العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

مقالات

«أمن الخليج العربي» واحد.. انطلاقة خليجية أمنية طموحة

بقلم: د.عمر الحسن

الأربعاء ٣٠ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



اختتمت في البحرين فعاليات أول تمرين خليجي مشترك «أمن الخليج العربي1»، وسط وجود إرادة خليجية قوية؛ لتأسيس جدار دفاعي وأمني تحتّمه التهديدات المتصاعدة، وتمليه التطورات الحادثة بموازين القوى الدولية والتغيرات السياسية، ولا سيما في الولايات المتحدة المرتبطة بشراكة استراتيجية مع دول المجلس، ما يطرح العديد من التساؤلات وراء الهدف من هذا التمرين، بالإضافة إلى أن ثمة رسائل وأهدافا تتعلق باختيار توقيت انعقاده موجهة الى الداخل والخارج على المستويين الإقليمي والدولي، وقد جاء الاختتام غداة عقد أعمال الدورة الخامسة عشرة لمجلس الدفاع لدول مجلس التعاون في العاصمة السعودية الرياض؛ ومع اختتام «جسر 17»، وهى عبارة عن تدريبات بحرية سعودية - بحرينية مشتركة، أجريت فعالياتها في المياه الإقليمية لمملكة البحرين. كما جاء بعد ثلاثة أسابيع من اختتام «درع الخليج 1»، للقوات البحرية السعودية في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر عُمان؛ لتستكمل هذه المناسبات التعبير عن وجود إرادة خليجية ملحة للتنسيق الأمني المشترك ولرفع كفاءة وقدرات أجهزتها الأمنية والدفاعية.
ويعكس الحضور الكبير الرفيع المستوى لفعاليات الختام، أهمية التمرين، حيث يشكل نقلة رائدة على طريق مسيرة التعاون الأمني بين دول مجلس التعاون، ويعكس مدى التلاحم والتكاتف في أداء الواجبات الأمنية؛ ما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الأمني الميداني على أرض الواقع يأتي على رأس الحضور، جلالة الملك ، وسمو ولي عهده، وبمشاركة وزراء الداخلية في دول المجلس الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بالمملكة العربية السعودية، والشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية بدولة قطر، والفريق الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بدولة الإمارات العربية المتحدة والشيخ محمد خالد الحمد الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية بدولة الكويت، والسيد حمود بن فيصل البوسعيدي وزير الداخلية بسلطنة عمان، والدكتور عبداللطيف راشد الزياني الأمين العام لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والعديد من القيادات العسكرية والأمنية بدول المجلس، وممثلي السلك الدبلوماسي والشخصيات العامة.
وقد عكست كلمة جلالة الملك عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين دول المجلس على الأصعدة كافة، ومنها التعاون والتنسيق المشترك في المجالات الأمنية، مشيرًا إلى أن هذا التمرين يمثل انطلاقة أمنية طموحة تسهم في توحيد وتضافر الجهود والارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون من أجل مستقبل أكثر أمنا لدول وشعوب المنطقة والأجيال القادمة، مضيفا أن «دول الخليج قادرة بأبنائها ومقدراتها على الحفاظ على أمنها، وعلى الذود عن ترابها ومقدراتها ووجودها». وقال رئيس مجلس الشورى علي الصالح: «نحن في المجلس الوطني التشريعي البحريني نؤكد استمراريتنا في دعم هذا التوجه ومساندته».
