العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

مقالات

نحو خطة عربية للتعامل مع إدارة ترامب
تقـريـــر إستــراتيجــي يقـدم تصــــورا لــــرؤيـــة عـــربيـــة لطــرحهـــا عــــلى إدارة تــــرامـــب

بقلم: السيد زهره

الاثنين ٢٨ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



منذ فوز دونالد ترامب، يدور جدل واسع في كل مناطق العالم. جدل محوره قضية رئيسية هي: كيف يجب التعامل مع إدارة ترامب القادمة؟
بالطبع، المحللون والساسة في مختلف مناطق العالم يجتهدون في طرح التصورات والرؤى لكيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بما يضمن مصالحهم.
يحدث هذا في الدول الأوروبية، وفي روسيا، والصين، واليابان، والدول الآسيوية الأخرى.. وهكذا.
مفهوم بالطبع ان الذي يجعل هذا الجدل محتدما هو أن الصورة غير واضحة أبدا فيما يتعلق بنوع المواقف والسياسات العالمية التي سوف تتبعها إدارة ترامب تجاه مختلف مناطق ودول العالم.
للأسف، نحن في الدول العربية لم نشهد مثل هذا الجدل بشكل تفصيلي منظم. لم نشهد طرحا لأي خطة أو رؤية عربية للتعامل مع إدارة ترامب الجديدة بما من شأنه حماية وضمان مصالحنا، وما من شأنه أيضا إقامة العلاقات العربية الأمريكية في العهد الجديد على أسس واضحة.
ولهذا السبب، توقفت مطولا عند تقرير إستراتيجي أمريكي نشر قبل أيام أعده خبراء من أصول عربية يطرح تصورا لمثل هذه الخطة او الرؤية العربية.
وجدت من المهم جدا ان أطرح بشيء من التفصيل ما يتضمنه هذا التقرير وما يقترحه.

