العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

صحة القرار وسلامة التنفيذ

بقلم: حسن علي البنفلاح

الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



من أصعب الأوقات التي يمر بها المسؤول الإداري الكبير هو ذلك الوقت الذي يريد فيه اتخاذ قرارات مهمة وكبيرة وضرورية تتعلق بعضها أو كلها بالمصالح العليا للوطن والمواطنين، وخاصة إذا كان هذا القرار يتوقف عليه معيشة وحياة الأغلبية من المواطنين، لأن عملية اتخاذ القرار لا بدَ أن تسبقها دراسة متأنية وتفكير عميق وبعد نظر مستقبلي واضح يرسم نتائج القرار وتأثيراته الإيجابية على حياة ومعيشة المواطنين. إن الاختيار الجيد للقرار لا بدَ أن يكون وراءه جهد كبير في التفكير الهادئ الرزين من أجل تحديد أبعاده وتأثيراته والتأكد من صحته وسلامة معطياته واختيار الوقت المناسب والظرف الملائم لاتخاذه وتنفيذه. ففي الدول المتقدمة أصبح اتخاذ القرار الصحيح مادة تعليمية تدخل ضمن مناهج الدراسات التخصصية ذات البعد التحليلي لمؤثرات وأبعاد هذا القرار في الحاضر والمستقبل، كذلك الاهتمام بآثاره الإيجابية والسلبية معا على أجهزة الوطن ومعيشة المواطنين، وخاصة إذا كان للقرار تأثيرات محتملة على ظروفهم الحياتية وأحوالهم الاجتماعية واحتياجاتهم المعيشية. ومن هنا يأتي السؤال الأهم في هذا المجال وهو: ما الأساسيات التي يضعها متخذ القرار في اعتباره عندما يقدم على اتخاذ قرار مهم في ظرف محدد وتوقع معيّن؟
فمن ضمن استراتيجيات التفكير الإداري يأتي عنصر كيفية اتخاذ القرار المناسب لحل مشكلة ما أو معالجة حالة مستعصية عن الحل أو التخلص من سلبيات معينة أو تقليل آثارها، كل ذلك يأتي ضمن تطبيقات أسلوب التحليل السليم والتقويم الجيد والاستقراء المنطقي والاستنباط العقلاني. لتكون عملية اتخاذ القرار في حدود التعريف التالي للقرار «عملية تفكير متأنية الهدف منها اختيار أفضل البدائل والحلول المتوافرة والمتاحة للمسؤول في ظروف معينة بهدف الوصول إلى الحل الأنجع والهدف المأمول».
ويدل هذا التعريف على أن القرار يتكون من عناصر مرحلية تكوّن ذاته وتحدد أهميته وترسم إيجابياته أو سلبياته وتعكس نتائجه، فالقرار يبدأ بفكرة محددة هادفة يتلوها اتخاذ القرار المتوافق مع إمكانية تطبيق هذه الفكرة ثم تحدد طريقة وأسلوب تنفيذه، وبعدها يتم تبيان إجراءات متابعة تنفيذه ثم مراقبة التأكد من صحة التنفيذ، ثم التقييم بعد التنفيذ، وأخيرا التأكد من صحة النتائج وقياس مدى توافقها مع كل تطبيقات العناصر السابقة. وباختصار شديد، فإن عملية اتخاذ القرار تمر بمرحلتين رئيسيتين هما تحديد الأهداف بصورة واضحة بيّنة قاطعة لا تقبل التردد، والثانية تحديد وبلورة جميع العناصر المكونة لاتخاذ القرار وتنفيذه، والتي تم ذكرها في الأسطر السابقة، مع توضيح الاحتمالات المتوقع ظهورها أثناء مراحل تنفيذ القرار.
إن القرارات الهادفة والناجحة لها صفات بارزة وسمات مميزة من بينها أن المسؤول الكبير المتخذ للقرار تكون لديه دراية قد تصل إلى درجة اليقين المسبق بالنتائج الإيجابية التي ستتمخض عن القرار كما لديه تصور ثابت بنجاح القرار، كذلك لا بدَ أن يكون القرار نفسه ذا معقولية ومنطقية تؤكد صلاحه وتناسبه مع الوقت والظرف الذي يُتَّخذ فيه، ولذلك فلا بدَ أن يستند إلى مجموعة من البيانات والمعلومات المتوافرة والمؤكد صحتها وليس بناء على معلومات عشوائية مشكوك في سلامتها، كما يجب أن يصب القرار في صالح الجميع ويكون ذا تأثير إيجابي يعطي قيمة مضافة جيدة للمستقبل والحاضر وكذلك لمستقبل الأجيال القادمة. كما على المسؤول المتخذ القرار مراعاة عنصر التأني في اتخاذ القرار، والوثوق بأن هذا القرار سيحل المشكلة ويزيل المعضلة ويزيح العقبة، وبالتالي يكون قادرا على خلق وضع ملائم ونموذج متناسب لحل إشكالات معيّنة للمجتمع.