الجدير بالذكر أن «أمن الخليج العربي1»، تأتي في ظل استمرار الاستفزازات، التي تتعرض لها دول الخليج من إيران وغيرها، وواقع الحال يشير إلى أن إيران لا تتوقف عن إرسال تهديداتها المتوالية الى دول مجلس التعاون؛ ما يتطلب تكاتف وترابط قوات هذه الدول والتنسيق والتكامل بينها سواء في الدعم اللوجستي أو خطط العمليات أو تدريب القوات، وهو ما فعله بشكل جاد وعملي تمرين «أمن الخليج العربي 1».
كذلك فإن التحديات التي تواجه دول المنطقة لم تعد خافية على دول المجلس التي ترى فيها خطرا قد يداهم أمنها واستقرارها ويهدد وحدتها الوطنية ونسيجها الاجتماعي الواحد. وإزاء ذلك، فإن دعم سبل التعاون وتطويرها بين دول الخليج يحظى بأهمية خاصة من لدن قادة دول المجلس وهم يستشعرون فداحة تلك التحديات التي تهدد دول المنطقة في الحاضر والمستقبل.
وبالنظر إلى هذه المناورات العسكرية والأمنية، فإنها لم تكن مجرد استعراضات عسكرية أو أمنية فقط؛ لأنه من الواضح أن دول الخليج قد كثفت من استعداداتها الأمنية لمواجهة التحديات التي تحيط بها، في ظل تراجع نفوذ واشنطن في المنطقة وتزايد النفوذ الإيراني، ومحاولة التدخل في شؤون الدول العربية ودعمها للمليشيات الإرهابية في سوريا والعراق ولبنان واليمن. ويمكن القول بأن هذه التمرينات قد بعثت برسالة واضحة إلى الجميع، مفادها أن دول مجلس التعاون أصبحت فاعلا رئيسيا وداعما لأمن واستقرار المنطقة.
ومن وجهة نظر مماثلة، فإن أهمية هذا التمرين تأتي فيما يحمله من «رسالة حاسمة وقاطعة» الى الجميع بأن دول مجلس التعاون تجمعها أهداف واحدة، وأن أمنها لا يتجزأ ومصيرها مشترك، وأنها تقف جميعا صفا واحدا، كالبنيان المرصوص في وجه أي تهديد لأي دولة من الدول الأعضاء. كما أنه يمثل تجسيدا للتلاحم الخليجي والإجماع على وحدة الهدف والمصير.
وقد شهدت فعاليات التمرين سلسلة من العمليات الميدانية القتالية وفق تمارين على «فرضيات» مختلفة ومتنوعة لرفع الكفاءة القتالية والاستعداد للطوارئ، باستخدام أسلحة وآليات تخصصية حديثة، وعلى المستويات الفنية العالية التي تمكنها من مواجهة الظروف البيئية الصعبة والمتغيرة والتعامل مع المفاجآت المتوقعة عند المواجهات الأمنية مع العناصر الإرهابية والإجرامية، ومجموعات من مقاتلي قوة العمليات الخاصة ذات التدريب الراقي، والتي تسند إليها المهام الصعبة، وتحتاج الى قدرات بدنية وذهنية متميزة تمكنها من التعامل بكفاءة عالية في مواجهة العمليات الإرهابية والإجرامية، وقوة الأمن المدرعة التي تتميز بقدرتها الفائقة على المواجهة والاقتحام والتصدي لنيران العدو، وقوة إبطال وإزالة المتفجرات وتقوم بدور مهم في مسح مناطق العمليات والمنشآت والكشف عن المتفجرات بها وإبطالها وتأمينها حماية لقوات الاقتحام وحفاظًا على أرواح الأبرياء، وقوات المظليين التي تقوم بعمليات الهبوط فوق المنشآت وفي أرض العمليات المستهدفة بما يشكله ذلك من مفاجأة للعدو ويتكامل مع أدوار باقي قوات الاقتحام والمواجهة، وفرق الدعم اللوجستي المزودة بكل الاحتياجات الإدارية والفنية اللازمة لاستمرار الإمداد لكل القوات، كذلك شمل التمرين، مناورات لجميع أبعاد العمليات البحرية، مثل، الحروب الجوية والسطحية وتحت السطحية والحرب الإلكترونية وحرب الألغام، وعمليات الإبرار لمشاة البحرية، ووحدات الأمن البحرية الخاصة وكلها وحدات مهمة جدا تتكامل بأدائها الفعال مع الوحدات الأخرى البرية والجوية، وكذلك شمل التمرين الرماية بالذخيرة الحية على أهداف متنوعة وعلى مسافات مختلفة.
