العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

في الصميم

إعانة الغلاء وسفر الوزراء على الدرجة الأولى!



جلسة مجلس النواب برئاسة النائب الأول للمجلس علي العرادي إذا أريد لها عنوان أو تسمية تميزها عن غيرها من الجلسات.. فإنها تعد جلسة «إعانة الغلاء» بجدارة.
لقد اشتعل فيها النقاش والحوار بحضور وزير شؤون المجلسين السيد غانم البوعينين.. وكان لسان النواب في مناقشاتهم يقول للدنيا كلها: لم يعد أمامنا خيار.. إما أن يمرر قانون تثبيت إعانة الغلاء لمحدودي الدخل ويصبح حقا دائماً.. وإما أن نكون خارج أسوار المجلس.
استمر النقاش والحوار حول هذه القضية التي اعتبروها «كبرى» حوالي ثلاث ساعات كاملة.. أي طوال النصف الأول من الجلسة.. ومطلب النواب الرئيسي كان يتمحور حول استصدار قانون يثبِّت إعانة الغلاء بقوة القانون والدستور معا، ويجعل إدراجها في الميزانية العامة للدولة كل سنتين شيئا تلقائيا، ومن دون حوارات أو مطالبات.
بدأ الحوار هادئا، وغابت عنه التشنجات.. وكما قالوا: إن وراء هذا الطرح هو شائعات تنتشر في البلد فحواها أن الحكومة سترسل مشروع قانون الميزانية خاليا من هذه الإعانة.. وهم -أي السادة النواب- لا يريدون للمواطن أن يعيش تحت رحمة الشائعات بعد أن أصبح يعتمد اعتمادا كليا على هذه الإعانة.. فالرواتب الضئيلة تتبخر، وكذلك القروض والالتزامات والاستقطاعات، ولا يبقى له غير إعانة الغلاء التي يعيش منها هو وأسرته، وإنه إذا سقطت هذه الإعانة فإنه سيتم الزج بالقاعدة العريضة من المواطنين في غياهب العوز والفقر.. والقيادة الموقرة لا ترضى بأي شيء من ذلك.
كل النواب عن بكرة أبيهم أعلنوا موقفا موحدا ملؤه التمسك بإعانة الغلاء مهما كانت الأوضاع.. حتى النائب خالد الشاعر الذي عوّد الجميع أن يكون له رأي آخر يختلف عن آراء الجميع، كان الأكثر تشددا وحرصا على جعل إعانة الغلاء حقا بقوة القانون الدائم والثابت، وليس بقرار يخضع للمزاج، وقد يصدر أو لا يصدر.
وقال الشاعر أيضا: لقد أصبح فوق قدرة الحكومة توقيف أو تغييب هذه الإعانة، فلقد أصبحت حقا مكتسبا، وقال: حتى البنوك أصبحت تعتبرها جزءا لا يتجزأ من الراتب، واحتسابه عند منحها القروض التي تمنحها للموظفين.. وتساءل: ثم لماذا القول لا توجد اعتمادات لهذه الإعانة أو أن الظروف صعبة، بينما 55% من ميزانية المشاريع لا تستغل، وإن الفائض في الميزانية العامة كل عام لا يقل عن 800 مليون دينار.. ثم أعلن إصراره على أن جعل هذه الإعانة بقانون دائم سوف يكسبها الحماية، وهي في مسيس الحاجة إلى هذه الحماية بأكثر من غيرها.
عموما ظل الحوار هادئا كما أسلفنا في بداية المناقشات والحوارات حتى تحدث الوزير غانم البوعينين قائلا: إن مشروع الميزانية العامة للدولة سوف يأتيكم في القريب العاجل مشتملا على إعانة الغلاء.. وإذا لم يأتِ المشروع متضمنا هذه الإعانة حينها سيكون التوافق بين المجلس والحكومة حول الأسلوب الأمثل لمنحها إلى مستحقيها.
هنا شعر السادة النواب بمزيد من الخوف على مستقبل هذه الإعانة، مفسرين كلام الوزير بأن وراءه احتمالا أن تأتي الميزانية بلا إعانة غلاء؛ فالتهب النقاش كثيرا.
مثلا النائب عيسى الكوهجي قال: إن حكاية مشروع الميزانية العامة حكاية كبيرة.. حيث تأتينا في حوالي 8 آلاف ورقة محددة مدة الانتهاء منها.. يعني لو قرئت كل ورقة مرة واحدة فلن تنتهي قبل 6 أشهر.. وقد تتوه من خلالها المسائل والحقوق.
ثم قال: لماذا هذا الموقف من إعانة الغلاء وهي التي تضمن للمواطن استمرار الحياة؟ ولماذا يستمر الوزراء في السفر على الدرجة الأولى في هذه الظروف.. الحقيقة أن الوزراء لم يحسوا حتى الآن أن البلد تمر بأزمة مالية.. ثم قال: لم يبقَ سوى أن يقاضي المواطنون الوزراء أمام المحاكم؟!
