العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

السياسة الأمريكية.. بين الثابت والمتغير 

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



من مظاهر العجز في الأمة أن يكون انتصارها متوقفا على هزائم غيرها، وتقدمها مرهونا بتخلف غيرها، ونجاحها هو نتيجة مؤكدة لفشل غيرها.
هذا هو حال الأمة العربية، وهذا مفهومها عن الانتصار والتقدم والنجاح مع أعدائها الذين يكيدون لها كيدًا ويعملون ليلاً ونهارًا من أجل القضاء عليها وسلب ثرواتها ومقدراتها.
إن الأمة القادرة هي الأمة التي لها إرادة حرة، ويكون مصدر قوتها هي شخصيتها القوية المستقلة، والعكس هو ما نشاهده اليوم في أحوال الأمة العربية، فهي أمة لا تشكل رقمًا صحيحًا بين الأمم، ليس بسبب أنها لا تملك من إمكانات الإبداع ما يؤهلها لتكون واحدة من الأمم المتحضرة، بل لأنها أمة محكومة بأنظمة مستبدة يشغلها هم واحد وهو البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة حتى ولو كان ذلك على حساب شعوبها، والعجيب أن التاريخ يحفظ في ذاكرته التي لا تشيب إعجابًا وتقديرًا للحضارة الإسلامية التي صنعها الإسلام على عينه، وجعلها حضارة متميزة، إذ أقام أركانها على أسس أخلاقية مطلقة، وعلى مبادئ إسلامية راسخة لا تفرق بين الناس، وعطاؤها لا يتوقف عند حدود من ينتمي إليها، بل يتعداهم إلى غيرهم، هكذا علمها الإسلام، وصنعها على عينه، يقول تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» (الممتحنة/8)، بل إن الإسلام لا يتوقف عند هذا الحد في إنصافه الآخر، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يخضع الإسلام مشاعر المسلمين وأحاسيسهم للحق، ولا تكون هذه المشاعر عائقًا يعطل وصول الحق إلى أهله، يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون». (المائدة/8).
هذه الأمة التي حباها مولاها سبحانه بكل هذه الصفات، ورفعها بين الأمم مقامًا عليًا عليها ألا تتطفل على الغير لتأكل من الفتات المتساقط من على موائدهم، إنها أمة حري بها أن تتقدم الصفوف، وأن تسترد حقوقها ممن اغتصبها منها ولا تتعدى ذلك، يقول سبحانه وتعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة/190).
حديثنا اليوم لن يكون عن الأمجاد الغابرة للأمة الإسلامية، فإن ذلك حديث مكرور ولن يضع لبنة في البناء الحضاري للأمة، وذكرناه فقط ليكون مقدمة توحي بما يعقبها من أن هذه الأمة بكل تراثها وما حققته من حضارة متميزة عليها أن تقف وقفة محاسبة، وأن تعيد النظر فيما آلت إليه أحوالها من هزائم وتخلف وفشل، وأنه ليس من الحكمة، ولا من البصيرة النافذة التطفل على الغير، وانتظار هزيمتهم لتنتصر، أو تخلفهم لتتقدم، أو فشلهم لتنجح، وأن هناك حقائق لا بد أن نعيها منها: أن ما يدور في الأمم الأخرى هو خاص بهذه الأمم، ويحدث وفق مصالحها العاجلة والآجلة، وإذا حدث أن أصابنا شيء من هذه المصالح، فذلك ليس بسبب حبهم لنا، وإرادتهم الخير لشعوبنا، بل هو لتقاطع بعض مصالحنا مع مصالحهم في لحظة تاريخية معينة، ولا بد أن تمر مصالحها من خلال تحقيق بعض مصالحنا، ولكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن وعينا هي أنهم لا يريدون الخير لنا.
