العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كــــيــــف نـــنـــمـــي مـــهـــاراتــنــــا؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



قلنا في المقال الماضي إن كل إنسان خُلق وخُلقت بين جنباته مهارة أو عدة مهارات، وهي نقطة الذكاء التي يمكنه أن ينميها، فهي عندئذ تأخذه من يده إلى مصاف عظماء التاريخ، هذا إن شاء أن يكون منهم. ولكن العديد من البشر لا يبحثون عن هذه المهارات ولا يهتمون بالتاريخ ولا بأي شيء، فيظلون يعيشون في ظل الجبل لا على سفحه.
والمهارات البشرية عديدة ويصعب عدها، فمن البشر من يمتلك مهارة القراءة والكتابة، ومنهم من قُدر له أن يمتلك مهارة العمل باليد، ومنهم من يمتلك مهارة أن يكون جراحا، ومنهم معلم المبدع، ومنهم المتحدث اللامع والمفوه، ومنهم القائد المحنك، ومنهم الإداري البارع، وهذا التوزيع والتنوع مهم جدًا، حيث البشر يكمل بعضهم بعضا، فبمهاراتك تكمل مهاراتي، لذلك فإن غيرنا ونحن من المهتمين بالتنمية البشرية ندعو الناس إلى العمل كفريق بدلا من العمل المفرد، وهذا موضوع آخر تحدثنا فيه مسبقًا.
ومن جهة أخرى فإن هذا التنوع يضعنا أمام حقيقة وسؤال مهمين، كيف يمكننا أن ننمي كل هذه المهارات للأفراد؟ كيف يمكنني من خلال مقال أو كتاب أو دورة تدريبية -واحدة- أن نقوم بتنمية عدة أنواع من المهارات للعديد من الأفراد المختلفين خلقًا وخُلقًا؟
فنحن في الحقيقة أمام معضلة، كيف يمكن تجاوزها؟
ربما يصعب علينا هنا أن نتحدث عن كل أنواع المهارات، وكل المراحل العمرية، فتنمية مهارة الطفل تختلف عن تنمية مهارة البالغ، والرجل عن المرأة، والجراح عن المعلم عن الموظف، وما إلى ذلك، لذلك فإننا في واحدة من الدورات التدريبية عندما كنا نتحدث عن تطوير الذات والوسائل التي يمكن ممارستها، أصبح هناك لغط كبير حول الموضوع، فكل شخص كان يحتاج -بصفة خاصة- إلى وسيلة لتطوير ذاته مع ما يحمل من فروق فردية، فأخذ الموضوع عدة ساعات مع أنه كان من المقرر ألا يتجاوز الموضوع الساعة الواحدة.
لذلك فإني أعتقد أنه من المناسب هنا أن نتحدث عن الكيفية الممكنة لتنمية مهارات الإنسان بصورة عامة، من غير أن نحدد أي نوع من المهارة، ولا أي نوع من البشر، وعليك أنت أن تسقط ما سنقول على مهاراتك، ويمكن مستقبلاً أن نحدد أكثر.
1- نبدأ بتحديد المهارة، فما مهارتك؟ من الطبيعي أن تتعرف في البداية على قدراتك ومهاراتك، ونقاط ذكائك، فهل أنت تحبذ الأمور النظرية أم الأمور الفنية؟ وهل تشعر بالملل عندما تمسك كتابا وتقرأه أو تشعر بالملل عندما تمسك مفكا ومطرقة لتقوم بعمل شيء ما؟ ربما تملك مهارة في النجارة وأنت تجبر نفسك على أمر لا تشعر فيه بالرغبة، لذلك من الأولى أن تتعرف على مهاراتك أولاً، ومن ثم يمكنك أن تنتقل إلى النقطة الثانية.
2- ماذا تريد أن تصنع بمهارتك؟ بمعنى ما هدفك؟ وكيف يمكنك أن تستفيد من تلك المهارة التي تمتلكها؟ هل تعرف إلى أين تريد أن تصل؟ فإن كنت كاتبًا -مثلاً- فهل تطمح إلى إنتاج كتاب؟ وإن كنت نجارا فهل تطمح إلى إنتاج بعض القطع من الأثاث، وما إلى ذلك؟ وإن كنت تشعر بأنك تمتلك مهارة الجراح فهل أنت على استعداد للتخفيف من آلام الناس الذين يتعالجون عندك؟ وإن كنت معلما فهل أنت على استعداد لتضحي بالكثير من أجل أن تطور من مهاراتك لتعلم هؤلاء الأطفال؟ إذن يجب أن تعرف ما الطموحات التي تود أن تضعها عندما تطور مهاراتك.
3- التخطيط والتنظيم السَّلِيمان: يتعين على المرء في أي ظرف من الظروف أن يتمتع بالقدرة على التخطيط والتنظيم، فبالتخطيط يتمكن المرء من بلوغ أقصى ما يريد من مهاراته وأن يحررها من قيود الخوف والتردد، وبالتنظيم سوف يتمكن المرء من تطويرها ومعرفة أبعادها وكيف يمكن أن يقدمها للناس. ليس ذلك فحسب وإنما يجب أن تكون لدينا المرونة الكافية والقدرة على إدارة هذه المهارة من أجل أن نقدمها للبشرية والناس التي تعيش حولنا بصورة خيرة وليست شريرة، فلكل مهارة وجهان، فأي الوجهين تريد أن تقدمها للبشرية؟
