العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

في الرد على الملحدين:
(يابني اركب معنا) /1

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



في مشهد يقطع القلوب يرى نوح عليه السلام ابنه وفلذة كبده يستهين بالطوفان فينادي الوالد الذي أطلعه الله تعالى على حقيقة الموقف يقول الوالد: «يَابُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين» (هود: 42).
يأخذ الولد الغرور ويتلبسه العناد وينظر حوله بعين قاصرة جاهلة مغرورة: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء) (هود: 43).
إنه الفكر المادي العَلماني القاصر يرى الأسباب المادية من حوله ويظن أنها مانعته من الغرق فهي مرتفعة ومنيعة وأن صعد عليها نجي من الغرق فلماذا الاستسلام للأسباب الغيبية غير المرئية. يقول الوالد العليم بحقيقة الموقف (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ) (هود: 43).
وخابت رؤية الولد الجاهل المغرور وصدقت رؤية الوالد المؤمن المبلغ بحقيقة الأمور، ورحمة بقلب الوالد (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) (هود: 43) وجاءت النتيجة الحتمية سريعًا إلتي جهلها الولد (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين) (هود: 43).
هذا الموقف يجسد حقيقة المؤمنين والملحدين الكافرين في كل زمان ومكان وخاصة في عصر الأخذ بالأسباب المادية بعيدًا عن أقدار الله وأمره النافذ على كل المخلوقات.
هذا الموقف يتشابه مع موقف فرعون الذي عاند وكابر وأخذ بالأسباب المادية وحدها قال تعالى: «فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِين* فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون* قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين* فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم* وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِين* وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِين* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِين* إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِين* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم» (الشعراء: 60-68).
الحقائق المادية تؤكد إدراك فرعون لموسى ومن معه، فرعون متأكد من ذلك ومن مع موسى خافوا من ذلك، وهنا تأتي الأوامر الإلهية التي لا تحدها حدود مادية وتزول معها كل القوانين الفيزيائية والكيمائية والبيئية ويضرب موسى البحر بعصاه الضعيفة بأمر ممن يقول للشيء كن فيكون فينفلق الماء إلى فلقين كل فلق كالجبل العظيم تعطلت عوامل التماسك والتلاصق بين جزئيات الماء بأمر الله ويعمى فرعون عن هذه الحقيقة ويخوض بجهله في الممر المؤقت ويعبر موسى والذين معه ويتبعهم فرعون ومن معه فتخونهم تصوراتهم المادية ويطبق عليهم البحر ويعود الماء إلى سيرته الأولى في مشهد رهيب.
هذا الموقف يجسد الفكر المادي في مقابلة الفكر الإيماني الذي يأخذ بكل الأسباب المادية أولاً كما قال تعالى: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا» (الكهف: 84-85)، ومع ذلك لا يلغي الأسباب الربانية، كما قال تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) (الكهف: 95).
إنها التركيبة والوصفة الإيمانية الصحيحة خذ بالأسباب المادية واعتمد على رب الأسباب وقد أنكر الملحدون رب كل شيء ومليكه وقالوا الحياة مادة وفقط، ثم استندوا إلى نظرية المصادفة والعشوائية المسماة بنظرية التطور في إثبات أن الحياة بدأت على الأرض بالمصادفة والعشوائية، وتطورت بالطفرة وبفعل العوامل البيئية والانتخاب الطبيعي ومع أن أصحاب نظرية التطور لدارون اعترفوا بأن ما قاله دارون خاطئ وهم الآن يبحثون للنظرية عن أدلة في علم الوراثة والجينات والخرائط الوراثية وهذا ما فندناه في كتابنا نظرية التطور بين المؤيدين والمعارضين، وهذا ليس موضوعنا الرئيس في هذه المقالات.
يقول الملحدون:
إن الكشوف العلمية قد استطاعت تفسير الظواهر الكونية بأسباب وقوانين ثابتة.
