العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الحرية من فلسطين إلى نورث داكوتا

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٢٩ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



شاركت في الأسبوع الماضي مع مئات المتظاهرين في الاعتصام الذين نظم أمام مقر الوحدة الهندسية العسكرية في العاصمة الأمريكية واشنطن. لقد كنا نتظاهر تعبيرا عن رفضنا لمشروع أنبوب داكوتا، الذي ينتظر أن ينقل يوميا ما لا يقل عن 500 ألف برميل من النفط الصخري كي يتم تكريرها في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت المظاهرات التي نظمت في واشنطن دي سي في إطار اليوم العالمي للتضامن مع السكان الأمريكيين الأصليين الذين يعيشون في المنطقة المخصصة لهم في «ستاندنج روك» في شمال داكوتا. لقد شاركت ما لا يقل عن 300 مدينة عبر العالم في الاحتفاء بهذا الحدث التضامني. أما المسائل التي طرحت فقد كانت مزيجا مركبا ومعقدا من القضايا ذات العلاقة بالاقتصاد والجغرافيا والقانون على وجه الخصوص. لكن في نهاية المطاف نجد أن المسألة تتعلق أساسا بقضية جوهرية، هي إعلاء صوت العدالة.
يقول المدافعون عن مشروع الانبوب إن النفط الصخري سيساهم في تحقيق استقلالية الولايات المتحدة الأمريكية في قطاع الطاقة كما أنهم يشددون على أن مسار الأنبوب قد يتم اختياره بشكل يقلص من تكلفته ويزيد من جدواه الاقتصادية مؤكدين في الوقت نفسه حق الدولة في استملاك الأراضي التي توجد على جانبي مسار الأنبوب.
تعيش قبيلة «سيو» في منطقة «ستاندغ روك» وهي تعتبر ان هذا الأنبوب يتهدد الخط الرئيسي الذي تتزود منه بالمياه، مضيفين أن أي تسرب من الأنبوب من شأنه أن يمثل خطرا جسيما بعد ذلك على حياتهم. يعتبر أبناء القبيلة ايضا أن الكثير من الأراضي التي يمر عبرها الأنبوب تضم الكثير من مواقعهم المقدسة ومقابرهم، علما أنه قد تم التعدي على الكثير منها منذ بداية بناء المشروع.
يعتبر أبناء قبيلة «سيو» أيضا أن الإدارة الأمريكية تنتهك من خلال هذا المشروع عديد المعاهدات التي وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية مع قبيلتهم على مدى أكثر من قرن ونصف من الزمن. لقد ظلت هذه القبيلة على مدى هذه المدة الزمنية الطويلة تجرد من أراضيها ولاتزال هذه العملية متواصلة حتى اليوم.
لا شك أيضا أن «ستاندنغ روك» يطرح مسائل جوهرية مثل العدالة والتاريخ. هذا ما يفسر السبب الذي جعل «ستاندنغ روك» تتحول إلى نقطة انطلاق للحركة الاحتجاجات التي استقطبت آلاف من السكان الأمريكيين الأصليين من مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وقد حظيت هذه المظاهرات بدعم قوي من السكان الأصليين الآخرين من مختلف مناطق العالم.
يعتبر المتظاهرون أنفسهم «حماة المياه» وهو ما جعلهم يطلقون حملة سلمية حاشدة ويعلنون العصيان المدني لكن السلطات الأمريكية استعملت ضدهم أسلوب القوة ودفعت بقوات كبيرة من رجال الشرطة والأمن والتي أطلقت ضدهم الرصاص المطاطي كما استخدمت القنابل المسيلة للدموع، إضافة إلى الخراطيم التي ترشهم بالماء البارد في هذا الطقس الذي تتجمد له الدماء في العروق. لقد أحدثت مظاهر وأعمال العنف التي مورست ضد المتظاهرين صدمة حقيقية.
