العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

أخبار البحرين

الـدكـــتور عـبـدالـرحـمـن الـفـاضـل:
التفريط في الأمانة وصمة عار في جبين المفرط

السبت ٢٦ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:30




قال الدكتور عبدالرحمن الفاضل خطيب جامع نوف النصار بمدينة عيسى في خطبته ليوم الجمعة أمس:
يقول تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا».
خلاصة القول إن الأمانة المذكورة في هذه الآية الكريمة، والتي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، هي التكاليف الشرعية، سواء في ذلك حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، فمن أدى حق الله وحق عباده أثيب، ومن فرط في حق الله وحق عباده استحق العقاب .لظلمه لنفسه وجهله عليها.
فالأمانة تكليف ومسؤولية؛ لذا لزم إسنادها إلى القوي الأمين: «إن خير من استأجرت القوي الأمين»؛ وذلك لخطورة تبعاتها على الأمة والمجتمع بما تفضي إليه من التقدم والازدهار إن رعيت هذه الأمانة، وإلى الفوضى والدمار إن ضيعت!!
جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن الساعة. قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» رواه البخاري.
وفي هذا المعنى العظيم إرشاد إلى أن كل شيء لا بد أن يوضع في مكانه المناسب، فلا يسند العمل ولا المنصب إلا لصاحبه الجدير به، والأحق به من غيره، من دون محاباة لأحد، وإلا فقد ضاعت الأمانة واقتربت الساعة. وفي ضياع الأمانة ضياع للإيمان ونقص للدين، يقول - صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
فالأمانة إذن ضرورة للمجتمع، لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، ولا كبير وصغير؛ ولهذا كان من صدق الأمانة وضعُ كلِ شيء في مكانه اللائق به، قال أبو ذر - رضي الله عنه-: يا رسول الله: ألا تستعملني قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا مَن أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» أخرجه مسلم.
وإن من أعظم الأمانة، الأمانة التي أنيطت بولاة الأمر وأصحابِ الرياسات، ففي الحديث: «.. الإمام راع ومسؤول عن رعيته...» وخاصة فيما يتعلق بأمانة تولية المسؤولية لمن هو أهل لها، يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- : «ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة»، وقوله -صلى الله عليه وسلم- : «من غشنا فليس منا»، أخرجهما مسلم، لما في ذلك من خداع الأمة وخيانتها، وهذا ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام دين النزاهة والأمانة، ولهذا يحذر المؤمنين من خيانة الأمانة التي تحملوها، يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».
أمانة المسؤولية أمانة تكليف عظيمة، لاختيار الأصلح لكل عمل، من دون مراعاة لأحد، ولا محاباة لقرابة، ومن دون تقدير لشعور صديق، ومن دون اعتبار للمصطلح الغريب العجيب الذي أدخل علينا مصطلح التوازنات ومصطلح المحاصصة، فكل ذلك لا يتناسب أبدا مع الحق والعدالة التي يتوخاها الإسلام وخاصة في موضع تكليف يحتاج فيه إلى الكفاءة والأمانة!!
لأن مراعاة ما تقدم سيكون حتما على حساب الوظيفة والعمل، ما يعني انعكاسه بالسلب على الوطن، كما أنها ستكون سببا في إبعاد الكفاءات المخلصة ذات الولاء والانتماء مما تتضاعف معه خسارة الوطن!! ففي الحديث: «أيما رجل استعمل رجلاً ـ يعني أمَّره وولاه ـ على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضلَ ممن استعمل، فقد غش الله ورسوله، وغش جماعة المسلمين»، وروى الحاكم من حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من وَلِيَ من أمْر المسلمين شيئاً فأمّر عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صَرفاً ولا عدلاً، حتى يدخله جهنم» ولو نظرنا الى حال المسلمين عامة وبلاد العرب على وجه الخصوص اليوم، وهذا الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة، لوجدنا ما يؤكد فعلا توسيد الأمر لغير أهله المستحقين له؛ أما ترون هذا التخلف الذي يضرب أطنابه في ربوع عالما الإسلامي، كل ذلك بسبب التكليف غير الأمين لشغل الوظائف المختلفة!!
انظروا كيف يستغل غير الأمناء مناصبهم ومواقعهم لمصالحهم الشخصية وأهدافهم المشبوهة، فيُثْرُون الثراء الفاحش على حساب الوطن!؟ ويوظفون الأقارب والمعارف على حساب الكفاءت!؟
لقد انقلبت الأمور، وانتكست الموازين، وتاهت المفاهيم في خضم هذا التفريط المريع في الأمانة في كثير من المواقع بسبب سوء الاختيار، وهذا أمر مشاهد لا يمكن إنكاره!!