كما كانت لمشاركة الوحدات الجوية في مراحل التمرين المتنوعة سواء في نقل المعلومات الفورية إلى القوات الأرضية أو مطاردة العناصر الإرهابية والإجرامية أو عمليات الإسقاط الجوي فوق المنشآت المستهدفة أثر كبير في تعبئة الجهود الأمنية وتكاملها بشكل فعال، وخاصة أن هذه الوحدات تسهم كثيرًا في حسم المواجهات الأمنية ومساعدة الوحدات البرية والبحرية في إمكانية السيطرة الفعالة وبصفة خاصة في العمليات المفاجئة والمتعددة الاتجاهات.
وفي حقيقة الأمر، فإن نجاح هذا التمرين يعود إلى عدة أسباب أهمها، تجانس القوات الأمنية لدول مجلس التعاون واستعدادها الكبير في كل مراحل التمرين، بدءا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ والتطبيق، بالإضافة إلى تنوع المدارس الأمنية الخليجية؛ ما أضفى على التمرين أهمية كبيرة لمختلف المشاركين، حيث تم الاطلاع على التجارب المختلفة والاستفادة منها في رفع الجاهزية الأمنية والتدريبية للقوات، فضلا عن أن التمرين نجح في تحقيق كل الأهداف المرسومة له، من خلال وجود جميع القوات الأمنية الخليجية في موقع واحد، عاكسا استعداد دول المجلس لمواجهة أي أخطار وتحقيق الأمن والاستقرار بدول المنطقة.
كما أنه يأتي ثمرة للجهود السابقة بما تضمنته من مرحلة تخطيط حددت تحديات وفرضيات أمنية للتدريب على مواجهتها، فهو يعد نتاج مسيرة ممتدة من التعاون والتنسيق بذلها وزراء داخلية دول المجلس، في سبيل التعاون بين دوله، والتي بدأت بتوقيع الاتفاقية الأمنية الشاملة، وتطبيق بنودها بما تتضمن من تبادل المعلومات بين دول المجلس، وتوحيد وتبادل القوانين والأنظمة على نحو يكفل مكافحة الجريمة بمختلف أشكالها وأنواعها، وتقديم التسهيلات اللازمة، وإنشاء مراكز تدريب أمنية متخصصة، وتبادل برامج المؤتمرات والندوات، ودعم الأجهزة الأمنية بأحدث التقنيات مع عقد اللقاءات الدورية.
وجاء هذا التمرين الأمني الذي هو الأول من نوعه على مستوى الأجهزة الأمنية بدول المجلس؛ ليؤكد مستوى التنسيق والتعاون الأمني المتقدم، الذي بلغ مستوى رفيعا يبرهن على أن تكاتفها، وتضامنها كفيل بدرء الأخطار، والتحديات التي تواجهها. وقد شكل أقوى رسالة خليجية على قدرتها على محاربة الإرهاب الذي تعاني منه المنطقة، وهو «جدار أمني»، كما قال الأمير سلمان ولي العهد البحريني: «لكل من أراد أن يعبث بأمن دول الخليج، لأن أمن الخليج كل لا يتجزأ».
وقد أظهرت «البحرين» مستوى كبيرا من التنظيم والدعم لهذا التمرين، والذي استضافته في وقت بالغ الدقة، بالنظر إلى المستجدات والتطورات الأمنية المتلاحقة في المنطقة والمخاطر التي تعصف بها، وقدمت أفضل ما يمكن في هذا الشأن، من مستوى عال في التنظيم والدعم لكل أفراد وعناصر القوات المشاركة في التمرين.
وكما هو معروف، فالمنامة طالما كانت مقرا للعديد من الاجتماعات واللقاءات، خلال مسيرة دول المجلس. بالإضافة إلى أن إجراء التمرين، -الأول من نوعه-، في البحرين يؤكد أن دول مجلس التعاون تعتبر أن الحفاظ على أمنها ينطلق من المملكة، التي هي مفتاح أمن الخليج، وأنها لن تسمح بأي زعزعة للاستقرار والأمن فيها، على اعتبار أن أي مس بأمن إحدى الدول يعد مساسا بدول الخليج كافة.
