العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

مقالات

يوم للاحتفال والامتنان والتفكير

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الجمعة ٠٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



أنتمي إلى جيل كان له امتياز أن يشهد على التحول الكبير الذي عرفته الإمارات العربية المتحدة بعدما كانت جزءًا من الإمارات المتصالحة المغمورة الخاضعة للإدارة البريطانية، في زمنٍ كنّا نخوض صراعا يوميا من أجل البقاء، ولذلك، مع حلول العيد الوطني في كل عام، يغمر قلبي شعور بالفخر والاعتزاز بكل الإنجازات المدهشة التي حقّقتها بلادنا.
فبعد بدايات متواضعة وملتبسة، تغلّبت الإمارات السبع على كثير من التجارب والمحن، وتحوّلت إلى نموذج حي عن الحداثة والسلام والازدهار، واحتلّت مرتبة متقدّمة على الساحة العالمية في مختلف الميادين تقريبا.
يُحتفَل بالعيد الوطني الخامس والأربعين هذا العام، كما في أعوام كثيرة في السابق، بتنظيم المهرجانات وعروض الألعاب النارية والحفلات الموسيقية وغيرها التي يستمتع بها الإماراتيون والمغتربون والزوار الذين يتقاطرون إلى بلادنا. تنتظرنا عطلة نهاية أسبوع طويلة تحفل أجواؤها بالسعادة والبهجة العارمتَين. ترتسم الابتسامات على وجوه الجميع، وتزيّنها ضحكات الأطفال، ومن بينهم أحفادي الأعزاء.
لكن أبعد من ذلك، إنها فرصة لنا، نحن أبناء هذه الأرض، كي نقوم بوقفة تأمّلية ونرفع الشكر إلى الله سبحانه وتعالى على تلك النعم التي أغدق بها علينا، وإلى القادة الذين ألهمونا كي نسعى وراء الحلم «المستحيل» بالاستقلال والتخلص من نير قوّةٍ أجنبية.
في صغري، لم أكن أجرؤ على أن أحلم بأي شيء على الإطلاق، اللهم ما عدا الحلم بامتلاك متجر صغير كي أتمكّن من إعالة والدَيّ وأشقّائي. كانت أحلام طفولتي تقتصر على العيش في منزل حقيقي مجهّز بالتيار الكهربائي ويصل الماء إليه. لم يكن ليخطر في بالي، حتى في لحظات الخيال الأكثر جموحا، أن مسقط رأسي دبي سوف تتحوّل إلى متروبوليس عصرية ديناميكية تتيح فرصا لامتناهية لجميع مواطنيها، وتحظى بالاعتراف العالمي لما تتمتّع به من مكانة تجعل منها أمّة الأوائل حيث التفوق هو موضع تقدير، وأيضاً الهدف الأسمى للحكومة والشعب على السواء.
الاتحاد الذي أبصر النور مع رفع العلم الإماراتي الأحمر والأخضر والأبيض والأسود للمرة الأولى في الثاني من ديسمبر 1971، صنعه رجالٌ نشأوا في ظروف صحراوية قاسية تعاني الشح في الموارد المائية والغذائية، وتعاني القيظ الشديد حيث يصعب العثور على مكان للاتقاء من أشعة الشمس الحارقة. كانوا يشربون مياه الآبار التي تحتوي على نسبة قليلة من الملوحة، ويتشاركونها مع جِمالهم؛ كانوا يتحلّون بالانضباط، والاجتهاد في العمل، كانوا شرفاء، ومتفانين على الدوام من أجل قبائلهم وفي سبيل النساء والأطفال الذين يعوّلون عليهم. إيمانهم برحمة الخالق ساعدهم على البقاء والصمود في السرّاء والضراء.
مؤسِّسا الإمارات العربية المتحدة، حاكم أبوظبي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وحاكم دبي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كانا المحفِّزَين الأساسيين خلف توحيد الإمارات السبع.