لقد شعرت بالفخر وأنا أشاهد الكثير من الأمريكيين من أصل أمريكي وهم يشاركون في تلك المظاهرات في شمال داكوتا كما تأثرت كثيرا وأنا أشاهد الفلسطينيين الآخرين الذين يعيشوه في الأراضي المحتلة للتعبير عن تضامنهم مع السكان الأصليين في ستاندنع روك في ولاية نورث داكوتا في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كان من الطبيعي أن يعبر الفلسطينيون عن تضامنهم مع السكان الأمريكيين الأصليين. لقد جاء المستوطنون الصهاينة إلى فلسطين في العشرينيات من القرن الماضي وقد اعترف بهذا الواقع، حيث إنهم يقولون أحيانا إن عرب فلسطين هم بمثابة «الهنود الحمر» المتوحشين، الذين يتعين القضاء عليهم لأنهم يمثلون عقبة أمام طموحاتهم ولابد بالتالي من التخلص منهم حتى يتسنى تحقيق الحلم الصهيوني، أي المشروع اليهودي في فلسطين.
لقد سارع السكان الفلسطينيون مع السكان الأصليين في شمال أمريكا، لقد ظل ياسر عرفات يتحدث في أكثر من مرة عن الدروس المستفادة من التاريخ المشترك كما أنه ظل يقول إنه يجب على شعبه أن يناضل ويكافح حتى لا ينتهي بهم الأمر إلى مصير السكان الأصليين الأمريكيين. لقد كان الشاعر الفلسطيني الفذ محمود درويش خير من عبر عن هذا الترابط في قصيدته خطبةُ «الهندي الأحمر» ما قبل الأخيرةِ، أمامَ الرّحل الأبيَض.
لا يزال التشابه ما بين أوضاع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وأوضاع السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية قائما حتى اليوم. لقد تجلى هذا الأمر في التقريرين الأخيرين الصادرين عن منظمة الأمم المتحدة. تركز المظاهرات المتعلقة بستاندونج روك على حماية المصادر المائية التي يتزود منها أبناء القبيلة ووضع حد لتدنيس مقدساتهم وقبورهم.
أصدرت منظمة اليونسكو التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في الشهر الماضي قرار يدين تدمير المقابر الفلسطينية في القدس حيث إن سلطات الاحتلال قد حولت أحد المواقع لبناء «متحف للتسامح» فيما تخطط لتحويل الموقع الثاني إلى مكان عام احتضن في الفترة القليلة الماضية مهرجانا للخمور. أما منظمة الأمم المتحدة فقد أصدرت بدورها تقريرا يؤكد خطورة الأوضاع الراهنة في غزة، حيث إنها ذكرت أن 10% فقط من سكان القطاع المحاصر يحصلون على المياه الصالحة الشرب.
ألقيت كلمة في التجمع التضامني الذي أقيم على هامش الاعتصام وقد تطرقت إلى الحديث عن التسامح المشترك من سلب للأراضي وتشريد ما بين السكان الأصليين الأمريكيين من ناحية والفلسطينيين من ناحية ثانية. لقد ذكرت أيضا أننا كأمريكيين نعترف بأن بلادنا قد ولدت من رحم الخطيئة الأولى، أي جريمة التطهير العرقي التي ارتكبت في حق السكان الأصليين الذين وجدناهم على هذه الأرض.
يجب الاعتراف أيضا بأن نفس هذا الكلام ينطبق أيضا على إسرائيل. أنا اسمع القادة الأمريكيين وإلإسرائيليين يتحدثون عن «قيمنا المشتركة» وهم لا يقصدون بطبيعة الحال المعاناة المشتركة ما بين السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية والسكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة».
باعتباري أمريكيا، وباعتباري خاصة أمريكيا من أصل عربي فإنني أفخر بالتضامن مع أبناء «ستاندنغ روك» من قبيلة «سيو» كما أعتبر أن الأمر يتعلق بمعركة من أجل العدالة في نورث داكوتا وعبر الأراضي الفلسطينية المحتلة أيضا.
* رئيس المعهد العربي الأمريكي





كلمات دالة

aak_news