العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

مراحل الضعف والقوة في حياة الإنسان

بقلم: د.علي أبو هاشم

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



يتقلب الإنسان في مراحل خلقه وحياته أشكالا متنوعة وأحوالا مختلفة متباينة، وهي تدل في كل أحوالها وتقلباتها على حكمة الله الحكيم وقدرة الله القادر، ولقد حثنا القرآن على تدبر هذه المراحل والأحوال، لنصل إلى العظة والاعتبار والإيمان الكامل بالله الواحد القهار، يقول تعالى: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» الذاريات:21.
فقد أودع الله في الإنسان من أسرار قدرته، وأودع فيه ما يدل على حكمته، ودعاه إلى التدبر فيما أودعه الله فيه من النعم، وكيف خلقه في أحسن تقويم، وجعل له لسانا يتكلم به، وعينين يبصر بهما، وأذنين يسمع بهما، وأعطاه من استقامة القامة، وزوده بالعقل الذي يدرك به التكليف، ويدرك به حسن الأشياء وقبحها، وميزه تعالى على سائر خلقه، وسخر له ما في السماوات والأرض جميعا منه، وفي القرآن الكريم الآيات التي تذكر الإنسان بهذه النعم، وهذه الفضائل، فيقول تعالى: «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك». الانفطار:6-8.
ويقول تعالى: «ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين». البلد: 8-10.
ويقول تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم». التين:4.
ومن الملاحظ أن تلك الآيات التي تحدثت عن النعم التي خص الله بها الإنسان مكية، ويدل هذا على اهتمام القرآن بالإنسان منذ أول نزوله، وفيه دعوة للإنسان للإيمان بالله الذي خلقه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، وأن يترك الكفر والشرك بالله، فإن الخالق الرازق المستحق للعبادة هو الله وحده،يقول تعالى: «الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض». الزمر:62-63.
ولا يستطيع الإنسان حصر هذه النعم العظيمة التي أنعم الله عليه بها، يقول تعالى: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم». النحل:18.
ويوضح القرآن حقائق مهمة تتعلق بمراحل حياة الإنسان وتقلباته فيها، بين الضعف والقوة، وهي حقائق ظاهرة لكل إنسان، وإنما ذكرت تأكيدا لدعوة الإنسان للتدبر والتفكر، لأن هذه الأحوال لا بدَ لها من مدبر حكيم هو الله تعالى.
يقول تعالى: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير». الروم: 54.
هذه المراحل الثلاث والتي سبقتها مرحلة الأجنة، هي من تدبير العليم القدير، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه، وتوضح الآية المراحل الثلاث التي يمر بها الإنسان في حياته، المرحلة الأولى مرحلة الأجنة والطفولة بعد الولادة، وهذه المرحلة يكون الإنسان فيها ضعيفا لا يملك شيئا من أمر نفسه، ويكون ضعفه ظاهرا، يعتمد في حياته على غيره، وقد هيأ الله له أسباب الحياة الآمنة المستقرة، ثم تأتي الفترة الثانية وهي التي تعقب الطفولة، وهي مرحلة القوة (الشباب) أو الأشد كما عبر عنها القرآن الكريم.
يقول تعالى: «حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة». الأحقاف:15.
وقوله تعالى: «ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين». يوسف: 22.
وفي هذه المرحلة تكتمل قوة الإنسان حيث تبلغ مداها، وهي مرحلة تحديد الاتجاه والتي اهتم بها الإسلام كثيرا، ليوجه المسلم فيها إلى الخير والصلاح، ليكون على الاستقامة، وليكون عضوا صالحا في المجتمع، فمما ورد عن الرسول فيما يخص الشباب دون غيرهم، قوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). رواه: البخاري.
وقول الرسول. صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. رواه البخاري.
ومرحلة الشباب هي مرحلة القوة والإنتاج والعمل والبناء، وهي المرحلة التي يحب الله تعالى فيها من أهلها الطاعة لما فيها من الإغراء والافتتان وقوة الشهوات، إن مرحلة الشباب هي ربيع الحياة التي تذخر بالثمار النضرة، وهي المرحلة التي تؤتي ثمارها للحياة وتعمر بها الدنيا، ودعانا الرسول صلى الله عليه وسلم: إلى اغتنام فرصة الشباب، فقال صلى الله عليه وسلم: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك. رواه: النسائي في السنن الكبرى.
فعلى شبابنا اغتنام فرصة الشباب في طاعة الله وفي العمل والبناء والتعمير فيما يعود على البشرية بالخير والفلاح. وتأتي المرحلة الثالثة: وهي مرحلة النهاية، إنها مرحِلة الخريف الذي يودع فيها الإنسان الحياة، فينقلب من القوة إلى الضعف، ومن الصحة إلى السقم ومن رجاحة العقل إلى ضعف العقل وضياع الذاكرة، يقول تعالى: «ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون». يس: 68.
وهي مرحلة الوهن والضعف كما يقول تعالى عن عبده زكريا عليه السلام: «قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا». مريم: 4.
فالضعف في هذه المرحلة ضعف عام، يشمل جميع وظائف الجسم، وهي مرحلة أرذل العمر يذكرنا القرآن بها فيقول تعالى: «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا إن الله عليم قدير». النحل:70. وفي هذه المرحلة يكون هناك نقص ملحوظ في جميع وظائف أعضاء الجسم، فسبحان من خلق الإنسان وقلبه في هذه المراحل المتباينة إنها تدل على قدرة الله في الخلق، وتدل على تقلب الأحوال، وأنه لا ثبات ولا استقرار لشيء في الدنيا فكل ما فيها إلى تغير وزوال، يقول تعالى: «كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون» القصص: 88، فلا يغتر بالدنيا عاقل وهو يرى تقلب الأحوال في نفسه وفيمن حوله، وليتذكر قول القائل:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغر بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان.






كلمات دالة

aak_news