4- الرغبة في التعلم، ليس من المعقول أن تكون مهارتنا نهاية معرفتنا بالعلم والثقافة والفكر، وإنما ينبغي علينا السعي جاهدين لاكتساب مهارات جديدة وأفكار وثقافة وعلم، سواء في نفس مجال المهارة أو في مجالات أخرى، كما يمكننا ببساطة أن نطرح الأسئلة على من حولنا من البشر حتى على من لا يمتلك نفس نوعية مهارتنا، فربما بملاحظة منه أو فكرة بسيطة يمكننا أن نطور أو أن نغير مسيرنا في تطوير مهارتنا، بالإضافة إلى إجراء الأبحاث اللازمة حول مجال مهارتك ومواكبتها بأحدث التطورات، فالرغبة بالتعلّم هي صفة رئيسية يبحث عنها أصحاب المهارات العظيمة أو التي تأخذ بيدنا نحو العظمة.
5- التمتع بالمعرفة من خلال الثقافات المختلفة، إن الرغبة في التعلم تفرض علينا البحث في الثقافات الأخرى ربما البعيدة عنا، فتخيل -مثلاً- أنك صاحب مهارة في الموسيقى، لذلك فمن الواجب عليك أن تسمع لكل من عزفوا قبلك، تسمع إلى كبار من ألف الموسيقى، وتستمتع بما قاموا بتأليفه. ويجب أن يكون معلومًا لديك أنه لا توجد في الحياة مفاتيح لجميع الأسئلة، لذلك نحتاج إلى صفة حب الاستطلاع من أجل البحث عن المعرفة والوصول لها، يجب أن تتمتع بصفة الفضول التي ستكون ثمرتها المعرفة، ابحث عن الإجابات ولا تحاول الهروب منها فهي جزء من مهارتك وبالتالي حياتك.
6- كن مبدعًا في تفكيرك وفي حياتك؛ امتلاك المهارة لا يعني الانغلاق والتقوقع، فالإبداع يعني أنه يجب أن تكون لديك حاجة عاطفية لعمل شيء سواء كان جديدًا أو مجرد النظر إلى الأمور العادية بنظرة غير عادية، وقد يكون الرغبة في الإنجاز، وهو خليط من حب الفضول والاستكشاف مع الرغبة لحل مشكلات أو مسائل مجتمعية في جو من الثقة والانفتاح والصبر، وهو دائمًا ممتع ويشعر صاحبه بالسعادة. لا بد من منح نفسك الوقت الكافي والأدوات اللازمة للبحث في مهاراتك واهتمامات المختلفة مع عدم الإصرار على المعرفة الكاملة في تلك اللحظة، فإن ذلك يرهق العقل، فيمكنك أن تأخذ الأمور على مراحل.
7- تنمية الذاكرة؛ وهي من الإبداع، فتنمية العقل والذاكرة تساعد بصورة مذهلة في تطوير المهارات الفردية والجماعية، فليس من المعقول أن تنسى أبسط الأمور أو حتى أعقدها، كل ذلك يحتاج إلى تمرين وتدريب الذاكرة.
8- مهارات التواصل: وتعني أن تتحدث وتتواصل مع البشر من حولك، فأنت ملزم بأن تقدم نفسك للبشر، وملزم بأن تتعامل مع البشر من حولك سواء بالحديث أو بلغة الجسم أو بأي لغة كانت، فأنت لا تعيش في كوكب وحدك ولا في عالمك الخاص، فأنت عشت كذلك وحتى لو كانت لديك أفضل مهارة في الدنيا فإنك ستظل حبيس غرفتك الخاص لا يعرفك أحد من البشر، تصور نفسك معلما فذا، ولكنك لا تقوم بالتعليم فكيف ستكون حالتك؟ أو أنك جراح بارز ولا تذهب إلى المستشفى لتعالج البشر، فكيف سيكون حالك؟
9- اقتل الغرور: وأخيرا لا تدع الغرور يسيطر عليك، فأنت تملك مهارة وغيرك يمتلك مهارات، فمهما كانت مهارتك لامعة، فأنت تحتاج إلى أبسط البشر الذين يعيشون من حولك، تصور نفسك ممثلا مسرحيا لامعا أو كاتبا بارزا، ولكن من يفتح لك مجاري المنزل إن حدث فيها انسداد؟ من يصلح سيارتك إن وقفت في منتصف الشارع؟
10- العمل بفعالية ضمن فريق: إن اضطرتك الظروف إلى أن تعمل ضمن فريق عمل -ويمكن أن يحدث هذا في أي لحظة- فإنه من الضروري جدًا المساهمة بفعالية في كل المشاريع الخاصة بفريق عملك، فلا تعش الفردية، وإنما العمل الجماعي دائما أفضل ونتائجه أقوى وأجود.
هذه عشر نقاط عامة، حاولنا أن نقدمها للأشخاص الذين يمتلكون مهارات ويحتاجون إلى إرشادهم إلى بداية الطريق لتنميتها، وسنحاول في المرات القادمة أن نحدد نوعية المهارات ونتعرف على كيفية تطويرها وكيفية البحث عنها في جنبات النفس البشرية.
Zkhunji@hotmail.com





كلمات دالة

aak_news