العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

العلامة محمد فريد وجدي.. الكاتب الموسوعي وصاحب دائرة معارف القرن العشرين (3)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



دائرة المعارف في عيون معاصريه:
لكي يقدر الإخوة القراء عظمة الجهد المبذول والعمل الموصول في تأليف هذه الدائرة ولكي يعرفوا القيمة العلمية والثقافية لها وكيف قدمت خدمة جليلة إلى اللغة والدين والأدب والثقافة.. لكي يعرفوا ذلك كله لا بد أن نذكر أقوال بعض معاصري الأستاذ وجدي في هذه الدائرة وهم من أعلام الثقافة والصحافة والفكر الذين يشار إليهم بالبنان:
1) يقول الدكتور/ محمد حسين هيكل وزير المعارف (سابقًا):
«إن فريد وجدي لم يكتف فيها (أي في دائرة المعارف) بوضع قواعد البحث ونظامه والإشراف على أبحاث سواه بل تفرد فلم يستعن بأحد ولم يشرك في مجهوده مجهود غيره، وهو الذي بحث ونقب ورتب ونظر وبحسبك هذا التعرف مشقة العمل وعظم المجهود. ولو أن هذه الآلاف من الصفحات كانت كلها في فن أو علم واحد لكان ما تقتضيه من مجهود أقل مما تقتضي هذه العلوم النقلية والعقلية بجميع أصولها وفروعها، ذلك أن اتحاد اتجاه الذهن وإمعانه في الغوص على نوع واحد من المعاني ويشحذه ويزيده دقة في التصوير وفي التفريق بين الألوان البادية التشابه لذي النظر السطحي ولغير المتعمق.
فأما هذا الانتقال من علم إلى علم ومن فن إلى فن فعسير كل العسر، يُحدث في الذهن وقوفا كلما شاء أن يتحول إلى اتجاه جديد، وليس هذا الشأن قاصرا على التفكير وحده بل إنك لتشعر به ولو كان عملك قاصرا على مجرد النقل والترجمة».
2) يقول الأستاذ/ داود بركات رئيس تحرير جريدة الأهرام:
«رجل عمل وحده منفردا وعمل جادا وعمل ساهرا، عملا لا ليتلألأ على صدره نيشان، ولا تدفع له راتبه، ولا ليقام له حفل تكريم» إلى أن يقول: «إن المنافق والدساس والرجل المراجي إنما يقدم على صاحب دائرة المعارف في كل شيء، يقدم عليه بالمال ينصب عليها انصبابا وبالمقام يرفع ويعلو، وبالتقديم الذي لا يكاد ينتهي عند حد. أما هو وقد كلّ دماغه ونحل جسمه وفرغ جيبه، وقصر عمره، ينقل العلم إلى أمته فإنه في عزلة وإنه لمجهول».
ثم يدعو إلى إنصافه وتسجيل عمله فإن لم يفعلوا فإن الأهرام يسجل على صدره جلال هذا العمل الذي أتمه، ونفع هذا العمل وفائدته الكبرى. ثم يقول: إنا ليعرونا الأسى والأسف إذا نحن ذكرنا طوائف من العلماء والأدباء الذين كنا نراهم يجتمعون آلافًا من أجل قصيدة تروقهم، أو منظومة تتملك عليهم مشاعرهم وقلوبهم. أما إذا وجدوا عملا كهذا العمل الجليل الذي قام به وجدي فإنهم لا يولونه اهتماما ولا يعبأون به بل لا يكادون يعرفونه.. إلى أن قال: لقد عمل لأمته ولنفسه عملا لا شك أنه كبير وجليل» (افتتاحية الأهرام يوم 13 أبريل عام 1925م ).
3) يقول الشاعر الكبير خليل مطران:
«بارك الله في الرجل وفي همته الغالبة على الصعوبات، فقد فعل بمفرده ما لا تستقل بفعله الجماعات.. إلى أن قال: إن أعظم الأعمال في الشرق إنما يقوم برجل».
4) يقول الصحفي العجوز توفيق حبيب:
«إذا فاخرت سوريا ولبنان بالبستاني وعمله، فإن مصر تفاخر بهمّة فريد وجدي، فقد كان إلى جانب بطرس البستاني أولاده ونسيبه سليمان وغيرهم من فحول العلماء وكبار الأدباء.
أما وجدي فقد عمل بمفرده في وضع دائرة معارف القرن العشرين وعانى الأمرين في الإنفاق على الطبعة الأولى، وتصريف أجزائها، ثم أعاد طبعها، فأدركت وزارة المعارف تقصيرها في مساعدته وقررت شراء بضع مئات منها وضعتها في مكتبات المدارس.