}}}
مقدمات وحقائق
حين تحدثت قبل فترة في مجلس النواب حول مواقف ترامب من القضايا العربية وحول السياسات المتوقعة من إدارته تجاه المنطقة، قلت إن أحد الجوانب الحاسمة هو ما تفعله الدول العربية.. أي مواقف ستتخذ، وكيف ستتعامل مع الإدارة الجديدة وما الذي سوف تطرحه عليها.
هذه الفكرة نفسها يؤكدها التقرير الإستراتيجي الذي اشرت اليه. وهو من هذا المنطلق يدعو الدول العربية الى المبادرة بطرح خطة أو رؤية أو ملامح صفقة، أيا كانت التسمية، وعرضها على الإدارة الأمريكية الجديدة كي تكون أساسا وإطارا للعلاقة مع هذه الإدارة بما يضمن المصالح العربية.
والتقرير يطرح تصورا تفصيليا لمثل هذه الخطة.
بداية، يطرح التقرير عددا من المبادئ العامة والحقائق التي يجب أن تكون واضحة قبل التفكبر في أبعاد الخطة المقترحة.
أهم هذه المبادئ والحقائق ثلاثة هي:
1 – ان مواقف سياسات أي إدارة أمريكية تجاه أي منطقة في العالم بشكل عام تعتمد في بعض من جوانبها الأساسية على ما يفعله قادة المنطقة أنفسهم، وعلى رؤيتهم هم لمستقبل منطقتهم وكيف يجب أن يكون.
ولهذا، فإن التساؤل حول، ما الذي سوف يفعله ترامب في المنطقة العربية، وأي مواقف وسياسات سوف يتبع، تعتمد الإجابة عليه في جانب أساسي منها على، ما الذي سوف تقوله دول المنطقة، وما الذي سوف تفعله هي من أجل إدارة شؤونها ومعالجة قضاياها.
2 – حقيقة أن الرئيس الأمريكي الجديد ترامب يأتي من خارج المؤسسات السياسية الأمريكية، يترك مجالا معقولا لأن يكون صوت دول المنطقة مسموعا، وأن تشارك في صياغة توجهات الإدارة الجديدة وسياساتها في الشرق الأوسط.
3 – ان ترامب نفسه بحكم تكوينه الشخصي يميل إلى عقد الصفقات الشخصية حتى لو كانت تنطوي على مخاطرة. وهذا في حد ذاته أمر فيه جانب إيجابي، إذ يجعل من الممكن التوصل إلى تفاهمات معه على أسس واضحة محددة.
}}}
أي خطة؟
على ضوء الحقائق السابقة، يقول التقرير إن الدول العربية عليها أن تبادر بإعداد خطة أو رؤية محددة تطرحها على الإدارة الأمريكية القادمة كصفقة مع الإدارة.
ويقول إن أي خطة أو رؤية يجب أن تتقدم بها القوى الرئيسية في المنطقة، وتحديدا يجب أن تتقدم بها دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، وبالتفاهم مع تركيا.
لكن أي خطة بالضبط؟
يقول التقرير إن أي خطة او رؤية تطرحها دول مجلس التعاون ومصر يجب أن يكون هدفها الأساسي هو تحقيق الاستقرار في المنطقة، ومحاربة الإرهاب، وإيجاد نقطة توازن بين القوى المختلفة المتصارعة في المنطقة.
وهذه الخطة يجب ان تتضمن تحديدا لإلتزامات حلفاء أمريكا الرئيسيين في المنطقة، وتفاصيل ما هم مستعدون لأن يفعلوه في حال تعاونت إدارة ترامب معهم.
ويعتبر التقرير انه اذا تم اعداد هذه الخطة جيدا، وتقديمها الى إدارة ترامب، فإن هذا سوف يسهم بالتأكيد في تشكيل رؤية الإدارة الجديدة لسياساتها ومواقفها تجاه المنطقة.
ويقول ان الإقدام على هذه الخطوة يعكس القدرة على المبادرة، وتظهر ان الدول العربية مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة في ظل الإدارة الجديدة بناء على خطوات محددة تخدم مصالح الجانبين.
}}}
الإرهابيون
التقرير يطرح بعد ذلك تصورا حول المواقف التي يجب أن تتضمنها أي خطة عربية يتم طرحها على إدارة ترامب، بخصوص القضايا الكبرى في المنطقة، وتحديدا الموقف من قضايا الإرهاب، وإيران، وسوريا، واليمن.
فيما يتعلق بقضية الإهاب ومحاربته في المنطقة، يقترح التقرير أمرين محددين:
الأول: أنه يجب بداية تحديد القوى والجماعات الإرهابية في المنطقة بالضبط، والتي يجب محاربتها.
ويقترح التقرير التعريف والتحديد التالي للجماعات والقوى الإرهابية:
«هي كل المنظمات والقوى والجماعات المسلحة التي ليست جزءا من القوات الحكومية، أي الخارجة عن الدولة».
وفقا لهذا المعيار، يذكر التقرير ان قائمة الجماعات والقوى الإرهابية، يجب ان يكون على رأسها كل من: تنظيم داعش - تنظيم القاعدة - حزب الله في لبنان - الحشد الشيعي في العراق- الحوثيون في اليمن وحلفاؤهم - بيت المقدس في سيناء.
