العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دول الخليج وتركيا ..طموحات تتجاوز الخلافات

مركز الخليج للدراسات الإسترايجية

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



في ظاهرة جديرة بالملاحظة، تتوالى عقد القمم والمنتديات بشكل منتظم بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا، كان آخرها منتدى الأعمال والاستثمار الخليجي التركي الثاني في الأول من نوفمبر 2016 على أرض العاصمة البحرينية «المنامة»، تحت رعاية رئيس الوزراء سمو الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الأمر الذي أثار مجموعة واسعة من التوقعات حول طبيعة هذه العلاقات، وماهية التحديات التي تواجهها؟، وما هو مستقبل هذه العلاقة في ظل السياق الدولي المتغير؟
وفي حقيقة الأمر، فإن العلاقات الخليجية التركية لم تكن وليدة اللحظة، بل أخذت تتطور إلى تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية وتجارية منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في السعودية؛ والذي كان حريصا على ترابط وتجانس العلاقات مع تركيا في كل المستويات؛ وذلك لثقلها الإقليمي وتطابق كثير من ملفات المنطقة بين دول المجلس وتركيا.
غير أن العلاقات بين تركيا ودول الخليج تأرجحت صعودا وهبوطا، وهو ما يمكن تقسيمه إلى مرحلتين، المرحلة الأولى، هي فترة ما قبل اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011؛ حيث اتسمت العلاقات التركية الخليجية بالمتانة، وهذا نتيجة إدراك كل طرف حاجته إلى الطرف الآخر، في مواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد أمن دول الخليج وتركيا واستقرارها على حد سواء.
ومن ثم تزايدت اللقاءات بشكل مكثف في وقت قياسي وصل إلى انعقاد 12 قمة تركية خليجية جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بقادة دول الخليج، منها 6 قمم مع قادة السعودية، و6 أخرى مع باقي ملوك وأمراء دول الخليج، ما أدى إلى تزايد الثقة بين الجانبين، طُرحت فيها فرص للتعاون، وخاصة مع تزايد القناعات بأن المنطقة تحتاج إلى حلول إقليمية أكثر من حاجتها إلى الحلول المستوردة التي لا تراعي خصوصية المنطقة.
وكنتيجة طبيعية تطورت العلاقة بتزايد التنسيق في عدد من الملفات، وهو ما ظهر في المواقف تجاه ملفات، اليمن والعراق وسوريا ورفض التدخل الإيراني في المنطقة، أو الاستياء المشترك من السياسة الأمريكية؛ الأمر الذي وفر مساحة جيدة للتعاون بين الجانبين على الأقل في القضايا المتفق عليها، وربما في حل بعض الخلافات الموجودة في الإقليم.
فعلى سبيل المثال، وفي الشأن السوري، تتطابق وجهات نظر أنقرة مع كل من الرياض والدوحة بشأن حتمية رحيل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ودعم المعارضة السورية، وتأكيد الحل السياسي للقضية، مع المحافظة على سيادة ووحدة التراب السوري، وحق الشعب في الحرية والكرامة والعدالة، بمبادرة الرياض وأنقرة والدوحة ناشدت أكثر من 60 دولة المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتحمل مسؤوليته واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية المدنيين في سوريا من المجازر الجماعية.
وإضافة إلى الدور الذي قامت به المملكة العربية السعودية، بجمع معظم الفصائل السورية المعارضة في مؤتمر الرياض، ومن ثم تكوين هيئة المفاوضات السورية، والتي مثلت المعارضة السورية في المفاوضات، التي رعتها الأمم المتحدة، في المقابل تولي تركيا أهمية كبيرة فيما يتعلق بالملف السوري من حيث الجوار والانخراط المباشر وعلاقاتها مع معظم الفصائل السورية، والتي تصل إلى حد التميز؛ لذلك فإن الملف السوري قد يشهد حاجة متزايدة إلى التعاون السعودي التركي، وانعكاسات إيجابية كثمرة لهذه اللقاءات، وليس هذا فحسب بل على قضايا إقليمية أخرى وخاصة العراق واليمن، اللتين يتشاركان في ظروف مشابهة مع وجود تنظيم الدولة  «داعش» والتدخل الإيراني.