ومن الواضح أن وزارة الداخلية البحرينية، قد لعبت دورا بارزا من خلال قيامها بتذليل كل العقبات التي كان من المتوقع أن تواجهها القوات المشاركة بدرجة عالية من الاحترافية في التنظيم والترتيب وإعداد كل التجهيزات والإنشاءات المطلوبة، بالإضافة إلى قدرتهم على استيعاب كل هذا العدد، وهو ما حظي بإشادة جميع الحضور من القيادات الأمنية المشاركة، وكذلك المتابعين لمراحل هذا التمرين والمرحلة الختامية له.
وفيما يتعلق بالتوصيات والمقترحات التي خرج بها التمرين، والتي عكست هذا التلاحم والتعاون ما أشار إليه، المقدم أحمد أبا الخيل -آمر لجنة التخطيط والإعداد في وزارة الداخلية الكويتية- «أن هناك نية وتوجها حقيقيا لتشكيل قوة مشتركة من اللجان والأجهزة الأمنية كافة، وليس من فرق التدخل والاقتحام فقط»، وتابع: «سيكون هناك ربط أمني بين جميع غرف العمليات الأمنية في دول مجلس التعاون، ومركز قيادة وسيطرة موحد مربوط في دول عدة»، لافتًا إلى أن لجنة التخطيط والإعداد تقدمت بهذه الاقتراحات لرفعها إلى مجلس وزراء الداخلية الخليجي كتوصيات من اللجنة أثناء تطبيق التمرين، موضحا أن جميع اللجان في التمرين توصلت إلى توصيات ستزيد من التلاحم بين الأجهزة الأمنية في دول مجلس التعاون، من خلال وضع التصورات والفرضيات التي يمكن أن تلجأ إليها التنظيمات والخلايا الإرهابية وجرى التدريب على مواجهتها بشكل مشترك.
بالإضافة إلى إيجاد آلية لتمرير المعلومات بين الأجهزة الأمنية في دول المجلس ودعوة البرلمانات الخليجية الى وضع تشريعات لتحقيق التكامل العسكري والأمني بين دول المجلس بأعلى مستوياتها من أهم التوصيات.
وختاما فإن هذا التمرين الذي كان بقيادة وزير الداخلية البحريني راشد بن عبدالله آل خليفة قائد التمرين يعد تجسيدا للتلاحم الخليجي والاجتماع على وحدة المصير والهدف، وانطلاقة أمنية طموحة تسهم في توحيد وتضافر الجهود والارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون والتقارب لحماية أمن المنطقة، حيث شكلت القوات الخليجية المشاركة ملحمة وإنجازا، بالوصول إلى الأهداف المرسومة، ما يضاف إلى إنجازات العمل الخليجي المشترك، ويُعد تجسيدا عمليا للاتفاقية الأمنية الخليجية، ما يعطي رسالة واضحة للجميع بأن أمن الخليج العربي خط أحمر، وأن قواته الأمنية قادرة على حفظ أمنه واستقراره، ومستعدة للتدخل الفوري والسريع لصد أي أخطار أو تحديات تعوق مسيرتها التنموية. وقد اقترح على الأمين العام المساعد للشؤون الأمنية بمجلس التعاون لدول الخليج العربية عقد ورشة عمل أو حلقة نقاشية لتقييم التمرين من حيث الإعداد والمشاركة والأداء والتنظيم والمعدات، النجاحات والبناء عليها، والسلبيات إن وجدت لتلاشيها، ما هي الإضافات المطلوبة للتمرين القادم أو الحذوفات..كل ذلك قد يرفع من كفاءة التمرين والمشاركين فيه.. أختتم بالقول: أهنئ عاهل البلاد المفدى على هذا الإنجاز الرائع الذي يبعث ومن البحرين - مفتاح أمن الخليج - برسالة إلى شعوب دول الخليج أن قواتهم الأمنية قادرة على حمايتهم وحماية مكتسباتهم وأوطانهم.





كلمات دالة

aak_news