العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٣ - الأربعاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤١هـ

مقالات

ترامب والعرب: ماذا نتوقع؟.. ماذا سنفعل؟ 2
نــــــص الحـــديــــث فـــــي الحلقـــــة النقـــــاشيـــــة بمجـــــلس النــــــــواب

بقلم: السيد زهره

الخميس ١٧ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



ذكرت في الجزء السابق أن المواقف العامة التي عبر عنها الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب من القضايا العربية هي بشكل عام إيجابية، ومن الممكن إذا التزم بتنفيذها فعلا حين يدخل البيت الأبيض ان تفتح الطريق أمام إعادة إرساء العلاقات على أسس جديدة بالنسبة إلى دول مجلس التعاون والدول العربية عموما.
لكن السؤال الجوهري المطروح هو : وهل من المتوقع أن يلتزم ترامب فعلا بهذه المواقف التي أعلنها ويترجمها في سياسات إدارته إزاء الدول العربية؟
هناك آراء مختلفة هنا، لكن الأمر سوف يتوقف على عوامل كثيرة من المهم أن نتوقف عندها.
وغير هذا، الأهم هو ما الذي يجب أن نفعله نحن في مجلس التعاون وعلى الصعيد العربي العام؟

}}}
رئيس قوي.. ولكن
البعض يرى أن ترامب سوف يكون رئيسا قويا قادرا على تنفيذ السياسات التي يراها، لأسباب كثيرة .
من هذه الأسباب أنه مستقل، فاز بالانتخابات من دون أن يكون مدينا لأحد لا ماليا ولا سياسيا، لا للمؤسسة الرسمية ولا لجماعات ضغط ولا حتى لحزبه، بالعكس فاز رغم وقوف الكل تقريبا ضده، ولهذا، حين يدخل البيت الأبيض سيكون في مركز قوة في مواجهة هؤلاء.
ومن هذه الأسباب أن الكونجرس معه الآن بعد أن هيمن الجمهوريون عل مجلسي الشيوخ والنواب. ولهذا، من المتوقع أن يكون الكونجرس عونا له لا معرقلا لسياساته.
ومع أن هذا صحيح، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة.
هناك الكثير جدا من العوامل والاعتبارات التي على أساسها سوف يتحدد ما اذا كان ترامب سيكون قادرا على تنفيذ ما يريد من سياسات ومنها المتعلقة بالدول العربية أم لا.
ونستطيع أن نلخص أهم هذه العوامل والاعتبارات فيما يلي:
أولا: معروف بشكل عام أن هناك فارقا بالضرورة بين المواقف التي يعبر عنها المرشح في فترة الحملة الانتخابية وبين ما ينفذه فعلا حين يصل إلى الحكم.
في فترة الحملة الانتخابية، من الطبيعي أن المرشح يطرح من المواقف ما يرى أنها ستلقى قبولا عاما في الداخل والخارج من دون أن يكون مقيدا بحسابات محددة، لكن حين يصل إلى السلطة يصبح مقيدا بحسابات كثيرة جدا.
لهذا، قد يتراجع بالضرورة عن بعض المواقف ولا يتراجع عن أخرى.
ونتذكر بالطبع على سبيل المثال المواقف التي عبر عنها أوباما حين كان مرشحا، والتي لقيت ترحيب العالم كله والوعود التي قطعها، وكيف انتهى به الأمر رغم قضاء ثماني سنوات في الحكم.
طبعا، هذا له جوانب سلبية وأخرى إيجابية.
مثلا، من الجوانب الإيجابية ان ترامب حين يتسلم الحكم سيتراجع على الأرجح عن الفكرة العنصرية التي طرحها أثناء الحملة الانتخابية بمنع دخول المسلمين إلى أمريكا.
ومن الجوانب السلبية، أنه قد يتراجع عن بعض أو كثير من المواقف التي عبر عنها تجاه القضايا العربية والتي نعتبرها نحن إيجابية وذكرناها.
ثانيا: والأمر في جانب مهم منه يتوقف على الأشخاص الذين سوف يختارهم لاحتلال المواقع القيادية في إدارته وطبيعة مواقفهم وتوجهاتهم.
وبالنسبة إلينا في الدول العربية، علينا أن ننتظر لنرى من سيعينهم ترامب في المواقع القيادية وما هي المواقف المعروفة عنهم إزاء دولنا وقضايانا، وما إذا كانوا يشاطرون الرئيس المواقف نفسها أم لا.
}}}
مؤسسات ومراكز قوى