وفيما يتعلق بالملف العراقي، تشعر تركيا بقلق من محاولات التغيير الديموغرافي في العراق -الموصل مثالا-، وهذا القلق ذاته تشعر به الرياض، وهو القلق الذي عبر عنه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، حين حذر من استخدام مليشيات الحشد الشعبي الطائفية في تحرير الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وقال في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نظيره التركي في الرياض: «مليشيات طائفية، انتماؤها لإيران، سببت مشاكل وارتكبت جرائم في أماكن مختلفة في العراق، وإذا دخلت الموصل قد تحدث كوارث».
ومن جانبها، تدعم تركيا تحالف الشرعية في اليمن بقيادة السعودية وتتفق وجهات نظرها مع دول الخليج فيما يتعلق بإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية.
واقتصاديا، ارتفع حجم التبادل التجاري بين السعودية وتركيا إلى 8 مليارات دولار سنويا، وسط جهود لزيادة التعاون بين الجانبين، كما بلغ عدد الشركات السعودية العاملة في تركيا 800 شركة، فيما بلغ عدد الشركات التركية العاملة في المملكة قرابة 200 شركة، بحجم أعمال إجمالي 17 مليار دولار أمريكي، ورأسمال يتجاوز 600 مليون دولار.
وفي السياق نفسه، واصلت الشراكة الاستراتيجية التركية القطرية طريقها في التقدم، وتُوجت بدخول الاتفاق بين حكومتي تركيا وقطر بشأن الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحملة جوازات السفر العادية حيز التنفيذ منذ 28 مايو 2016، وتوقيع اتفاقية أمنية واتفاقية توأمة بين الدوحة وأنقرة، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما مليارا و300  مليون دولار في 2015، في ظل توقعات بتصاعد هذا الحجم، في ظل التعاون المتنامي بين البلدين.
وفي الإطار ذاته قام جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، بزيارة رسمية لتركيا من 25 - 28 أغسطس 2016 أسفرت عن 5 اتفاقيات وبروتوكولات تعاون، وضعت أسسا للتعاون الراسخ والمتنامي بين البلدين، هذا إلى جانب أن تركيا تعد من أهم الوجهات السياحية المفضلة للمواطنين البحرينيين، الذين ارتفعت أعدادهم من 491 سائحا عام 2000 إلى أكثر من 32 ألفا عام 2015، بالإضافة إلى أن حجم التبادل التجاري بين المنامة وأنقرة  وصل إلى نحو 400 مليون دولار، وتتركز صادرات البحرين إلى تركيا في الصناعات التحويلية والألمنيوم الخام، فيما تتركز واردات المملكة من تركيا في المنتجات الاستهلاكية كالأغذية والمشروبات والسجائر والألبسة والمنسوجات والإكسسوارات وغيرها.
 كذلك حافظت العلاقات الكويتية التركية على وتيرتها المتنامية؛ حيث وصل حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين - وفقا لوزير التنمية التركي- إلى 700 مليون دولار.
أما المرحلة الثانية في تطور العلاقات فكانت منذ 2013؛ حيث اتسمت بالتوتر لأسباب عدة كان أولها، اختلاف موقف أنقرة مع موقف معظم عواصم الخليج العربي من تغير النظام في جمهورية مصر العربية بعد أحداث 30 يونيو؛ حيث كان موقف معظم الدول الخليجية مؤيدا للنظام المصري الجديد، بينما جاء موقف تركيا وقطر رافضا لهذا التغيير، ومن هنا جاء الانقسام وتصدع العلاقات؛ منها الفتور الذي ألقى بظلاله السلبية على العلاقات بين الإمارات وتركيا؛ بسبب اختلاف في وجهات النظر في الملف المصري المشار إليه، وهو ما ظهر بسحب كل منهما سفيرها لدى الآخر، إلا أنها سرعان ما عادت إلى طبيعتها.