والثاني: ان الدول العربية المعنية، أي دول مجلس التعاون ومصر وبالتفاهم مع تركيا، يجب أن تطرح خطة محددة لمحاربة هذه الجماعات والقوى الإرهابية، وتحدد التزاماتها وما يمكن أن تفعله بالضبط في هذا الشأن. وبالمقابل، على الإدارة الأمريكية أن تحدد وتشرح ما الذي يمكن ان تقدمه لتسهيل محاربة الارهابيين كلهم بلا استثناء في المنطقة.
}}}
الموقف من إيران
يفرد التقرير مساحة واسعة للحديث عن الموقف من إيران والاتفاق النووي وما يمارسه النظام الإيراني من إرهاب في المنطقة، وما يجب ان تتبناه الدول العربية في الخطة المقترحة.
يقول التقرير بداية إن جدلا واسعا يدور حاليا حول ما اذا كانت إدارة ترامب سوف تقدم فعلا على الغاء الاتفاق النووي مع إيران كما سبق وتعهد ترامب أثناء الحملة الانتخابية.
ويعتبر ان المشكلة ليست في إلغاء الاتفاق أو عدم إلغائه.. المشكلة أن الاتفاق نفسه هو بالفعل اتفاق سيئ كما قال ترامب نفسه.
وهو اتفاق سيئ في رأي التقرير، لأنه أولا لم يفعل بالنسبة الى برنامج إيران النووي سوى تأجيل إمكانية امتلاك إيران للسلاح النووي الى وقت ما في المستقبل، لكن من دون أن يحول دون إيران ودون امتلاك هذا السلاح فعلا.
والأهم من هذا انه اتفاق سيئ، لأنه ساعد إيران على تصعيد تدخلاتها السافرة في الدول المجاورة واعمالها العدوانية الإرهابية، الأمر الذي قاد إلى موجة من عدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة.
أما كيف كان الاتفاق مساعدا على تصاعد العدوان الإيراني والتدخلات الإيرانية، وكيف ساهمت إدارة أوباما في هذا، فيشير التقرير إلى ثلاث نقاط:
1 – ان أمريكا مع الاتفاق وبعده غضت النظر عن أنشطة إيران العدوانية الإرهابية في المنطقة.
2 – رفع العقوبات عن إيران الذي تلى الاتفاق ساهم في تدعيم عدوانها.
3 – فصل الاتفاق نفسه عن إطاره الجيواستراتيجي، والصمت عن خروقات إيران للاتفاق.
ويتطرق التقرير إلى جانب مهم آخر يتعلق بإيران. يقول إنه من المستحيل أن نفهم صعود تنظيم داعش وإرهابه الذي مارسه إذا فصلنا هذا عما حدث بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، والتدخل الإيراني هناك، كما لا يمكن فصله عن وحشية بشار الأسد وطائفيته.
ولهذا السبب، يعتبر التقرير أن على الإدارة الأمريكية الجديدة ان تنظر الى تنظيم داعش كما هو بالفعل، أي على اعتبار أنه رد فعل لأفعال وسياسات وتطورات محددة شهدتها المنطقة.
وعلى ضوء هذا، يجب على أي خطة جديدة تطرحها الدول العربية المعنية لتحقيق الاستقرار في المستقبل القريب أن تتضمن ضرورة التعامل مع الأسباب والمصادر الحقيقية التي قادت الى ظهور تنظيم داعش وفاقمت خطره.
يقول التقرير: لم يكن هناك تنظيم داعش في العراق قبل الغزو الأمريكي، وقبل أن تقدم أمريكا العراق على طبق من ذهب إلى إيران.
ويذكر التقرير أنه إذا كان سيتم الإبقاء على الاتفاق النووي، يجب الإصرار على أن العدوان الإيراني في المنطقة يجب احتواؤه ومواجهته بشكل حازم.
ويقول: إنها نكتة فعلا أن يتم دفع ثمن فادح لرفض مواجهة وكبح العدوان الإيراني في المنطقة وما أدى اليه ذلك من عنف وإرهاب، فقط من أجل إقناع إيران بتجميد برنامجها النووي لنحو عشر سنوات.
ويقول التقرير إنه إذا تم -بناء على ما سبق- إقصاء إيران من معادلة الأمن المتدهور في المنطقة، فإن الدول العربية عليها إن تتحمل مسئولية تنظيف المنطقة من المنظمات الإرهابية.
ويذكر ان هذا هو ما يجب اقتراحه على ترامب في اللحظة التي يدخل فيها المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.
كما نرى، جوهر الموقف العربي من إيران الذي يقترحه التقرير في الخطة او الرؤية التي يجب طرحها على إدارة ترامب يتلخص في أنه لا يعنينا كعرب إلغاء أو عدم إلغاء الاتفاق النووي. الذي يعنينا هو الاتفاق على ان العدوان والارهاب الإيراني هو سبب رئيسي لما تشهده من فوضى وعدم استقرار، وبالتالي، فإن الأولوية هي لمواجهة هذا العدوان والإرهاب بقوة وحزم. بعبارة أخرى أنه يجب الاتفاق على أنه لا يمكن معالجة أسباب إرهاب داعش وغيره، ولا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة من دون مواجهة إيران وعدوانها. والهدف النهائي هنا كما يذكر التقرير هو إنهاء العدوان والإرهاب الإيراني، و إخراج إيران من معادلة الأمن في المنطقة، على ان تتولى الدول العربية محاربة الجماعات والقوى الإرهابية والعمل على عودة الاستقرار إلى المنطقة.
