العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

مقالات

ربط أسعار الصرف بالعملات الأجنبية لا يزال عِماد استقرار دول التعاون

بقلم: ديباك موسى

الجمعة ١٨ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:02



يوحي المستوى المنخفض الجديد لأسعار النفط بقدوم أوقات حافلة بالتحديات للموازنات المالية لدول مجلس التعاون الخليجي، ويعيد تأجيج الجدل المزمن حول مدى قدرة سياساتها الطويلة الأمد لربط أسعار صرف عملاتها بأسعار صرف العملات الأجنبية على الصمود. وبغية توضيح الأمور بشكل أكبر، من المتوقع أن تعاني دول المجلس من عجز مالي بنسبة 10.1% وعجز في الحساب الجاري بنسبة تقارب 5% عام 2016 (المصدر: البنك الدولي) مقارنة بالفوائض التي كانت تحققها في الماضي.
ورغم انخفاض عائداتها النفطية واتساع نطاق عجوزاتها المالية، نجحت البنوك المركزية لدول المجلس في التمسك بربط أسعار الصرف تساعدها في ذلك احتياطياتها الضخمة المتراكمة من العملات الأجنبية، إلا أن تلك الاحتياطيات تتعرَّض لاستنزاف مستمر لتمويل عجوزات ميزانياتها، ما سوف يؤدي في المحصلة النهائية إلى فرض ضغوط على قدرة البنوك المركزية على التحكم بمواصلة تمسكها بربط أسعار الصرف. وهكذا نرى أن احتياطيات المملكة العربية السعودية من العملات الأجنبية والتي بلغت قيمتها 562 مليار دولار أمريكي في أغسطس 2016، تراجعت بمعدل 15% سنويا ونحو 25% خلال العامين الماضيين، فيما يعود سببه مبدئيا إلى متطلَّبات تمويل عجز الميزانية (المصدر: بلومبيرج). وهذا ما يؤجج توقعات الأسواق بأن تلجأ دول المجلس الأضعف اقتصاديا نسبيا إلى فك ارتباط أسعار صرف عملاتها بالعملات الأجنبية لتخفيف ضغوط العجوزات المالية والاحتياطيات المتآكلة من العملات الأجنبية.
ورغم ذلك، فإن الرغبة المعلنة لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي وقدرتها على التمسك بربط أسعار الصرف يخفف وطأة أي فك لارتباط أسعار الصرف على المديين القصير والمتوسط. وهناك خمس حجج قوية تقول إن دول المجلس سوف تواصل التمسك بربط أسعار الصرف.
وتتمثل الحجة الأولى في نجاح تلك الدول بالتمسك بربط أسعار الصرف على مدى عدة عقود خلال فترات ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط على حد سواء، ما شكل لها صمام أمان ضمِن استقرار سياساتها النقدية. ونتيجة لذلك، لم تقم تلك الدول بتطوير سياسات نقدية تشكل إطار عمل يسمح لها بتعويم أسعار صرف عملاتها. إضافة إلى ذلك، فإن أي توقع لتعديل سياسة الربط قد يعرِّض أسعار الصرف لهجمات المضاربين.
وتشير الحجة الثانية إلى أن انخفاض أسعار الصرف الذي قد ينجم عن أي فك محتمل للربط قد يتسبب في قفزة مفاجئة في معدلات التضخم بسبب آثار ارتفاع تكاليف الواردات ومراحل تغيُّر أسعار الصرف. ونظرًا إلى كون 90% من واردات دول المجلس تتألف من المواد الغذائية فسوف يترك انخفاض أسعار الصرف آثارًا سلبية مباشرة على السكان. ونستطيع تقدير حجم تلك الآثار من خلال رسم خط موازٍ لتأثير فك ارتباط أسعار صرف عملة المَنات الأذربيجانية (إيه إن زِد) في ديسمبر 2015 على سكان أذربيجان، حيث أدى ذلك إلى انخفاض سعر صرف تلك العملة بنسبة ناهزت 30% إزاء الدولار الأمريكي خلال بضعة أيام.
وتمثلت الحجة الثالثة في كون صادرات دول المجلس أقل تنوعًا نسبيا وتهيمن عليها صادرات الهيدروكربونات المسَعَّرَة بالدولار الأمريكي. وفي هذه الحالة، لن يكون لأي تخفيض لأسعار الصرف سوى تأثير محدود على التنافسية التصديرية لتلك الدول. وبالتالي، لن يكون للمكاسب المتوقعة من تخفيض أسعار الصرف سوى تأثير قصير الأمد.
وتشير الحجة الرابعة إلى أن دول المجلس (باستثناء مملكة البحرين وسلطنة عُمان) تمتلك احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية وصناديق ثروات سيادية ومستويات مديونية منخفضة ما يسمح لها بتمويل عجوزاتها المالية لسنوات عدة والتمسك بربط أسعار الصرف حتى إذا طالت فترة انخفاض أسعار النفط. وبلغت نسبة الاحتياطيات السعودية من العملات الأجنبية كما هي موقوفة في أغسطس 2016 على سبيل المثال 86% من اجمالي الناتج المحلي للمملكة (2015)، بينما بلغت نسبة ديونها الحكومية إلى إجمالي ناتجها المحلي نحو 5.9% عام 2015.
أما الحجة الخامسة وهي الأهم، فتقول إن دول المجلس أطلقت حزمًا من الإصلاحات التي تستهدف تحقيق الاستدامة المالية أمثال فرض ضريبة القيمة المضافة (فات) وتخفيض الدعم الحكومي للأسعار وفتح الأسواق المالية أمام المستثمرين الأجانب وغيرها من الإجراءات الضرورية لتنويع مواردها الاقتصادية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوات إلى تخفيف الضغوط التي تدفع باتجاه فك ارتباط أسعار الصرف.
طريق المستقبل
رغم أن التمسك بربط أسعار الصرف يشكل الخيار الأفضل لدول مجلس التعاون الخليجي حاليا، فإننا لا نستطيع استبعاد الآثار السلبية لهذا التمسك في بيئة اقتصادية غير مؤاتية. وقد تكتسب فكرة فك الارتباط أهمية خلال السيناريو المستبعد حدوثه والذي يقوم فيه بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة بمعدل أعلى من المتوقع. وسوف يرغم مثل هذا التطور دول المجلس على مواكبة السياسة النقدية الأمريكية للتمسك بربط أسعار الصرف، ما سوف يؤثر سلبًا بالتالي في معدلات نموها الاقتصادي. وفي ظل السيناريو الحالي ووسط توقعات بأن تطول مدة انخفاض أسعار النفط أكثر من المتوقع، يجب أن تكون دول المجلس مستعدة لمواجهة الموقف عبر تبني استراتيجية تتيح لها القيام بفك ارتباط أسعار صرف عملاتها بطريقة شديدة التدَرُّج ومُدارة بشكل جيد. وفي الوقت الذي تبدو فيه دول خليجية أمثال البحرين وعُمان أكثر عرضة للتأثر بفك الارتباط نظرًا إلى ضعف أحوالها المالية، سوف يشكل تنظيم حوار وخطة عمل خليجية منسقة أسلوبًا إيجابيا لمعالجة ضغوط فك ارتباط أسعار الصرف.


عضو معهد المحللين الماليين المعتمدين،
وجمعية المحللين الماليين المعتمدين في البحرين









كلمات دالة

aak_news