ولكن أصاب هذه العلاقة التعاونية تصدع جديد عقب محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو 2016، حيث كثرت التكهنات حول الدول المتورطة في الأمر، واتجهت الأنظار مباشرة إلى دولة الإمارات، التي نفت ذلك وبشدة وشجبت المحاولة الانقلابية، نظرا إلى أن العلاقات الإماراتية التركية لم تكن على خير ما يرام خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي الوقت الذي سارعت فيه قطر إلى إظهار الدعم السريع للحكومة التركية وأردوغان، تبعتها باقي الدول الخليجية في إبداء دعم مماثل، من خلال تأكيدها حرص دول الخليج على أمن واستقرار تركيا، وأنها تدعم كل الإجراءات التي تتخذها أنقرة لتعزيز استقرارها وحماية مؤسساتها، والحفاظ على مكتسباتها ومواصلة جهود التنمية، والرخاء للشعب التركي، فأعلنت الدول الست تضامنها مع حكومة أنقرة وانحيازها لإرادة الشعب التركي، والمحافظة على المكتسبات الدستورية.
وفي مشهد يعكس حجم التعاون والتنسيق، ألقت السلطات السعودية القبض على الملحق العسكري التركي في الكويت، «ميكائيل غللو»؛ لاتهامه بالتورط في محاولة الانقلاب، وذلك في مطار الملك فهد الدولي بمدينة «الدمام»، أثناء محاولته الفرار إلى أوروبا قادما من الكويت، وأعادته إلى تركيا.
لكن التقارب التركي الإيراني أثر على هذه العلاقة إلى حد كبير؛ نظرا إلى رفض إيران حالة الاستقرار التي تعيشها دول الخليج، وترفض الالتزام بحدود دولتها فتمد أذرعها؛ لتعبث بأمن المنطقة،مما يضع جدوى الحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون الخليجي وتركيا أمام تحدٍ يتطلب اتخاذ مواقف أكثر فعالية تجاه هذه الجارة وتجاه قضايا المنطقة الشائكة.
عزز من ذلك التحركات التركية الأخيرة التي أكدت على توتر العلاقات التركية الخليجية؛ حيث أظهرت تركيا ابتعادها عن المربع الخليجي، بعد اكتفاء معظم دول الخليج بالتنديد بالانقلاب، وبالتالي فضلت تركيا الانتقال الى المربع الروسي الإيراني. وهو ما أشار إليه  أحد الخبراء الإيرانيين في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية، قائلاً: ستزداد وتيرة التقارب التركي الإيراني بعد موقف دول الخليج من رفض الانقلاب الذي اكتفى بالتنديد.
بينما تجدر الإشارة إلى أن تعزيز التعاون الخليجي التركي ليس ترفا، بل ضرورة تفرضها الظروف الراهنة في منطقة تبدو مقبلة على أحداث جسيمة، والمطلوب من الأطراف المعنية أن تسهم فيه وتبتعد عن سياسات تفسد أجواء التعاون، وهو ما يمثله التقارب التركي الخليجي، من خلال القمم التركية الخليجية، التي تعتبر خطوة متقدمة في إعلان موقف استراتيجي موحد تجاه المخاطر التي تهدد المنطقة وعلى رأسها السياسة الإيرانية التي تغذي تقسيم بعض الدول مذهبيا.
وفي الوقت نفسه، لا شك أن المواقف الخليجية التركية المتقاربة ترسل رسالة إلى الإدارة الأمريكية المقبلة برئاسة الجمهوري، دونالد ترامب بضرورة اتباع سياسة واضحة وثابتة تجاه دول المنطقة.
خلاصة القول، فإنه على الرغم من هذا التأرجح بين التعاون والتوتر، فإن الطرفين يقدمان هذه الأيام خطوات ملموسة لترميم علاقاتهما وعودتها إلى سابق عهدها؛ لأن تحديات اليوم ومخاطرها أكبر بكثير مما كانت قبل الربيع العربي، في ظل التفاهم الأمريكي الإيراني والمخططات التي تهدف إلى تفكيك دول المنطقة وتقسيمها إلى دويلات متناحرة، وهو ما أدركه أردوغان، مصرحا: بأننا مقربون من الخليج، وعلاقتنا جيدة مع مجلس التعاون الخليجي، وقررنا تطويرها بشكل أكبر، وكل أملنا أن نطور تعاوننا الثنائي مع هذه الدول وعلى رأسها السعودية، والإمارات والكويت والبحرين وعمان، كما طورناها مع قطر».





كلمات دالة

aak_news