العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٦ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

التربية الحضارية في الآيات القرآنية.. (16) إن الله يأمر بالعدل

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٨ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



جَمَعت بعض الآيات القرآنية أهم معالم التربية البانية للحضارة الإنسانية ومنها قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90).
العدل: هو المساواة في المكافأة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر (مفردات ألفاظ القرآن – الراغب الأصفهاني).
والعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفورة، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية، والمركبة منها – في حقه وحق عباده ويعامل الخلْق بالعدل التام، فيؤدي كل والٍ ما عليه، تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى (أي: الحكم) ولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي.
والعدل هو: ما فرضه الله عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك، فلا تبخس لهم حقًا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم أو تظلمهم. (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن السعدي، ص: 513).
يقول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58).
يقول صاحب تفسير الظلال رحمه الله في تفسيره: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ) فالنص يطلقه هكذا عدلاً شاملاً كاملاً (بَيْنَ النَّاسِ) جميعًا، لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلاً مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا، فهذه الصفة –صفة الناس– هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهاج الرباني، وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعًا: مؤمنين وكفارًا أصدقاء وأعداء سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا.. والأمة المسلمة قيَّمة على الحكم بين الناس بالعدل متى حكمت في أمرهم –هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط– في هذه الصورة– إلاّ على يد الإسلام، وإلاّ في حُكم المسلمين وإلاّ في عهد القيادة الإسلامية للبشرية والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة، فلم تذق له طعمًا قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعًا لأنهم ناس. (في ظلال القرآن: 52، ص: 414).
قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فإن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9).
يقول محمد علي الصابوني –أثابه الله– في صفوة التفاسير؛ أي: وإن حدث أن فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحوا بينهما، واسعوا جهدكم للإصلاح بينهما (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) أي: فإن بغت إحداهما على الأخرى وتجاوزت حدها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصممت على البغي (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ)، فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه.. وتقلع عن البغي والعدوان وتعمل بمقتضى أخوة الإسلام.
(فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) فإن رجعت وكفت عن القتال والبغي فأصلحوا بينهم بالعدل دون حيف على احدى الفئتين واعدلوا في جميع أموركم (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي: يحب العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم. انتهى.
وحفلت الأحاديث النبوية بالدعوة إلى العدل.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) (صحيح).
وقال صلى الله عليه وسلم (أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر) (رواه أحمد في المسند، ع367).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (رواه مسلم).
إن الإسلام يشدد على قضية العدل، ولا يتهاون مع الذين يهجرون العدل ويظلمون الناس فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يغضب عندما تنتهك محارم الله، وذم الحكام والأمراء الظلمة الذين أسسوا حكمهم على الظلم، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم حرصوا على العدل وطبقوه بحزم وشدة.
وهكذا ترى أن كلا من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة يدعوان إلى العدل، ويأمران به.. ويشجعان على إشاعته بين الناس حكامًا ومحكومين، ولينعم الناس بالأمن ولتستقيم الحياة ولا يتم ذلك إلا بإقامة العدل وتربية العدل وهدم الباطل والظلم والإتيان على بنيانه من القواعد والتمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة خير سبيل لتحقيق هذا الأمر (العدل في القرآن الكريم، محمد أحمد الكردي، دار القلم، الامارات العربية المتحدة(ط1) (ص44) (2005) بتصرف قليل.
وقد شدد الإسلام على العدل وعدم انتهاك الحقوق في القتال فقد كتب عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه إلى عامل من عماله انه بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية يقول لهم (اغزوا باسم الله في سبيل الله تقاتلون من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا) رواه مسلم.
وقد أوصى أبو بكر الصديق أسامة بن زيد رضي الله عنهم حين بعثه إلى الروم بقوله: لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا وتحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له.
أين هذا العدل الكريم القويم من الظلم الشنيع والفساد المؤلم الذي فعلته جموع المغول ببغداد عام(1258م)، وعندما طرد ملك قشتالة وليون المسلمين من قرطبة (1236م)، وأين هذا من محاكم التفتيش وما حدث للمسلمين في جوانتانامو وما يحدث في ميانمار وفلسطين وسوريا.
إن تربية العدل منعت المسلمين من قتل من لا يقاتل، وقطع الأشجار، وذبح الحيوان، والحفاظ على النساء والأطفال، هذه هي حضارة الإسلام وتربية المسلمين العظيمة مقارنة بما يحدث من تدمير شامل وإلقاء القنابل الذرية على الناس.
إن العودة إلى التربية الإسلامية وتربية الحضارة الإنسانية في الآيات القرآنية هي الملاذ الأخير للبشرية من جحيم الحروب غير الأخلاقية وأسلحة الدمار الشامل والقنابل الذرية، وبراميل البارود والمواد الكيميائية التي لا تفرق بين مقاتل وطفل أو شاب وامرأة أو مريض وصحيح.






كلمات دالة

aak_news