النائب محمد الأحمد قال: ماذا يضير الحكومة أن تأتي «إعانة الغلاء» مدرجة في مشروع الميزانية.. أو أن تدرج بقوة قانون ثابت ودائم يحمي هذه الإعانة ويحافظ على ديمومتها.. باعتبار أن هذه الإعانة قد أصبحت تشكل الأساس في دخل كل أسرة تستحقها.
والوزير الغانم هو الحريص على أن يحصن مواقفه دائما خلال الجلسات ويلبسها ثوب الرصانة والدقة والموضوعية، ويحرص على ألا يترك الأمور تمر مبهمة.. فيقول للسادة النواب: أنتم تتحدثون عن شائعات.. وأنا أتحدث عن واقع ويقين، وأقول لكم إنني لم أسمع أي شائعات تشكك في استمرار صرف إعانة الغلاء.. ولم أسمع في داخل الحكومة أي شيء قد لا ترضون عنه بالنسبة إلى إدراج هذه الإعانة في الميزانية العامة للدولة، وهي على وشك الوصول إليكم قريبا جدا.
ثم قال: وأقول للسادة النواب الذين تحدثوا عن موضوع الدعم أن الحكومة لم تُلغِ الدعم.. ويشكل الدعم الحكومي في الميزانية الآن حوالي 654 مليون دينار.
وأضاف البوعينين: إن إعانة الغلاء التي تقررت بأمر ملكي لتمكين المواطن من مواجهة ارتفاع الأسعار في 2009 بإدراج 65 مليون في الميزانية العامة.. تدرج الآن الميزانية بمبلغ 110 ملايين (في 2016)، أي بزيادة بلغت 40%.. ثم إن سمو رئيس الوزراء يقوم بجهوده الكبيرة والمعتادة بالعمل على إدراجها في الميزانية.. ويكفي أن أقول إن الحكومة تخصص الآن للكهرباء والماء وحدهما دعما قوامه 316 مليون دينار.. يعني أن الحكومة لم ترفع دعم اللحوم ولا الكهرباء عن المواطن لا من بعيد ولا من قريب.
ولكن النائب إبراهيم الحمادي كما عودنا تدب فيه الحرارة والسخونة على وجه السرعة.. فينقل المسائل إلى ما هو أبعد منها فيقول: لم تعد بحارنا لبحارينا ولا لصيادينا والذين يعيشون ويعتمدون عليها، ويوفرون من خلالها غذاء رئيسيا مطلوبا بإلحاح للمواطنين.. فاستولى الأثرياء على البحار بطراريدهم طولا وعرضا ونزفوا منها الأسماك.. لقد أصبح أثرياؤنا ينافسون فقراءنا في عيشهم وأرزاقهم.. حتى الشواطئ والمتنزهات والحدائق لم تعد حقا لعامة المواطنين كما كانت، لقد سلموها للمستثمرين وأصحاب المشاريع لينفذوا مشاريعهم عليها؛ الأمر الذي يحول بين عامة المواطنين والأسر البحرينية بأن يقربوها.. ولم يعد المواطن -مثل زمان- يمكن له أن يستريح بعض الوقت داخل أي حديقة عامة!
السؤال الآن هو: مادام السادة النواب كلهم قد أجمعوا خلال الجلسة على أن عاهل البلاد المفدى وسمو رئيس الوزراء يحرصان كل الحرص، ويعلنان بقوة على أنه لا يمكن المساس بإعانة الغلاء أو أي حق أو مكتسب من مكتسبات المواطنين، وما داموا قد رفعوا لهما الشكر جزيلا خلال الجلسة لأنهما وراء استحداث هذه الإعانة وتواصل صرفها بانتظام منذ عام 2009 حتى هذه اللحظة.. فمن من يا ترى يخافون ويقلقون على حقوق المواطنين في إعانة الغلاء أو في غيرها؟!
بعض السادة النواب قالوا: إن سبب الإصرار على هذه الإعانة هو الضعف الشديد في الرواتب.. معلنين أنه إذا أريد أي مساس بإعانة الغلاء في أي لحظة من اللحظات فليرفعوا الرواتب إلى مستوى ضامن للعيش الكريم، وتحقيق المقدرة على مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
على أي حال.. ما حصل في جلسة أمس يطول التعبير عنه.. وبقي أن نقول إنه رغم ضراوة المناقشات والمواقف فإن موضوع «إعانة الغلاء» كان معرضا لعدم الحسم في جلسة أمس نفسها؛ بسبب الخلاف على سلامة «التعريفات» الواردة بالمشروع حسبما أوضح النائب خالد الشاعر.. إلا أن السادة النواب قد أصروا على ضرورة التصويت عليه وإقراره وإحالته على وجه السرعة إلى مجلس الشورى لرفعه إلى الحكومة قبل أن يصل مشروع الميزانية إلى المجلس.. فقد رأى الأكثرية أن ذلك أسلم ألف مرة!
وبقيت بدايات الجلسة، وما جاء بها طرافة نادرة غير معهودة جديرة بالتناول غدا.







إقرأ أيضا لـ""

aak_news