إن دائرة معارف وجدي تمتاز على دائرة البستاني بتوخيها شرح بعض المسائل الدينية، فكلمة «الله» مثلا مبسوطة في نحو عشرين صفحة، وكلمة «بيع» مشروحة شرحًا فقهيا إسلاميا مسهبا، وكلمة «مكتبة» دوّن فيها الكاتب خلاصة طيبة عن المكتبات العامة في مصر».
5) يقول الكاتب الكبير الأستاذ/ أنور الجندي:
«إنه استطاع بحق أن يعطي الأمة العربية دائرة معارف على قاعدة وقيمة مزج فيها بين علوم العرب والمسلمين وعلوم الفكر الغربي والمدنية الغربية على نحو يسير في أسلوب سمح سهل، يبسط المعقدات من الأمور والعلوم ويذكر في كل خطوة أنه يحدث أبناء اللغة العربية والعالم الإسلامي، فهو ذاكر أبدا فضل العرب على الحضارة، وهو مقدم أبدا للعرب فكر الغرب وحضارته في تسامح وإخلاص واحترام لقارئه وإيمان بالعمل والدين معا وتتجلى عظمة هذا الباحث في مراجعة أبواب: أدب - تاريخ - فلك - لغة - إسلام - إله - روح - دين... الخ.
فإذا ذُكر أنه لم يكن مؤيدا من جهة رسمية أو أنه كان لا ينتظر على عمله جزاء ماديا أو أدبيا، عجبت لقوة خلق هذا الرجل وصلابته في العمل لوجه الله والوطن والعلم خالصًا.
ثم يواصل الأستاذ الجندي قوله:
«ولا يمنع ذلك التقدير للعمل الضخم من أن تحصى عليه بعض الهنات والأخطاء، أو تفوت الباحث بعض المواد أو يتعثر العمل في بعض جوانبه على نحو من الأنحاء وإذا كان (الدكتور هيكل ورشيد رضا صاحب المنار وأحمد تيمور باشا) قد أحصوا على دائرة معارف وجدي بعض الأخطاء فذلك أمر طبيعي لعمل فردي أتمه صاحبه في بضع سنوات.
ويكفي أنه استطاع إتمامه بمفرده بينما عجز بطرس البستاني عن إتمام دائرة معارفه على الرغم من المساعدة السخية التي فرضتها الحكومة المصرية له حينذاك بشراء ألف نسخة من الدائرة، وعجز خلفاؤه كذلك فلم يتم هو أكثر من ستة أجزاء وأعد خلفاؤه ثلاثة أجزاء أخرى حتى عام 1900م ووقفوا عند حرف ال «عين».
6) يقول الدكتور محمد رجب البيومي رئيس تحرير مجلة الأزهر (سابقًا):
«كانت مصر في مطلع القرن العشرين ذات حاجة ماسة إلى ذخيرة وفيرة من المعارف الإنسانية في شتى العلوم الحديثة فليس بها من المؤلفات العصرية ما يسد فراغا هائلا يوحي بالجهالة الأمية وينذر بالتقهقر السريع إلى عصور الظلمات، فعكف الأستاذ وجدي على إصدار دائرة معارف القرن العشرين وحده في عشرة مجلدات ضخام وأعد لها مطبعة خاصة تخرج على الناس بإنتاج الكاتب وحده. وإذا علمنا أن هذا العبء الثقيل لا ينهض به في أمم الغرب غير الجماعات المتنوعة واللجان المختصة ممن يقضون أعواما طوالا متساندين في البحث الدائم والاطلاع الجاهد حتى يصدروا إحدى دوائر المعارف في ثقافة واحدة عن أمة واحدة ثم تقام لهم حفلات التكريم وتتقاطر عليهم أوسمة التقدير ويمنحون على الفور أرفع الدرجات الفخرية من الجامعات العريقة.
إذا علمنا ذلك ورأينا الأستاذ وجدي ينهض بالعبء المرهق فيقوم به في مدى تسع سنوات على أحسن ما يستطيع ويقدم للغة العربية وحده مكتبة حافلة تضم شتى المعارف الإنسانية من قديمة وحديثة، فإننا نتساءل كيف وجد من الأعصاب القوية والعزيمة الماضية والاطلاع المتشعب ما هيأ له النجاح دون أن يطمع في مأرب مادي أو يتعلق بجاه أدبي مكتفيا بما يستشعره من سعادة نفسية إذ يشارك في بناء الثقافة الحديثة ويمهد لأمته طريق المعرفة والدراية، ومهما قيل من أن دوائر المعارف تستنفد أغراضها لأجل محدود فإن بها من التراث الفكري ما يكفل لها البقاء التاريخي وإن غيرت المكتشفات الحديثة شيئا من مقرراتها المؤكدة أو أضافت إليها من الشرح ما يسير بها إلى الكمال المنشود، فإن ذلك من شأن الحياة ولن يُعفى على جهد كادح وإنتاج خصيب.
وإلى حلقة قادمة بإذن الله..






كلمات دالة

aak_news