لماذا نتحدث عن الأمانة؟ إن ما يدعونا للحديث عن الأمانة هو أهميتها وخطورتها، وكذلك ما يثيره تقرير الرقابة المالية والإدارية في طبعته الجديدة للعام الثالث عشر على التوالي، وما يكشفه لنا كالعادة من استمرار النزف والهدر المالي، وتضخم دائرة التجاوزات، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على التهاون وعدم المحاسبة الجادة والحاسمة للمتجاوزين والمقصرين فيما مضى من تقارير سابقة، ما اطمأنت معه نفوس أولئك فزاد الهدر المالي أكثر من ذي قبل، وتلاعب المتلاعبون بالأموال والوظائف.
ولقد كنا نتمنى لو أن تقرير الرقابة المالية والإدارية يتطرق الى قضية لا تقل أهمية -إن لم تكن الأهم- ألا وهي قضية الهدر البشري للكفاءات الوطنبة البحرينية التي تضطر حقيقة الى ترك وظيفتها وأعمالها فتتقاعد أو تستقيل وهي في قمة عطائها بسبب تعنت وصلف وحسد بعض المسؤولين من وزراء ومديرين وموقفهم من تلك الكفاءات المشهود لها بالتفوق والنجاح والإتقان، والمخلصة في ولائها لقيادتها، والصادقة في انتمائها الى وطنها، حيث تشعر بالغبن جراء تقديم من يقل عنها كفاءة وإمكانات ومؤهلات وقدرات وهي التي ينطبق عليها - ولا نزكي على الله أحدا -قوله تعالى-: «.. إن خير من استأجرت القوي الأمين» فلماذا تخسر البحرين هذه الطاقات؟ ولماذا يترك بعض هؤلاء المسؤولين يتصرفون كيفما شاؤوا بتقديم الأضعف على القوي دونما سبب!
إن نصيحتنا الواجبة علينا تجاه ولاة الأمر أن ننبه إلى أنه من طال مكثه في مكانه جمد، وليس بغريب أن يصاب حتما بما يصيب الماء إن طال مكثه وركوده من العفن والفساد كما هو معلوم.
إننا على ثقة ويقين أن القيادة الحكيمة الرشيدة قد خطت خطوات متقدمة جدا في محاولة القضاء على الفساد والمفسدين واجتثاثه من جذوره، وما تقرير الرقابة المالية والإدارية إلا إحدى هذه الخطوات القوية في الاتجاه الصحيح، والتي بإذن الله تعالى-ستؤتي أكلها عاجلا إن استمرت ملاحقة الفساد وكشف المفسدين.
وكأني بالأغلبية منكم قد اطلعت على ما فصله التقرير من تجاوزات، ولنشر إلى فساد مؤسسة حقوقية على سبيل المثال لا الحصر يبرز فيها التقرير شيئا من الفساد الذي وصل إليه البعض ممن يدعي الولاء والانتماء الى هذا الوطن، رغم الدراسة الحقوقية والثقافة القانونية التي يتمتعون بها ويمارسونها، فأي عذر بعد؟!
فتجاوزات المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان البينة والجلية تبرز في أمرين الأول منهما: أن المؤسسة صرفت لأحد موظفيها وهو متغيب عن الدوام الرسمي مدة سبعة أشهر متصلة رواتب شهرية بلغ قدرها (سبعة عشر ألفا وخمسمائة واثنين وأربعين ديناراً) من دون وجه حق. وبعد التوصيات تم نقل هذا الموظف بسلام ومن دون ضجيج في (نوفمبر 2015) إلى جامعة البحرين، هذه واحدة، أما الأخرى، فقد قدمت المؤسسة عرضا لأمينها العام السابق للعمل بعقد جزئي للمؤسسة بتاريخ ( 23 ابريل 2014) قبل يوم واحد من الموافقة على طلب استقالته.
وبحسب التقرير فإن إجراءات استقالة الأمين العام قد تمت بصورة شكلية، وهو ما يترتب عليه منحه من دون وجه حق مكافأة التقاعد والمعاش التقاعدي؟!
لعل هذا شيء يسير من المخالفات والممارسات المتعمدة في هذه المؤسسة وغيرها من المؤسسات والوزارات مما ورد في التقرير، فإنها تعد في الشريعة والقانون من السرقة والغلول، يقول تعالى: «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ويَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمْنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» (أخرجه مسلم) ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» متفق عليه.
إن التفريط في الأمانة، وصمة عار في جبين المفرط، ووسام ذل وخيانة، يحيط بعنقه، وأي خسارة أعظم من أن يكون المسلم في عداد المنافقين، لقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن المفرط في الأمانة، والخائن فيها هو في عداد المنافقين الذين توعدهم الله تعالى بأقسى العقوبة، فلنحذر من سوء العاقبة، وخطر خيانة الأمانة .
وفي الختام نأمل من أصحاب السعادة النواب أن يؤدوا أمانتهم ويقوموا بواجبهم، و يوفوا بوعدهم وينفذوا وعيدهم فيما صرحوا به للصحافة في قولهم: ستكون لنا وقفة تزلزل قاعة المجلس، وسَنُصِرُ على استجواب الوزراء المخالفين. نذكر بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ». يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُوَلَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».




كلمات دالة

aak_news