العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

من التعاون إلى الاتحاد الخليجي... ضرورة وليس خيارا

بقلم: الشريف د. محمد بن فارس الحسين

الخميس ٠١ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



لا شك أن ما يدور حولنا في المنطقة من تداعيات وأخطار يؤكد أن الاتحاد الخليجي هو ضرورة لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها، والشعوب الخليجية تواقة إلى تحقق هذا الاتحاد، وكل ما نرجوه هو أن تتحقق أمانينا في قيام هذا الاتحاد المبارك، لأن قيام اتحاد خليجي حقيقي وليس لفظيا فقط بات ضرورة قصوى لأنها تصب في مصلحة دول الخليج وشعوبها عامة، والواجب على دول الخليج اتخاذ سياسات واضحة في اتجاه تحقيق هذا الهدف السامي. فالاتحاد قوة، ومن هذا المنطلق يجب أن تتحد دول مجلس الخليج، فكل دولة منها أصبحت تحتاج إلى شقيقتها في كافة النواحي، ووجود اتحاد قوي بين هذه الدول سيكون حتما في مصلحة هذه الدول وشعوبها. فالتطورات التي شهدتها منطقة الخليج مؤخرًا لم تترك فرصة أمامها سوى البحث عن اتحاد خليجي لحماية الجبهات الداخلية والخارجية في آن معًا، وإذا لاحظنا الخطوات الخليجية التي تحدث مؤخرًا نجد أنها تدفع نحو هذا التكتل من دون تسمية واضحة، فالعمل قائم على إنشاء اتحاد عسكري واقتصادي، وهنالك مطالبات بعملة موحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي، والعديد من المبادرات الأخرى التي تسعى إلى بناء تكتل خليجي فعّال وقوي.
إن هنالك العديد من المميزات التي تصب في صالح دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة في حال تحقيق الاتحاد، أهمها مواجهة الأطماع الخارجية، وتعزيز مكانة دول التعاون إقليميا وعالميا، بالإضافة إلى الحد من الأخطار الداخلية سواء على مستوى الأمن الاستراتيجي، أو الاقتصادي، أو الغذائي، أو الثقافي، فضلا عن التعاون والتكامل بين دوله الأعضاء.، وهو ما يدفع نحو تعزيز الاستقرار، ويخلق كذلك كيانا سياسيا واقتصاديا يتناسب مع متطلبات وإمكانيات المنطقة، والتغلب على مشكلة العمالة الوافدة التي باتت تشكل تهديدًا ديموغرافيا حقيقيا. وفي المقابل فإن فشل تطبيق هذا المقترح حتى الآن وعدم وجود توافق خليجي عليه، يُعرض الخليج بأسره، لأن يكون مسرحا لتنفيذ أجندة إيرانية أمريكية. وهذا هو الحاصل الآن، فأمريكا وإيران، قد دخلتا في مرحلة التنسيق العلني وفق تقاطع المصالح، وما المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة حول النووي الإيراني عنا ببعيد، فالمفاوضات جرت لتحقيق مصالح إيران على حساب أمن دول الخليج.
إن الاتحاد الكونفيدرالي بين دول مجلس التعاون سيشكل سدًّا منيعًا ضد ما يحاك لدول الخليج من مؤامرات تستهدف أمنه ومقدراته، وإن ما يجب توحيده على الأقل في هذه المرحلة «يتضمن ثلاثة مجالات: مجال السياسة الخارجية، والسياسة النفطية، والسياسة العسكرية». فوحدة السياسة الخارجية تقتضي صياغة الموقف الرسمي من الملفات الخارجية والأزمات خارج الحدود وفق رؤية موحدة. والسياسة النفطية تقتضي الالتزام بسياسات موحدة تجاه النفط من حيث السعر والإنتاج ونحوهما. والسياسة العسكرية تقتضي وحدة عسكرية واحدة تسخر فيها الإمكانات العسكرية لمجموع الدول، لحماية أمن الخليج عامّة. إن هذه المجالات الثلاثة هي أقل صورة يمكن صياغتها لوحدة خليجية، والتي من الخطأ اعتبارها ترفا أو كماليات، إنما هي ضرورة، للحفاظ على أمن واستقرار الخليج. نعم التحديات كبيرة أمام تشكيل هذا الاتحاد، فالغرب والكيان الصهيوأمريكي وإيران، وغيرهم من قوى الشر، عملوا ومازالوا على الحيلولة دون دخول دول الخليج في كيان مُوحّد، إلا أن دول المجلس ليس لديها خيار آخر، وهو ما يلزم معه إعلاء المصلحة العامة، والنظر إلى المكاسب الاستراتيجية المُتحقّقة من وراء المضي قدمًا في هذا المشروع، والخروج من النظرة الضيقة في تحقيق الأمن القومي عن طريق لعبة التوازنات والأحلاف، فالأرض التي لا تحميها القوة لن تدوم سلامتها.