ثالثا: من المعروف أن استراتيجيات وسياسات أمريكا الخارجية لا يحددها الرئيس وحده. الرئيس هو مجرد قوة واحدة من قوى أخرى كثيرة هي التي تقرر وتحدد.
هناك المؤسسات الرسمية الأمريكية الكثيرة.. الكونجرس.. أجهزة المخابرات، وزارة الدفاع، وزارة الخارجية، مجلس الأمن القومي.. الخ. هذه المؤسسات لها درجة من الاستقلالية عن الرؤساء في كل العهود.
وبمقدورها أن تكون عونا له أو معرقلا لسياساته.
في عهد أوباما مثلا، اكتشفنا لاحقا أن أجهزة المخابرات الأمريكية، وإلى حد ما وزارة الدفاع أيضا، لم تكن راضية عن سياسات أوباما تجاه قضيتين كبيرتين هما، إيران وسوريا.
وعلى العكس من هذا، كان موقف مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي اخترقه اللوبي الإيراني وأصبح علنا أداة ترويج لإيران وللهجوم على السعودية ودول مجلس التعاون.
كيف سيكون موقف العاملين في هذه المؤسسات من ترامب وسياساته، وإلى أي حد سوف ينجح في جعلها تتبنى مواقفه وسياساته .. هذا أمر مهم.
وكما نعرف، هناك في أمريكا قوى وجماعات مصالح ولوبيات ضغط رهيبة لها نفوذ هائل ولها بالضرورة كلمة في تقرير السياسات والمواقف الرسمية، وهي ما يعتبر البعض أنها تمثل «حكومة سرية» هي التي تحكم فعلا.
هذه القوى والجماعات لديها قدرات هائلة وسطوة كبيرة تفوق قدرات أي رئيس أيا كان.
وهنا، وفيما يتعلق بمدى قدرة ترامب على تنفيذ مواقفه وسياساته التي تعهد بها وموقف هذه القوى والجماعات تثار تساؤلات كثيرة، منها على سبيل المثال ما يلي:
.. هل المجمع الصناعي العسكري في أمريكا بمصالحه الأخطبوطية في العالم سيسمح لترامب أن ينفذ ما وعد به من تقليل تدخلات أمريكا في الخارج، وعدم التورط في صراعات أو حروب؟
هل مثلا، الشركات الأمريكية العملاقة التي تريد الدخول إلى السوق الإيرانية، ومعها اللوبي الإيراني واسع النفوذ، ستسمح له بتنفيذ مواقفه من إيران والدخول في أي شكل من أشكال المواجهة معها؟
هل مثلا القوى الأمريكية النافذة من المحافظين الجدد وغيرهم التي تريد بناء الامبراطورية الامريكية وعملت كثيرا من أجل هذا، والتي تريد تدمير الدول العربية وتقسيمها سوف تستسلم وتنساق الى ما يريده ترامب؟
هذه القوى صاغت مشروعها منذ سنوات طويلة، واستثمرت فيه كثيرا، وقطعت شوطا واسعا في تنفيذه في منطقتنا العربية بالذات، ولا يمكن تصور أنها ستقف صامتة.
رابعا: وينبغي ألا ننسى أن تجربتنا نحن بالذات في الدول العربية تجربة مريرة جدا مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية أو ديمقراطية.
مع كل هذه الإدارات، وجدنا أن هناك خطوطا ثابتة لا تتغير في استراتيجية وسياسات أمريكا تجاهنا، وكلها معادية لنا وتستهدف دولنا ومجتمعاتنا.
ويكفي هنا ان نتأمل تجربتنا مع جورج بوش الجمهوري ثم مع أوباما الديمقراطي. تصورنا أن أوباما سوف يكون مختلفا عن بوش في عدوانيته وجرائمه التي ارتكبها بحق دولنا، ثم اكتشفنا لا حقا أنه أسوأ من بوش بكثير جدا.
على ضوء كل هذه العوامل التي ذكرناها، تصبح النتيجة واضحة.
ليس هناك أي ضمان الآن بأن ترامب سوف يلتزم فعلا بالمواقف التي اعتبرناها إيجابية من الدول العربية والقضايا العربية. لا أحد بمقدوره الآن أن يجزم ماذا سيفعل بالضبط، وكيف ستكون سياساته ومواقفه عمليا حين يدخل البيت الأبيض.
}}}
ماذا سنفعل نحن؟
ما الذي يترتب على كل هذا بالنسبة إلينا في الدول العربية؟
أي موقف يجب أن نتخذ؟ وماذا علينا أن نفعل بالضبط؟
أمران جوهريان يجب تأكيدهما هنا:
الأول: اننا يجب ألا نبالغ في توقعاتنا فيما ننتظر أن تفعله أو لا تفعله إدارة ترامب.
بعبارة أدق، المنطق السياسي السلمي يقول إننا في مجلس التعاون وكل الدول العربية يجب أن نبني حساباتنا على افتراض الأسوأ.
