للدين حتى صار طبعا فيها.
فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعها فيها فلا ينبت، ويضيع تعبه ويخفق سعيه.
نعم، لا مانع من أن نأخذ الحكمة من النماذج الحضارية الأخرى المعاصرة، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، لكن من المعلوم أيضا أن الحكمة خير لا شرّ، ومن العبث الذي ليس وراءه عبث سلوك طريق الحضارة الغربية، رأسمالية كانت أو شيوعية، ننتقي منها شرها، ومرها، وما يُكره منها وما يُعاب، تاركين أو ضاربين عرض الحائط بخيرها وحلوها وما يُسر منها وما يُحمد.
ليس من الحكمة في شيء ترك أجيال المسلمين نهبا لتعدد المرجعيات وتصارع المتناقضات وتذبذب الاختيارات ونسيان الدين، فجميع ذلك مُؤد إلى حرمان الأمة من كل فرص النهوض بل قل إن جميع ذلك مؤد إلى إماتة الأمة ودفنها إذ أعرضت عما يحييها ويقيمها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال 24.
وعين الاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم تكمن في تكريس بقاء الإسلام مرجعا حقيقيا للمجتمع رجالا ونساءً، أفرادا ومؤسسات.
والهُوية إذا شئنا الدقة ترادف المرجعية، ومحاولات طمس هوية مجتمع ما إنما هي محاولات لطمس مرجعيته.
وهي محاولات تقوم على قدم وساق في كل مجتمعات المسلمين ويُخطط لها ليلا ونهارا وسرا وجهارا بغية إفساد تكوين الإنسان المسلم حتى لا يصلح أن يحمل إسلاما يوما ما.
هذه هي الهُوية، وتلك هي المرجعية؛ وعلى أصحاب النهى فينا توسيعها لتضم كل الناس من العوام إلى الصفوة، وعلى أولي الأمر منا تعميقها لتصبغ كل مظاهر الحياة، بل عليهم تفعيلها لتكون هي المحرك لفعل الخير ونفع الناس (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ).
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد كان في جميع مراحل حياته الشريفة صاحب قضية حق، وكان دؤوبا لا يكلّ ولا يملّ من العمل بالرغم من أن الله عز وجل وعده بأن قضيته مكتوب لها النصر والغلبة، مهما تراخى الزمن.
إن هويتنا صبغة الله التي صبغ بها عباده، فلنحافظ عليها ولنعمل على حمايتها مهما تواصى بها البشر (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ). الأنفال: 36.
* عضو اتحاد كتاب مصر






كلمات دالة

aak_news