تطوير المجلس والتدرج في التطبيق
استنادًا إلى التطورات الحاصلة في مؤسسات مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن تطوير هذا المجلس إلى شكل من أشكال الاتحاد بين دول الخليج العربية يمكن أن يتم من خلال تحويل مؤسسات المجلس الرئيسية إلى مؤسسات تتمتع بقوة قانونية وسياسية تسمو على مؤسسات الدول الخليجية الأعضاء في المجلس، ويمكن تطبيق هذا المشروع من خلال اتباع مجموعة من الخطوات ومن أهمها: تحويل النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي إلى دستور اتحادي، وتحويل المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي إلى سلطة سياسية عليا للاتحاد، وتحويل المجلس الوزاري إلى حكومة اتحادية، وتحويل الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون الخليجي إلى برلمان اتحادي، وتطوير قوات درع الجزيرة إلى جيش اتحادي خليجي، وإتمام خطوات التكامل والاندماج الاقتصادي الخليجي لتشكيل وزارة اقتصاد خليجية موحدة، بحيث تعنى بكافة الشؤون الاقتصادية الخارجية للاتحاد الخليجي وتعمل على إتمام جميع خطوات الاندماج والتكامل الاقتصادي اللازمة لبناء قوة اقتصادية خليجية موحدة.
لقد أظهرت ردود الفعل الخليجية سواء الرسمية أو الشعبية على فكرة الاتحاد بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين أن هذا الاتحاد سيكون الأقرب للواقع في حال بدأ المشروع التدرجي للاتحاد الخليجي، وسيكون النواة الأساسية لهذا الاتحاد. ومن خلال انضمام مملكة البحرين إلى المملكة العربية السعودية لتشكيل الاتحاد الخليجي العربي، ستنطلق عربية الاتحاد الخليجي الشامل باعتبار أن هذا الاتحاد سيكون بمثابة نواة أو محور أوسع للاتحاد.
تمرين أمن الخليج.... أول الغيث قطرة:
إن التمرين الأمني المشترك (أمن الخليج العربي 1) والذي أقيم في البحرين مؤخرًا يحمل في طيه رسائل عديدة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن دول الخليج. فقد جاء التمرين في وقت مهم جدا في ظل التحديات الأمنية المحيطة والتي يتعين على جميع دول مجلس التعاون الخليجي الوقوف صفا واحدًا منيعًا من أجل التصدي لها، وقد أظهرت القوات البحرينية المشاركة في التمرين مستوى عاليا من التنسيق والتنظيم وتقديم كافة أنواع الدعم لجميع القوات المشاركة في التمرين. إن هذا التمرين المشترك لهو بداية تحقيق الوحدة الخليجية المنشودة والتي يتطلع إليها الجميع، فهذا التدريب يحمل كل معاني الوحدة والتلاحم ويدل على وحدة مصير دول مجلس التعاون الخليجي.
الوحدة مطلب شعبي:
لقد كان ومازال تأسيس كيان اتحادي لدول الخليج العربي على الدوام مطلبا شعبيا تشترك فيه جميع شعوب مجلس التعاون الخليجي، بحكم التاريخ المشترك والخلفية الثقافية والعلاقات الإنسانية المتشابكة بين شعوب دول الخليج، إلا أنه ومع عمق التحولات والتغيرات في المشهد السياسي العالمي أضحت فكرة تأسيس اتحاد خليجي ضرورة لا يمكن المماطلة فيها، وذلك لأن المخاطر والتحديات أصبحت أكبر مع ما تشهده المنطقة من أحداث وأثرها السلبي على دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سبيل لمواجهة تلك التحديات إلا بقيام اتحاد خليجي فاعل وقوي.
