العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

رحمة الرسول الإنسان.. عليه الصلاة والسلام (1)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٩ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



قدر الله تعالى أن يجعل رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- خاتم المرسلين، فلا رسول ولا نبي بعده، فجمع الله له -صلى الله عليه وسلم- من صفات الجمال والكمال البشري وعظيم الأخلاق والصفات، التي تميزه عن غيره، وقد مدحه الله تعالى في القرآن بذلك فقال تعالى: «وإنك لعلى خُلق عظيم» القلم: 4، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه البزار في مسنده، وفي رواية أحمد وغيره: «لأتمم صالح الأخلاق». وتألّقت روحـه الطاهرة بعظيم الشمائـل والخِصال وكريم الصفات والأفعال، حتى أبهرت سيرته القريب والبعيد، وتملكت هيبتهُ العدوّ والصديق، وقد صوّرته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حينما سُئلت عن أخلاقه، فقالت: «كان خُلُقه القرآن»، فكان -صلى الله عليه وسلم- قرآنا يمشي على الأرض. فمن عظيم أخلاقه، وسمات الكمال التي تحلّى بها -صلى الله عليه وسلم- خُلُقُ الرحمة والرأفة للإنسان والحيوان والطير، كيف لا وهو المبعوث رحمة للعالمين؟! يقول تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» الأنبياء:107. فقد وهبه الله رقة وحنانا في القلب وعطفا ورحمة للمساكين، يرقّ للضعيف ويحنّ على المسكين ويعطف على الخلق أجمعين، حتى صارت الرحمة له سجيّة، فشملت الصغير والكبير والقريب والبعيد والمؤمن والكافر، فنال بذلك رحمة الله تعالى، فالراحمون يرحمهم الرحمن. وقد تجلّت رحمته -صلى الله عليه وسلم- في عددٍ من المظاهر والمواقف، ومن تلك المواقف رحمته بالأطفال: كان صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال ويرقّ لهم، حتى كان كالوالد لهم، يقبّلهم ويضمّهم، ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر، كما فعل بعبدالله بن الزبير عند ولادته. وجاءه الأقرع بن حابس، فرآه يُقبّل الحسن والحسين ابني فاطمة -رضي الله عنهم أجمعين- فتعجّب وقال: إن عندي عشرة من الأبناء ما قبلت واحدا منهم؟ فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة. وروي أنه كان يُصلي يوما وهو حامل أمامه بنت زينب، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. وكان إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ أسرع في أدائها وخفّفها، فعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، كراهية أن أشقّ على أمّه» رواه البخاري ومسلم. وكان يحمل الأطفال، ويصبر على أذاهم، فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه». رواه البخاري. وكان يحزن لفقد الأطفال، ويصيبه ما يصيب البشر، مع كامل الرضا والتسليم، والصبر والاحتساب. ولما مات ولده صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه، فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. مع ملاحظة أنه صلى الله عليه وسلم نشأ في قوم غلاظ شداد تملأ القسوة قلوبهم، لا يعرفون للرحمة واللين طريقا، وليس للضعيف بينهم حق في شيء، لكن الله ملأ قلب النبي صلى الله عليه وسلم رقة ورحمة لكل الخلق، ولعل الحكمة مما مر به الرسول في بداية حياته من فقده والديه ونشأته يتيما، وتقلبه في الحياة تقلبات شتى، أن رأى الحياة على حقيقتها، فملأت الرحمة قلبه صلى الله عليه وسلم وهذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: «أدبني ربي فأحسن تأديبي». ويقول تعالى: «وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما» النساء:113، ومن رحمته صلى الله عليه وسلم رحمته بالنساء في مجتمع يقتل الأنثى وينظر الى المرأة نظرة الاحتقار والريبة إلا ما ندر، حتى وصل الحال إلى أن تُقتل المولودة إذا كانت أُنثى ولا يستطيع الأب أن يواجه الناس إذا رُزق ببنت. يُصور القرآن هذه الحالة بصورة حية مؤلمة تُوضح مدى القسوة ومدى الإهانة للبنت من دون ذنب منها. يقول تعالى: «وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ويتوارى من القوم من سوء ما بُشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون» النحل :58-59, وكانت المرأة إذا مات زوجها ورثها أحد أقاربه, من دون إذنها, وكانوا يحرمونها الميراث, ولما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم جعل للمرأة والضعفاء حقوقا, وخص المرأة بمزيد من الرحمة والرعاية, مراعاة لطبيعتها العاطفية, ومما تتصف به من الضعف وقلة التحمل في كثير من الأحيان, فكانت العناية بهنّ أعظم, والرفق بهنّ أكثر, وقد تجلّى ذلك في خُلقه وسيرته على أكمل وجه, فحثّ صلى الله عليه وسلم على رعاية البنات والإحسان إليهنّ, وكان يقول: «من ولي من البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له سترا من النار», بل إنه شدّد في الوصية بحق الزوجة والاهتمام بشؤونها فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهنّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك, إلا أن يأتين بفاحشة مبينة». وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التلطّف مع أهل بيته، حتى إنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير، وكان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه صلى الله عليه وسلم.






كلمات دالة

aak_news