ومن الملاحظ أن أي قرار يُتَّخَذْ لا تكتمل صحته ولا يسلم تنفيذه إلا إذا كان مبنيا على عناصر سليمة صحيحة ومتكاملة، كالفكرة الجيدة، والتنفيذ السليم، والمتابعة الصادقة، والرقابة الفعّالة، والتقييم الممتاز للإنجاز من دون محاباة أو مجاملة، وإذا ما اكتملت كل هذه العناصر فمن المؤكد أن تنفيذ القرار سيصل إلى النتيجة الطيبة المتوخاة منه.
فالفكرة هي الركن الركين الأساسي الذي ينطلق منه القرار، فإذا ما كانت على شكل فكرة لحل مشكلة، فهنا لا بدَ من تشخيص هذه المشكلة وبلورة أبعادها لأنها ستكون الأساس الذي سيبني عليه صاحب القرار قراره لحل هذه المشكلة بعد أن يلم بتفاصيلها والاقتناع بإمكانية حلها والتيقن من تلاشيها. فإذا ما تأكد من صواب فكرته أمر مرؤوسيه بتجميع البيانات والمعلومات الخاصة بهذه المشكلة وهنا لا بدَ من مراعاة الدقة في جمع المعلومات من مصادرها الصحيحة والموثوق بها، والتي لا تقبل احتمالات مشكوك في صحتها. وعلى أساس ذلك يتم تحديد الحلول المتاحة والبدائل المتوافرة لحل المشكلة بعد التأكد من مناسبتها وملاءمتها وتوافقها مع طبيعة المشكلة، ليتم بعد ذلك اتخاذ القرار النهائي القادر على حلها.
بعد اتخاذ القرار المناسب لحل المشكلة تبدأ عملية التنفيذ ومتابعة خطواته ومراقبة مراحل تطوره وتقويم نتائج كل مرحلة على حدة عن طريق فريق العمل المخوّل بالإشراف على التنفيذ، وبمساعدة الأجهزة المعنية بالتنفيذ والمتابعة والتقييم كل ضمن مسؤولياته وتخصصه وخبرته وتجاربه، مع الاهتمام بالمشاركة الفعالة بين أصحاب الشأن من أفراد وأجهزة إدارية وفنية يكون لها علاقة بالقرار وتنفيذه، ذلك أن المشاركة الجماعية تلعب دورا مهمًا في تسهيل تنفيذ القرار وتيسير إجراءاته سعيا وراء تحقيق الأهداف المنشودة منه، بل إن المشاركة تجعل القرار وفكرته أكثر قبولا بين المساهمين في إنجازه كما تعطيهم الثقة والاعتداد بالنفس والفخر بما يقومون به لتحقيق أهداف هذا القرار.
هناك نقطة مهمة يجب على متخذ القرار قبل اتخاذ قراره الاهتمام بها والتركيز عليها ألا وهي التأكد من أن القرار يصب في صالح الأغلبية من المواطنين، وألا يتخذ تحت ما يسمى المجاملات أو العواطف، أو يتخذ بشعور وحماس طارئ يجعل القرار سلبيا وفاشلا. كذلك عدم الاستعجال في اتخاذ القرار من دون دراسة متأنية أو تحليل منضبط، لأن من شأن ذلك تعطيل إيجابياته وخلخلة أركانه، ما يجعله ضعيفا لا يعطي ثماره، وخاصة إذا اتخذ بتردد وتراجع من صاحب القرار، مع الانتباه إلى أن اتخاذ القرار لا يمثل نهاية الطريق بل هو البداية، لذلك بجب التأني فيه بعد تفكير ومشاورة ومراعاة لكل الأسباب المنطقية التي تستوجب اتخاذ قرار سليم عقلاني منطقي يعطي قيمة تقدمية يحتاج إليها الوطن والمواطنين من حيث تنمية شؤون حياتهم وتكييف ظروف معيشتهم.
الخلاصة النهائية أن عملية اتخاذ القرار المناسب هي المحور الأساسي والعملي للإدارة الناجحة التي تجعل من عملية اتخاذ القرار العنصر الأهم لإدارة أي مشروع أو مؤسسة أو هيئة أو حتى الدولة. ومن هذا المنطلق تصبح السلطة التنفيذية وبالتنسيق والتوافق مع السلطة التشريعية هما الجهتان المسؤولتان عن صحة اتخاذ القرارات الجيدة التي تتوافق بصورة متناسقة ومتناسبة مع ظروف المرحلة التي تمر بها الدولة سواء كان ذلك في الشأن السياسي أو الشأن الاقتصادي أو الشأن الاجتماعي أو الشأن الأمني أو الشأن المعيشي ليصب القرار في نهاية الأمر في المصلحة العليا للمجتمع، وخاصة إذا تجنب تنفيذه الإجراءات البيروقراطية ذات الطبيعة الروتينية القاتلة، فالبيروقراطية هي العدو الأول الذي يقف عقبة كأداء في طريق تنفيذ القرارات الهادفة، فباستشرائها تتعطل الأعمال ويتباطأ الإنجاز وتنحرف القواعد العملية عن مسارها ويضل النظام والقانون طريقهما، وتكون المحصلة النهائية تأخر تنفيذ المشاريع الجيدة التي تعود على المواطنين بالنفع والفائدة.





كلمات دالة

aak_news