وكمبادرة طموحة نظم (تجمع الوحدة الوطنية) برعاية ملكية سامية مؤتمر الاتحاد الخليجي والذي عقد في المنامة وضم قوى سياسية وجمعيات إسلامية. حيث أوصى المؤتمر في اختتام أعمال دورته الثانية قبل عدة أيام برفع وثيقته إلى القمة الخليجية القادمة والتي ستعقد في 6 ديسمبر في البحرين والتي تطالب بتسريع خطوات إعلان الاتحاد الخليجي.
إن مثل تلك المؤتمرات الشعبية والمؤتمرات التي تنظمها القوى السياسية المختلفة في البحرين لدليل على وعي المواطن البحريني بأهمية الوحدة الخليجية والبعد الأمني والاستراتيجي لتلك الوحدة. كما أن إجماع شعوب دول مجلس التعاون الخليجي على ضرورة قيام اتحاد خليجي بين دول مجلس التعاون يرسل برسائل واضحة إلى قادة دول مجلس التعاون في القمة القادمة ليعلنوا للعالم قيام اتحاد خليجي ليحققوا أمال شعوبهم التواقة إلى هذا الإعلان منذ سنين.
وعي القيادة في السعودية
والبحرين بأهمية الوحدة الخليجية
قبيل انعقاد القمة الخليجية المقبلة في مملكة البحرين سمعنا عددا من التصريحات المبشّرة لقادة المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين تنم عن وعي القيادتين بأهمية الوحدة الخليجية وأنهم يعملون بشكل فعلي على قيام تلك الوحدة التي باتت قاب قوسين أو أدنى بفضل الإرادة الجادة لقادة المملكتين الشقيقتين بإنشاء الاتحاد الخليجي. حيث أكد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي أن دول مجلس التعاون الخليجي أمامها فرصة كتكتل في أن تكون أكبر سادس اقتصاد في العالم، إذا عملت بالشكل الصحيح في الأعوام القادمة.
كما قال سمو رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الأحد (6 نوفمبر 2016)، إن «الاتحاد الخليجي» هو الهدف الذي لا مناص منه، مشددًا على أنه ضرورة تفرضها المرحلة لما تموج به من تحديات أمنية واقتصادية وأخطار جسيمة لا يمكن مواجهتها إلا بتقوية التعاون والانتقال به إلى مرحلة الاتحاد.
وقد صرّح سفير خادم الحرمين الشريفين لدى مملكة البحرين د. عبدالله آل الشيخ بأنه لا يوجد أي مانع لإقامة الاتحاد الخليجي، مشيرًا إلى أن رؤية الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للاتحاد التي عرضها على قادة دول مجلس التعاون في طور الاكتمال، وعند اكتمال بعض المتطلبات الفنية سيرى الاتحاد النور.
كما أكدت سميرة رجب المبعوثة الخاصة بالديوان الملكي في مداخلة لها في مؤتمر الاتحاد الخليجي الثاني مدى تقارب مستوى التنظيم القانوني والإداري لدول مجلس التعاون الخليجي، وأيضًا أنظمة التعليم فيها، مستنتجة أن جميع العناصر والشروط التي يجب توافرها في مفهوم الهوية توجد بين أيدي الخليجيين، يعيشونها بشكل يومي ويمارسونها بشكل طبيعي، وما عليهم إلا دعمها وتوظيفها ضمن مشروع اتحاد خليجي يجمعهم، ويوحد رؤاهم السياسية والثقافية والاقتصادية.
إن الاتحاد في كل مناحي الحياة مطلوب، فما بالك عندما يكون اتحادا بين دول الخليج، والدول المتقدمة في أنحاء العالم تسعى إلى التوحد وتكوين التكتلات لخدمة مصالحها وبناء قوتها من خلال كيانات مندمجة، وأمنياتنا أن يتم تسريع حل العوائق التي تقف أمام إعلان الاتحاد الخليجي، هذا الأمل الذي أرجو أن أعيش لأراه متحققا على أرض الواقع.
* أكاديمي متخصص في العلوم
الشرعية وتنمية الموارد البشرية
Dr.MohamedFaris@yahoo.com





كلمات دالة

aak_news