العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

قول في البعد والهجر والقطيعة

بقلم: أ. د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٠٩ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



تمر بنا الحياة وننتقل من مكان إلى مكان، نعرف من الناس الكثير، منهم من يصبح ذكرى بعد معرفة قصيرة، ومنهم من يصبح ذكرى بعد معرفة طويلة، ومنهم من يمضي غير مأسوف عليه، ومنهم من يصبح صديق العمر، ومنهم من تحب رؤياه لوقت قصير، ومنهم من تحب رؤياه لوقت طويل وليس بصديق، ويبقى الأهل هم الأهم لأنك تأنس بهم وتشعر بالأمان وأنت بينهم، ثم تمر لحظات المعرفة والتزاور والتسامر، وتأتي لحظات البعد عمن تحب وتعرف، وقد ارتبطت بهم فترات غير قصيرة من الحياة، تأخذنا الحياة في دروبها سعيا وراء ملذاتها، سعيا وراء العلم، سعيا وراء كل ما تظن أنه سيسعد حياتك، ولكن يظل الإنسان متعلقا بمن أحب وبمن أرتاح له قلبه في رحلة حياته، فلا ينسى الذكرى التي جمعته بصديق، ولا ينسى اللحظات الجميلة التي عاشوها سويا، حتى ولو أبعدتهم مشاغل الحياة، فلا قطيعة هنا تذكر، لأن تواصل القلب دائم وهو مهم كالتواصل الحسي، تراك تبعد سنوات عمن عرفت ولكن لا تنساهم أبدا، وربما أتت لحظة اللقاء فترى الذكريات الجميلة أتت على كل سنوات البعد وجعلتها لحظات سعيدة، ويسعد القلب بلقاء الأحبة والأصدقاء، فلا مجال للتحدث عن قطعية أو هجران، لأن الفرق شاسع بينهم، فالبعد وارد، وكما قال الشاعر:
وَرُبَّ أَخٍ لم يُدْنِهِ منْكَ وَالِدٌ
أبرُّ منَ ابْنِ الأمِّ عنْدَ النَّوَائبِ
وَرُبَّ بَعيدِ حَاضِرٍ لكَ نفْعُهُ
وربَّ قريبٍ شاهدٍ مثل غائب
ولكن القطيعة والهجران والبغض والكره والمشاحنة وغيرها لأسباب ربما تكون واهية، كل ذلك منهي عنه، وهنا وجب علينا الفهم الصحيح والبعد عن التأويل والتطويل، ففي الحديث عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يحلُّ لمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ يَلْتْقَيِاَنِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بالسَّلامِ» رواه البخاري ومسلم، وفي الهجر والقطيعة كلام كثير، وأعجبني قول «ابن عبدالبر»: أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرة، فإن كان كذلك جاز، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية.
تمر علينا الحياة بحلوها ومرها، ولا مفر من مشاحنة أو منازعة على أمر من أمور الحياة، وقد غلب على هذه الأمور أمر المصاهرة بين الأهل، مثلا ابن أخ تزوج بنت أخ أو أخت أو العكس، فكم حدثت مشاحنة أو منازعة بين الأهل بسبب تلك المصاهرة، فحدث خلاف كبير أدى إلى أبغض الحلال عند الله ألا وهو الطلاق، فلا سلام ولا كلام بعد ذلك، وتمر السنوات ويظل الكلام والسلام والهجران، وكم قيل إن فلانا هجر أخاه أو قريبة سنوات عديدة، وربما يدخل من ليس طرفا من الإخوة، لأن هذا الأمر أحيانا يجعل أحد الإخوة مثلا يظن أن أخاه أو أخته تميل إلى طرف أخيها أو أختها الثانية، ولكن الحقيقة غير ذلك، عموما هذا الأمر يجب أن يقدر بقدره، ويجب أن يحكمه العقل حتى لا يطول الهجر وتحدث القطيعة بين الأقرباء.
وفي أمثلة الهجر جاء عن السلف، عن أبي الحسن المدائني قال: «جرى بين الحسن بن علي وأخيه الحسين كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام من هجر أخيه أقبل إلى الحسين وهو جالس فأكب على رأسه فقبله، فلما جلس الحسن قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به» رضي الله عنهما وعن أبيهما، وقد ورد أيضا أن سيدنا علي كرم الله وجهه كان يمر على سيدنا عمر بعضا من الأيام ولا يلقي السلام، فوجد ذلك في نفس سيدنا عمر رضي الله عنه، فشكا ذلك لرسول الله، فجاء الإمام علي إلى الرسول حول هذا الأمر وأخبره بأنه سمعه يقول في الحديث «إذا التقى المسلمان فخيرهما الذي يبدأ بالسلام فأحببت أن يبدأني هو بالسلام ليفوز بالأجر. هذا الكلام لدعاة المذهبية والطائفية اليوم، تعلموا من الصحابة الكرام الحب، واتركوا الكره والهجر والتباغض». وأختم شعرا:
ما أجمل القرب من الأحباب تلقاه
يلقي ظلالا يرتاح لها البدن
فيسعد القلب بمن طال بعدهم
بعد فراق قد جاءت به الفتن
يا من تريد الهجر لا تنسى
بأن للقرب جنات اسمها العدن.






كلمات دالة

aak_news