العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

في الصميم

معالي.. وسعادة!!



أشرت في نهاية مقالي أمس إلى طرافة ما حدث في بدايات جلسة مجلس النواب أمس الأول.. وهي طرافة مستحبة.. وقلت إنه يجب عليّ ألا أتركها تمر مرور الكرام من دون تناولها.
أولا: كما أشرنا أمس فقد ترأس الجلسة النائب علي العرادي بوصفه النائب الأول لرئيس المجلس.. وهو نيابي قدير وجدير بالاحترام والتوقير وكما يقولون «يملأ مكانه».
بدأت المفاجأة.. تواكبها الطرافة بطبيعة الحال عندما وقف النائب المحترم جمال بوحسن الذي عودنا على مداخلاته الطريفة وغير العادية قائلا: أريد التصحيح بالمضبطة.. فقد خاطبت رئيس الجلسة السابقة بعبارة معالي وفوجئت بها مكتوبة: سعادة.. أرجو التصحيح.
ثم قال بوحسن الصحيح هو «معالي» والنواب يخاطبون بـ«سعادة».. فإن كل من يجلس مكان الرئيس ويترأس الجلسة فهو «معالي».. إن من واجبنا أن نحافظ لرئيس المجلس على مركزه فهذا هو حقه علينا.
هذا الكلام لم يعجب بعض السادة النواب فوقف أكثر من نائب ليؤكدوا: إن لقب معالي حق لمن يستحق فقط وهو رئيس المجلس.. أما غيره فيخاطب بعبارة «سعادة» حتى لو ترأس الجلسة في غياب الرئيس سواء كان نائبا أول أو نائبا ثانيا.. أو أقدم النواب سنا.
وعندما أصر النائب بوحسن على رأيه.. وطبعا أيده وثنى على كلامه نواب آخرون.. طلب أحد السادة النواب رأي مستشار المجلس في هذه القضية الشائكة.
سعادة المستشار «وهو ينادى بسعادة» خلال الجلسة وقف ليقول الحق وليس أكثر منه قال: لا يوجد أي نص في اللائحة يتحدث عن معالي أو سعادة.. ومن ينادى بسعادة أو من ينادى بمعالي؟ إن المسألة لا تعدو إلا أن تكون عرفا.. فقد جرى العرف على مناداة رئيس المجلس بمعالي والنواب بـ«سعادة».. ثم ختم سعادة المستشار فتواه بالقول: لذا فإن كلمة «معالي» هي مقصورة على رئيس المجلس.. وليست حقا لمن يرأس الجلسة.
ورغم ذلك كله فقد وقف النائب جمال بوحسن من جديد ليعلن إصراره على أن من يترأس الجلسة هو «معالي» ثم كرر قائلا: بصراحة نحن نريد أن نحافظ لرئيس المجلس على مركزه.
وحكاية معالي وسعادة هذه لها تاريخ وبدايات في مجلس النواب البحريني.
في الفصل التشريعي الأول لم يكن هناك أي ترديد يذكر لعبارة معالي أو سعادة اللهم إلا نادرا.. وكان كل نائب يخاطب رئيسه أو زميله بما يراه.. وكانوا يخاطبون رئيس المجلس السيد خليفة الظهراني بعبارة «أبو محمد».. والنائب باسمه أو «أبو فلان».. وظل العمل يدور على هذا المنوال حتى اصطدم أحد السادة النواب الظرفاء مع وزير المالية آنذاك «عبدالله حسن سيف».. الذي تجرأ وخاطب النائب باسمه مجردا.. فرد النائب عليه.. وأتذكر أن اسمه كان «المهندي» قائلا: أنا مثلك تماما وإذا كنت أنت: سعادة فأنا أيضا سعادة.
بعد أيام فوجئت بأنه تم تعميم عبارة «سعادة» على جميع السادة النواب.. ويبدو أنه كانت هناك توجيهات أو إيحاءات بهذا الخصوص لا أعرف مصدرها.. ثم فوجئت أن تعميم سعادة وصل أيضا إلى مجلس الشورى.. وأصبح جميع السادة أعضاء مجلس الشورى «أصحاب السعادة».. وطبعا رئيس مجلس الشورى «معالي».. وإن كنت أراه أنا أكبر من «معالي» لشخصه الكريم ومكانته وتواضعه ووزنه المجتمعي.