كانا رؤيويَّين سابقَين لزمانهما، وقد أطلقا يدا بيد ثورة في النمو الاقتصادي، فوضعا أساسا راسخا طوّره نجلاهما، الشيخ خليفة بن زايد والشيخ محمد بن راشد، بنجاح باهر، إلى جانب حكّام الشارقة وعجمان والفجيرة ورأس الخيمة وأم القيوين.
يرصّ هؤلاء الحكّام صفوفهم، ويدعمون بعضهم بعضا، ويحصدون ثمار جهودهم من خلال مشاعر الاحترام والمودّة والثقة العميقة والصادقة التي يكنّها لهم شعبهم. وسخاؤهم يمتد إلى خارج الحدود. إنهم أصحاب أيادٍ بيضاء ومستعدّون لدعم البلدان الأخرى عند الاقتضاء.منذ البداية، شكّل قادتنا نماذج تحتذى في الخصال الحميدة ليس أقلّها الولاء والتصميم والابتكار. الإماراتيون على يقين تام بأن رفاههم يحتلّ حيزا أساسيا في جميع القرارات التي يتخذها القادة. الرابط بين المواطنين الإماراتيين وقادتهم هو رابط وثيق لا ينفصم ترسّخ على مر الأجيال، ما يؤمّن استمرارية الهدف. باختصار، نحن جميعا أعضاء في أسرة إماراتية واحدة.
غالبا ما تُسوَّق الديمقراطية الغربية على أساس أنها تجسّد النظام الذي ينبغي على جميع البلدان التطلّع إليه، وتُستخدَم أحياناً ذريعة لاجتياح البلدان الأخرى. لكن ما هو عدد رؤساء الدول الديمقراطيين الذين يستطيعون الزعم بأنهم محبوبون من شعوبهم؟ ما عدد القادة الذين يضعون مصلحة بلادهم قبل مسيرتهم المهنية؟ يكفي أن ننظر إلى العراق وليبيا واليمن وسوريا لنرى ما جلبته الديمقراطية لتلك الشعوب التي تعاني منذ وقت طويل. يمكن قول الشيء نفسه عن الولايات المتحدة التي تطغى على انتخاباتها المزاعم عن حدوث تزوير، ما يفرض إعادة فرز الأصوات.
لطالما شدّدتُ على أهمية الوحدة بين جميع الدول الخليجية. لقد شكّل إنشاء مجلس التعاون الخليجي خطوة أساسية في ذلك الاتجاه، وكلّي أملٌ أن يتحقق الاتحاد الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري المقترح ويؤتي ثماره. نحن أقوياء عندما نكون متكاتفين. معا نستطيع الزود عن أراضينا. تبقى العلاقة الوطيدة بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من الركائز الأساسية لمجلس التعاون الخليجي.
أنتهز هذه الفرصة لأحيّي الملك سلمان بن عبدالعزيز وفريقه على التزامهم تجاه إخوتنا وأخواتنا السعوديين، وعلى جهودهم الشجاعة لمساعدة البلدان المضطربة في منطقتنا على استعادة توازنها، وكذلك على موقفهم في درء الأفرقاء الإقليميين العدوانيين والتصدّي للمؤامرات الإرهابية. لقد شجّع الحزم الذي أظهره العاهل السعودي قادة الدول الأصغر حجما على لمّ الشمل خلفه من أجل تحقيق الأفضل للجميع.السعودية دولةٌ قيادية في المنطقة قادرة على التكيّف مع الظروف الجيوسياسية والاقتصادية المتغيِّرة؛ وهي لا تحمي عقيدتنا وثقافتنا العربية فحسب، وإنما تدافع أيضا عن مصالح الدول العربية الأخرى التي تقف إلى جانبها.
سوف تواصل الإمارات العربية المتحدة، بإذن الله، مسارها التصاعدي مع أشقّائها في السعودية وجميع الدول الخليجية. وحدتنا هي مصدر قوتنا وشموخنا، والآن أكثر من أي وقت مضى!





كلمات دالة

aak_news