ومن الحقائق التي علينا أن نعيها ونحن نعلق الآمال العراض على الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القطب الوحيد الذي آلت إليه مصائر الدول هو أن السياسة الأمريكية التي تحرك الناس، وتتحكم في مصائر الشعوب، وتدفع الشعب الأمريكي إلى صناديق الاقتراع، وتجعلهم يختارون هذا المرشح للرئاسة الأمريكية أو ذاك، هذه السياسة ذات شقين، الشق الأول: تعنى بالمصالح الخاصة بالمواطنين الأمريكيين، وهي السياسة الداخلية التي تهتم بالمشكلات التي يعاني منها المواطن الأمريكي مثل: مشكلة البطالة، والتعليم، والصحة، وغيرها من المشكلات التي تمس المواطن الأمريكي مسًا مباشرًا، وهذا الشق يلعب عليه المرشحون للرئاسة الأمريكية، فيرصدون ما يشغل بال الشعب الأمريكي، أو أغلبيته، فيعزفون على هذا الوتر الحساس، أما الشق الثاني، فهو الشق الخارجي، وهذا الشق فيه من الثوابت ما يجعله يؤكد مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا الشق قضايا تمس العالمين العربي والإسلامي، وفي مقدمة هذه القضايا، قضية فلسطين، وحقوق شعبها التي اغتصبها الكيان الصهيوني (الفاجر) بدعم دولي من الغرب الصليبي، والشرق الشيوعي.
إذن، فدعم الكيان الغاصب في فلسطين ولفلسطين من أولى الأولويات في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذه الأولوية ليست قابلة للمناقشة، والأخذ والرد، لأن الولايات المتحدة الأمريكية جعلت في قمة القضايا التي تدافع عنها الدعم العسكري، والسياسي، والاقتصادي للكيان الغاصب لفلسطين، وهي لا تفعل ذلك حبًا في الكيان الغاصب، بل بغضًا في العرب والمسلمين، ولا يزال الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية يحملون لواء الحروب الصليبية التي لم تتوقف قط، وآخرها ما أعلنه الرئيس الأمريكي بوش حين وصف الحرب الأمريكية على الشرق الأوسط بأنها حرب صليبية، وحاول بعد ذلك أن يتراجع عن اعترافه ويعتذر إلا أن وسائل الإعلام سبقته فنشرت اعترافه في العالم، وما نطق به لسان الرئيس الأمريكي بوش هو ما يعتمل في قلبه، وما يجول في ضميره وخواطره.
إذن، فمن العجز أن نعلق انتصاراتنا على نجاح هذا المرشح للرئاسة الأمريكية أو ذاك، وأن ندرك أن الانتصار يتطلب مجهودًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وأن تستعيد الأمة وعيها الحضاري، وتستلهم كتابها المعجز لتنطلق في دورة جديدة من دورات التاريخ لتصنع حاضرها، وتخطط لمستقبلها معتمدة على عقيدة صحيحة، وفهم عميق لأسباب النصر والهزيمة، والنجاح والفشل، والتقدم والتخلف، وعلى جهود أبنائها، فإذا تم لها ذلك، فهي قادرة الآن كما كانت قادرة في الماضي على أن ترسم خريطة النصر والنجاح والتقدم.
وبعد، فالسياسة الخارجية الأمريكية لها ثوابت لا تتغير بتغير الرؤساء الأمريكيين، لأن هذا ما يعطيها المصداقية أمام دول العالم، ومن ثوابت هذه السياسة، وأولى أولوياتها العمل الدؤوب على إضعاف العالم العربي والإسلامي وخاصة دوله المحيطة بدولة الكيان الغاصب في فلسطين، لأن في هذا ضمان لبقاء هذا الكيان الغاصب، يؤدي الدور المرسوم له، ولن تتغير هذه السياسة ما لم تتغير موازين القوة في هذه المنطقة الحساسة في العالم، ويشعر العالم بتنامي قوة العرب والمسلمين، واعتمادهم على أنفسهم في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية كافة. 
aalbinfalah@gmail.com





كلمات دالة

aak_news