إذن، فلا حاجة إلى افتراض رب خالق يصرف أحداث هذا الكون.
إن قضية الإيمان بالله من نتاج اللاشعور الإنساني، وليس اكتشافًا لواقع خارجي.
إن قضية الإيمان بالله ترجع إلى أسباب تاريخية أحاطت بالإنسان، وذلك لضعف الإنسان تجاه الأحداث الكونية الكبرى كالسيول والأعاصير والطوفان والزلازل والأمراض قد ولدت عنده افتراض وجود قوة كبرى مهيمنة على الكون، فعليه أن يستغيث بها ويلجأ إليها ليحظى بالسلامة، وهكذا ظهرت الحاجة إلى افتراض وجود الآلهة المتعددة في عقائد بعض الناس، والإله الواحد في عقائد بعضهم. (انظر كتاب براهين وأدلة إيمانية، عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني، دار العلم، دمشق: سوريا، ط: 1، ص: 58، 1987م).
ويقولون إن الحياة نشأت على الأرض بالمصادفة وبفعل العوامل الطبيعية في البيئة الأرضية ثم تطورت بالطفرة والانتخاب الطبيعي لتكوين الكائنات الحية وفق نظرية التطور لداروين.
ونحن نسوق الأدلة العقلية والعلمية والشرعية على وجود الخالق سبحانه وتعالى وأنه لا مكان للمصادفة والعشوائية في المخلوقات الأرضية والحقائق الكونية:
أولا الأدلة العقلية: إذا نظر الإنسان لكل الموجودات الموجودة في كل مكان يوجد فيه وتقصى كيفية وصولها إلى حالتها التي هي عليها ومن أوجدها في هذا المكان لعلم بالتقصي أن هذه الموجودات صنعت في بلدة كذا بواسطة الشركة المنتجة وأن لهذه الشركة مصانع تحتوي أجهزة وأدوات وخامات صناعة هذا الشيء ويوجد العديد من العاملين القائمين على هذه الصناعة وأن الخبراء قد طوروا هذه الصناعة وفق خطوات علمية معلومة ومدروسة ولا مجال للعشوائية في الإنتاج.
إذن، فخلف كل صنعة صانع عليم بصناعتها وخبير في أمرها وتعهدها إلى أن وصلت إلينا وأصدر كتيبًا تعريفيًا بها وأنشأ مراكز لصيانتها وتشغيلها على عطبها.
انظر إلى الكراسي التي نجلس عليها، وعلى السرير الذي تنام عليه، والفرش التي تستعملها والأدوات التي تستخدمها والسيارة التي تركبها والتلفزيون والتليفون وكل شيء حولك له صناع وهي تدل على مهارة هذا الصانع وعلمه وإتقانه وإبداعه.
فكل موجود له موجد.
وكل مصنوع له صانع.
وكل منتج يحتاج إلى علم ودراية، وأن المباني التي نعيش فيها قام بتشييدها مشيدون عالمون بالبناء، وكذلك أجهزة الكشف الطبي في المستشفيات وقد فطن الأعرابي إلى هذه الحقيقة البديهية والعقلية فقال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، أسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أما تدل على اللطيف الخبير.
وقال الشاعر:
تأمل في رياض الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
هكذا تشهد الموجودات عقليًا بأن لهذا الكون واجدا خالقا مدبرا عليما خبيرا، وعندما تقع حادثة قتل أو سرقة أو تخريب يقوم الخبراء بدراسة مكان الحادثة، وكيف حدثت، وآثار الحادثين وبالدراسة والبحث والتقصي يستطيع الخبراء من الأدلة الوصول إلى الفاعل والقبض عليه، وكذلك يفعل خبراء المرور عند وقوع الحوادث بدراستها دراسة علمية ومعرفة كيف حدثت وتحديد المتسبب فيها من طرفي الحادث.
ومن يدرس النبات والحيوان والكائنات الحية الدقيقة بخصائصها الحيوية يتأكد أن خلفها موجدا وخالقا ومدبرا عليما خبيرا، وبذلك تؤكد الأدلة العقلية أن للكون خالقا عليما خبيرا مدبرا خلق المخلوقات وأعطاها صلاحيتها للحياة وهداها لما يصلح عليها حياتها، وقد أوجز سيدنا موسى عليه السلام هذا؛ فقد سأله فرعون: «قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى؟!» (طه: 49).
جاءت الإجابة جامعة مانعة على مستوى علم فرعون وتقدمه العلمي: «َقَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» (طه: 50).
ونستطيع أن نستمر في الأدلة العقلية لنكتب المجلدات في هذا الأمر ولكن نكتفي بذلك لنبين للملحدين والمنكرين لوجود الله سبحانه وتعالى أن العقل الصريح السليم العلمي البعيد عن الهوى والضلال يكذب ادعاء إنكار الخالق سبحانه وتعالى.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى.






كلمات دالة

aak_news