يعني باختصار شديد فإن كلمتي «معالي» أو «سعادة» لا محل لهما من الإعراب على الأقل لدى السلطة التشريعية الموقرة.. فالكلمة تخلع على من يسمى أو ينادى بها من باب التوقير والاحترام والمكانة التي لا أعرف كنهها.. ومن دون أي سند رسمي أو على الأقل مكتوب.. ولذا فإنها لم تمنح لأي أحد لا بأمر ولا بقرار ولا بمرسوم.. لذا فنحن في «أخبار الخليج» نحرر أسماء الوزراء ونواب رئيس الوزراء مجردة فليس من أكثر كلمة «السيد» التي تسبق الاسم.. وحتى هذه اللحظة لم يعترض أحد على ما تمارسه «أخبار الخليج».. ولم يتصل بنا أحد قائلا: أنا معالي!!.. أو أنا سعادة!!.. مع العلم أن الصحافة في مصر لا تسبق اسم أي مسؤول بأي عبارة.. فتلغى الألقاب كلها فيما عدا إطلاق عبارة: السيد.. أو سيادة.. على رئيس الجمهورية.
نحن نلتزم في الصحافة فقط بالألقاب التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من الاسم والمكانة مثل: سمو.. وصاحب السمو.. أو الأمير.
في مصر.. وقبل ثورة 1952 كانت الألقاب مثل «بيه» و«بك» و«باشا» وهي تركية الأصل تطلق على من يستحقها بقرار أو أمر ملكي حيث يخلع الملك اللقب على من يريد.. ولا يزال البعض في مصر يرددون هذه الألقاب والرتب من قبيل التجمل من دون أي سند رسمي.. ولا أعرف بالضبط ماذا يحدث في تركيا الآن.
عندما جئت إلى البحرين في النصف الثاني من عام 1975.. وكلفت بتغطية أخبار ونشاط (5) وزارات.. أطرب مسامعي أن أسمع سكرتير وزير التجارة والزراعة مثلا يُنادي وزيره باسمه «حبيب».. وينادي سكرتير وزير المالية وزيره باسمه «إبراهيم» وكل ذلك يجيء مجردا من كل لقب أو صفة.. وكان وقع ما أسمع على أذني رائعا وجميلا.. فكتبت مقالا أرسلته إلى الصحيفة التي كنت أعمل بها من قبل عن هذا الرائع الذي اكتشفه وسمعته في البحرين تحت عنوان: «تعلموا».
للأسف الآن السكرتير.. أو مدير المكتب أو وكيل الوزارة يحاسب بشدة إذا نادى وزيره بغير عبارة سعادة أو معالي.
وآخر ما وصلنا إليه هو أنك قد تلام أو توبخ إذا ما ناديت الوزير..أو النائب.. أو الوكيل.. أو الوكيل المساعد.. أو حتى المدير بغير: سعادة أو معالي.
والطريف الذي أشرت إليه في جلسة مجلس النواب أمس الأول هو أن تطرح في بدايتها قصة: «سعادة ومعالي».. وزاد الطين بلة أنه قد سبق ذلك للتو إعلان غياب (15) نائبا من بين 40 نائبا.. وأن السادة النواب قد وضعونا بهذا الطرح على طريق المتناقضات.. فقضية «سعادة ومعالي» التي ليس لها أي سند من القانون أو الممارسات الرسمية قد جاءت في جلسة شديدة الأهمية كانت فيها للسادة النواب وقفة صلبة ورائعة حول قضية «إعانة غلاء المعيشة».. وأقولها ورزقي على الله.. ليس هناك أروع وأكرم من المناداة بالاسم مجردا.. فهو الذي سنقابل به الله سبحانه وتعالى إن كان لنا كل الحق في ذلك! أو المناداة باسم الابن أو الابنة وهذا هو الأروع والأجمل والأصدق.. ثم إننا نعيش الآن زمنا صعبا يجعلنا نفكر مليا ونعيد النظر!!









إقرأ أيضا لـ""

aak_news