بمعنى أننا يجب أن نبني حساباتنا على افتراض أن ترامب لن يفعل شيئا إيجابيا بالنسبة إلينا، وعلى افتراض أنه سيكون علينا أن نتعامل في عهده مع نفس السياسات والمواقف العدوانية التي عهدناها من الإدارات السابقة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نكون مستعدين للتعامل إيجابيا مع أي موقف أوسياسة نعتبرها إيجابية بالنسبة إلينا تصدر عن إدارة ترامب.
والثاني : يجب أن ندرك لكل هذا، أن الأمر برمته متوقف علينا نحن لا على إدارة ترامب.. متوقف على ماذا سنفعل نحن دفاعا عن أوطاننا وشعوبنا.
في كل الأحوال، يجب أن نرتب أنفسنا ونبني حساباتنا على أساس أنه لن يحمينا ولن يضمن أمننا ومصالحنا إلا ما نفعله نحن.
والمطلوب هنا معروف تماما للكل.
علينا قبل كل شيء أن نوحد مواقفنا وصفوفنا.
من الغريب جدا والخطير جدا أننا حتى اليوم، ورغم كل الأخطار الداهمة التي نتعرض لها، ورغم أن أوطاننا كلها معرضة للتدمير، فإننا عاجزون عن الاتفاق على مواقف ورؤى سياسات موحدة إزاء أي قضية، لا في إطار مجلس التعاون ولا على الصعيد العربي العام.
حتى اليوم، ليس لنا أي موقف موحد لا في مواجهة إيران، ولا في كيفية التعامل مع أمريكا، ولا إزاء قضايا مثل سوريا أو غيرها.
وعلينا أن نحشد إمكانياتنا وقدراتنا مجتمعة، بهدف بناء قوة ذاتية مشتركة قوية وقادرة على مستوى مجلس التعاون وعلى مستوى الدول العربية.
علينا أن نتوقف عن انتظار ترامب أو غيره، وماذا سيفعل، وهل سيكون في صالحنا أم لا.
باختصار، علينا أن نفرض إرادتنا نحن في كل الأحول.. نفرضها بالقوة وبوحدة الصف.
إذا لم نفعل هذا، ليس لنا أن نتوقع أي تغيير في صالحنا لا من أمريكا ولا من غيرها.
ينبغي أن ندرك هنا ما فعلته إيران. إيران بالقوة والإرهاب فرضت وجودها في المنطقة دفاعا عما تتصور أنها مصالحها. ولهذا رضخت لها أمريكا.
}}}
فرصة للحوار والتفاهم
على ضوء كل ما ذكرت، أريد أن أنهي هذا الحديث بتأكيد الأمور التالية:
1 – انه، على الأقل على ضوء المواقف التي عبر عنها ترامب من القضايا العربية والتي اعتبرنا أنها مواقف إيجابية، هناك مبدئيا مجال واسع للحوار البناء والتفاهم مع إدارة ترامب على أسس صريحة واضحة محددة، من دون كذب وخداع وتضليل كما كان الحال مع أوباما.
أعني أن ترامب على الأقل هو رجل صريح يقول ما يريد بوضوح وصراحة من دون مواربة. هذا عكس الحال مع أوباما الذي كان يؤكد في كل مناسبة على التحالف مع دول مجلس التعاون وأنه لم يهتز، وأن الشراكة الإستراتيجية قائمة ومستمرة، لكنه كان في الوقت نفسه يتآمر علينا ويخطط لتدمير دولنا، ويتواطأ مع نظام إرهابي مثل النظام الإيراني في سبيل تحقيق ذلك.
2 – بالتالي، هناك مبدئيا فرصة مع إدارة ترامب لإعادة إرساء العلاقات مع أمريكا على أسس جديدة. هذا بالطبع، إذا أثبت حين يتولى السلطة فعليا أنه متمسك فعلا بمواقفه، وأنه مستعد لترجمتها في شكل سياسات عملية إزاء الدول العربية وقضاياها، وإزاء النظام الإيراني.
3 - لهذا يجب أن نبادر إلى فتح قنوات الحوار مع الإدارة الجديدة من الآن وألا ننتظر حتى يناير القادم حين يتولى ترامب السلطة، وأن نطرح رؤيتنا ومخاوفنا وحقيقة أوضاعنا وما نريده نحن من أمريكا، وتصورنا لطبيعة العلاقات معها كما يجب أن تكون. وأن نستمع في المقابل إلى رؤى وتصورات الإدارة الجديدة.
وهنا في البحرين، ونحن نتحدث في رحاب مجلس النواب، يمكن أن يلعب المجلس دورا مهما.
أدعو المجلس إلى أن يبادر من الآن بالتواصل مع الكونجرس الأمريكي الجديد والتحاور معه.
مطلوب هذا ليس من مجلس النواب فقط، وإنما من الدوائر الرسمية، وأيضا قوى المجتمع.
وكل ما هو مطلوب هنا هو توضيح حقيقة الأوضاع في البحرين، وحقيقة ما مرت به، وانتقاداتنا ومآخذنا على إدارة أوباما وما فعلته.






كلمات دالة

aak_news