}}}
سوريا واليمن
ويقدم التقرير باختصار جوهر الموقف العربي من سوريا واليمن الذي يجب أن تتضمنه الخطة العربية المقترحة.
بالنسبة إلى سوريا، يعتبر التقرير أن القضية لم تكن يوما بشار الأسد كشخص في حد ذاته. المشكلة كانت دوما هي ما يمارسه من تعذيب وفساد، ووحشية واضطهاد، واستخدامه للقوى الأجنبية لقتل شعبه وقائمة طويلة من الفظائع التي يرتكبها.
لهذا يعتبر ان جوهر القضية هو، كيف يتم حكم سوريا، وليست من يحكم سوريا سواء كان بشار الأسد أو غيره. ويقول إن التطورات في سوريا تجاوزت الأسد كشخص. القضية أصبحت كيف يمكن إعادة الأمن إلى البد مرة أخرى.
ولهذا السبب، يذكر التقرير أن الدول العربية مدعوة في خطتها المقترحة إلى أن تطرح تصورا لكيفية تحقيق السلام في سوريا، وخصوصا لصيغة نظام الحكم، وللقضاء على الجماعات الإرهابية.
أما بالنسبة إلى اليمن، فيعتبر التقرير أن الحل الذي اقترحته الأمم المتحدة، ورفضه المتمردون الحوثيون، يمثل إطارا عادلا لإنهاء الأزمة.
لهذا يجب إحياء هذا الحل، ويجب دعوة الإدارة الأمريكية الجديدة والأمم المتحدة إلى أن تلقي بكل ثقلها من أجل فرض هذا الحل.
ما قدمناه هو ملخص للتصور الذي طرحه التقرير للخطة أو الرؤية التي يجب ان تطرحها الدول العربية على إدارة ترامب.
وينتهي بالقول إنه آن الأوان لأن تأخذ الدولة المعنية، وخصوصا دول مجلس التعاون ومصر زمام المبادرة.
}}}
المطلوب عربيا
إذن، هذا هو ما طرحه التقرير حول الخطة أو الرؤية التي يقترح ان تتبناها دول مجلس التعاون ومصر وتطرحها على إدارة ترامب الجديدة.
بالطبع، قد نتفق او نختلف حول بعض ما طرحه التقرير.
لكن لا يمكن الاختلاف حول الفكرة الجوهرية التي يؤكدها.
نعني فكرة ان دول مجلس التعاون ومصر هي التي يجب أن تقود معا أي تحرك عربي في اتجاه إدارة ترامب، وان هذه الدول مطالبة بالتالي بأخذ زمام المبادرة وطرح الرؤية العربية تجاه قضايا المنطقة، وتجاه العلاقات المنشودة مع الإدارة لأمريكية الجديدة.
بالطبع، لسنا بحاجة الى القول بأنه كي يحدث هذا، فمن المفترض بداية ان يتم التوافق ابتداء بين دول مجلس التعاون ومصر وأي دول عربية أخرى، حول مواقف موحدة إزاء مختلف قضايا المنطقة، وبالأخص قضايا محاربة الإرهاب، وقضايا سوريا واليمن والعراق وغيرها.
من دون موقف عربي موحد لا نستطيع ان نخاطب الإدارة الجديدة بصوت موحد، ولن يكون لصوتنا تأثير أصلا.
ومن المفترض ان تتفق الدول العربية على أسس العلاقات الجديدة مع أمريكا وما نريده من إدارة ترامب، وان نطرح على هذه الإدارة خطتنا ومطالبنا بوضوح وبشكل محدد.
بالطبع، غير القضايا التي أشار اليها التقرير، هناك قضايا أخرى يجب ان نطرحها على إدارة ترامب كمطالب عربية، في مقدمتها مثلا المطالبة بأن تنهي هذه الإدارة أي دعم كانت تقدمه إدارة أوباما الى قوى او جماعات طائفية انقلابية في دولنا، وان تتوقف أمريكا عن التدخل في شئوننا الداخلية تحت أي زعم أيا كان كالديمقراطية أو غيرها.
يجب ان ندرك انه ليس امامنا من بديل غير هذا .. ليس امامنا سوى ان نوحد مواقفنا ونطرح رؤيتنا وتصورنا، وذلك لسببين:
الأول: ان هناك اليوم صراعا على كسب الإدارة الجديدة من جانب الكل، بما في ذلك القوى المعادية لنا مثل إيران واللوبي الإيراني في أمريكا.
واذا لم نبادر نحن، فسوف يبادر الآخرون، وقد يتمكنون مرة أخرى من كسب الإدارة الأمريكية الى جانبهم، وخصوصا ان الإدارة الجديدة لم تحسم امرها بعد إزاء أي قضية او أي دولة او منطقة في العالم.
والثاني: انه أصلا، وكقاعدة عامة، اذا لم تكن لدينا خطة واضحة نطرحها تحدد ماذا نريد، واذا لم يكن لنا حضور مؤثر، فليس هناك ما يدعو إدارة ترامب الى ان تبادر هي بمراعاة مصالحنا.






كلمات دالة

aak_news