العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لماذا تستمر المخالفات المالية والإدارية؟

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



صدر التقرير رقم 13 لديوان الرقابة وشمل العديد من المخالفات كما في السنوات السابقة، واظهرت مختلف الجهات والأشخاص امتعاضهم ورفضهم لذلك، وسوف يقوم المجلس النيابي بمناقشة المخالفات وسيحاول جاهدا أن يُحيل بعض المخالفات إلى النيابة العامة لتنتهي بذلك الدورة المعهودة لتقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية.
لم يختلف هذا التقرير عما سبق من حيث إنه شمل بعض المخالفات واستثنى البعض لأسباب منها إجرائية أو مهنية أو دستورية. وفي جميع الاحوال فإن ما يشمله التقرير ليس حجم المخالفات بقدر ما هو مؤشر على وجود أوجه متعددة من المخالفات وشبهات الفساد وعدم تطبيق القوانين أو انتقائية تطبيقها، أو كما ورد في إحدى الندوات، تكرار نفس المخالفات من 2008 الى اليوم من دون تغيير.
المهم في التقرير ليس ما جاء به من مخالفات بقدر ما يُبرز من ضعف في البنية الرقابية والتشريعية بشكل عام، وعدم بذل الجهد في الإجابة عن السؤال: لماذا تتكرر الأخطاء؟ هذا التعامل أدى إلى استمرار المخالفات وضعف التعامل مع المال العام وإخفاق في تنويع مصادر الدخل (مخالفات الفرص الضائعة)، واستمرار هدر إيرادات وأصول الدولة والمال العام وتدني الأداء الاستثماري. التقرير يقول ان هناك مشاكل هيكلية تجعل العلاج يستعصي بالطرق الادارية وحتى القضائية.
أول هذه المشاكل هو الخلاف حول تعريف المال العام وأحقية التصرف فيه. وما لم يتم مناقشة ذلك على مستوى مجلس النواب والمجتمع والاتفاق على صيغة مقبولة من الجميع، فإن كيفية التعامل مع المال العام ستبقى محاطة بالسرية ومحفوفة بالاخطاء وسوء التصرف فيه. تأثير ذلك ليس فقط قضية مخالفات إدارية أو جنائية ولكنه يضر بالمصلحة العامة وبالقدرة على الاستثمار وحماية الملكية الفردية التي يتعرض لها بعض الأشخاص. تكريس مفهوم حرمة المال العام وأهمية استثماره لصالح المجتمع في هذه الظروف المالية الصعبة، وعدم استثماره (بأنواعه) لصالح المجتمع لتعويض ما فقدناه من إيرادات نفطية له تأثير كبير على الاستقرار والأمن المستقبلي. إن حماية الملكية من أهم القوانين التي حققت تطور الامم والشعوب وأهمها حماية أملاك الدولة، ونحن مازلنا نعاني من تجاوزها حتى على مستوى البلديات.
ثانيا: هناك خلل في التوازن بين السلطات. يفترض أن يكون المجلس النيابي سلطة تشريعية ورقابية تتمتع بقوة دستورية توازي قوة السلطة التنفيذية التي تتصرف في الميزانية العامة. لكن للأسف، فإن المجلس لم يتمكن من تغيير لائحته الداخلية التي تكبله، بالإضافة إلى محدودية صلاحياته. لذلك فالمجلس غير مهيأ لإصلاح منظومة التعامل مع تجاوزات المال العام ولا حتى التعامل مع تجاوزات إدارة الميزانية العامة. يقول النواب بأن آلية المساءلة بشكل عام والاستجواب بشكل خاص غائبة، وحتى الآليات الأخرى تم إضعافها أما من خلال اللائحة الداخلية أومن النواب أنفسهم الذين يخضعون لضغوط من عدة جهات تحد من قدرتهم على الاستجواب، كما أن الدولة تسيطر على المعلومات التي قد تتيح للمجلس جمع أدلة تسند الاستجواب وان تمكن النواب من ذلك نجد أن هناك اعتبارات أخرى تحول دون نجاح اي استجواب في المجلس منها العلاقة بين النواب والحكومة ومنها ضعف النائب الذي يعمل من دون فريق مساند أو جمعية سياسية تسنده بالرأي والمعلومات ويفتقر إلى الدعم الشعبي. النواب يدركون حجم المعوقات لكنهم غير قادرين على تغييرها بل إنهم أضافوا لها بإقرار رفع التصويت الى الثلثين. بالاضافة الى ان بعض النواب يخشون فقد تعاون الوزراء وفقدان التسهيلات التي يطلبها النائب من الوزير نيابة عن المواطنين. هذا السلوك على الرغم من أنه لا يتماشى مع مهمة النائب، والتي هي تمثيل المجتمع ككل، فإننا نجد أن النائب يضطر أن يتعامل مع مشاكل المواطنين الفردية بسبب خلل في الجهاز الإداري أو خلل في التشريعات أو محسوبية بغيضة على حساب القانون والمساواة بين المواطنين. إن هناك حاجة إلى تعديل اللائحة الداخلية كمرحلة أولى على أقل تقدير.
ثالثا غموض قانون ديوان الرقابة المالية والادارية في المواد المختصة بتحريك قضية جنائية في حالة توافر أدلة، أما وجهة نظر الديوان فإن القانون لا يمنحه حق التحقيق وتحصيل المعلومات وجمع الأدلة. هذه قضية ينبغي على مجلس النواب معالجتها من دون تأخير.
رابعا: إن المجتمع المدني غير قادر على المحاسبة والمساءلة من خلال صحافته او من خلال جمعياته السياسية او المهنية. بعض هذه القضايا تحتاج إلى تشريع مثل إنشاء هيئة مستقلة لمكافحة الفساد، والتي سبق ان ناقشها مجلس النواب ورفضها لأسباب مجهولة على الرغم من أنها تقوي قدرته على المساءلة. وبعض هذه القضايا تحتاج إلى إصلاح سياسي وإرادة سياسية تتخذ قرارات حاسمة لإنهاء ضعف مجلس النواب.
خلاصة ذلك، أن الإرادة لمعاجلة الأمر وغياب وتجاهل مبدأ الشفافية يعتبر أهم الأسباب في تكرار المخالفات ويعوق حسن التعامل مع المال العام وإيرادات الدولة. لا يمكن أن يترسخ مبدأ الشفافية في مجتمع يشكل التعامل مع المال العام معضلة بين المواطنين والسلطات، ومن دون شفافية وتوافر المعلومات لايمكن تحقيق مساءلة حقيقية تحدُّ من التجاوزات، ومن دون معالجة كل ذلك أو إقناع المجتمع والمستثمر بالجدية في تنفيذ الحلول، فإن الاستثمار لا بد أن يتأثر ويهدد تنويع مصادر الدخل أكثر مما هو عليه الآن؛ أي أن المعالجة الهيكلية هي مصلحة وطنية وواجب وطني يدين من يقف في وجه الإصلاح السياسي المطلوب.
mkuwaiti@batelco.com.bh





كلمات دالة

aak_news