العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

التربية الحضارية في الآيات القرآنية.. (15) العلوم التقنية

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



بالعمل الجاد والعمل والتقنية والأخذ بالأسباب والإيمان بالله تبنى الحضارة الإنسانية، أما الاتكالية والجهل، والترهب والبعد عن العمل الجماعي فهي عوامل هدم الأمم والحضارات وعندما تسود المعصية يأذن الله بالهلاك.
وقد أكدت الآيات القرآنية على التربية البانية للحضارة الإنسانية القائمة على التقنية والأخلاق الحميدة، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا* إِنَّ مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) [الكهف: 83-84].
قال تعالى: (حَتَّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً* قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا* قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إذا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا* فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا* قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 93-98].
في هذه الآيات تتجلى دعائم التربية الحضارية في الآيات القرآنية بوضوح تام.
أولها: التمكين في الأرض يتطلب الأخذ بالأسباب العلمية والبعد عن الاتكالية والعشوائية. (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا* فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84-85]: أي ملكه الله تعالى من الأسباب العلمية الموصلة لما وصل إليه ما به يستعين على فتح البلدان والوصول إلى أقاصي العمران وتعميرها، وعمل بتلك الأسباب التي أعطاه الله إياها: أي استعملها على وجهها العلمي الصحيح.
فليس كل من عنده المقدرة وشيء من الأسباب يسلكه، فكم من متنفذين وحكام وقادة أعطاهم الله في بلدانهم من أسباب التقدم ومع ذلك أهدروا تلك الطاقات والإمكانات والأسباب وازدادت بلدانهم تخلفا على تخلفهم وفسادًا على فسادهم، كما أنه ليس كل أحد قادرًا على الأسباب، بسبب الجهل وقلة الإمكانات، فإذا اجتمعت القدرة مع السبب الحقيقي والعمل العلمي به حصل المقصود، وإن عُدِما أو عُدم أحدهما، لم يحصل.. إنها أسباب علمية مادية وبشرية داخلية وخارجية، بها صار له حشد عظيم ذو عدة وعُدد ونظام، وعنده من العمل والعلماء والتقنيين ما به تمكن من قهر الأعداء ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها وأنحائها.
(حَتَّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) [الكهف: 93] لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم وقد أعطى الله تعالى ذا القرنين والمختصين معه من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم، وفقههم فراجعهم وراجعوه فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما أمتان عظيمتان من بني آدم في ذلك الزمان فقالوا: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالقتل والتدمير وأخذ الأموال والاحتلال وغير ذلك (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) أي: جُعلا وأجرًا (عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)، ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركًا إصلاح أحوال الرعية، بل قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلباتهم، لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة وشكر ربه على تمكينه وعلمه واقتداره. فقال لهم (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم المشاركة الإيجابية في العمل وأن يعينوني بقوة منكم بأيديكم وجهدكم (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) أي مانعًا من عبورهم عليكم (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي قطع الحديد فأعطوه ذلك (حَتَّى إذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي بين الجبلين اللذين بنى بينهما السد، (قَالَ انفُخُوا) النار، أي أوقدوها إيقادًا عظيمًا واستعملوا لها المنافخ لتشتد فتذيب الحديد والنحاس فلما انصهر النحاس (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا): أي نحاسًا مذابًا، فأفرغ عليه النحاس فاستحكم السد استحكامًا هائلاً، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج وحصن الحديد من الصدأ بالأكسجين الجوي والرطوبة لتغطيته بالنحاس. وهذا يدلل على علم ذي القرنين وأخذه بالتقنية والأساليب العلمية الصحيحة.
(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) أي: فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه وملاسته ولا نقبه لصلادته وصلابته وسماكته وحسن خاماته وعظيم صنعته.
فلما فعل هذا العمل العلمي المحكم والفعل الجميل والأثر الجليل لم يغتر ولم يتكبر ولم يغن ويرقص للسدّ ويشرب الخمور حوله كما يفعل الطغاة والعلمانيون [بفتح العين] عند افتتاح مشاريعهم المماثلة، بل أضاف النعمة إلى موليها وقال (هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي): أي من فضله وإحسانه عليّ وعليكم، وهذا حال الخلفاء الراشدين والصالحين من المتنفذين والعلميين إذا منّ الله عليهم بالنعم الجليلة ازدادوا شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله.
وهكذا تكون التربية الخلقية الحضارية للقادة والشعوب.
كما أن الله سبحانه وتعالى أنزل الحديد وجعله بمواصفات صالحة لإقامة الصناعات العملاقة.
قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز) [الحديد: 25].
فهذه أهم عناصر بناء الحضارة الإيمانية.
إرسال الرسل بالمنهاج، وإثبات ذلك بالكتاب وإقامة دولة العدل بين الناس وإنزال الحديد للصناعات النافعة وخاصة الحربية الحامية للدولة من العدو والحامية للأخلاق الحميدة والفاضلة والدين ولإقامة الصناعات الثقيلة أساس بناء الحضارة العلمية.
قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) [الأنبياء: 80].
أي: علم الله داوود عليه السلام تقنية صناعة الدروع الحديدية، فهو أول من صنعها وعلمها وسرت صناعته من بعده فألان الله له الحديد، وعلمه كيف يسردها والفائدة فيها كبيرة (لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ) أي: هي وقاية لكم وحفظ عند الحرب واشتداد البأس (فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) نعمة الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داوود كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [النحل: 81] [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مرجع سابق].
وهكذا تؤكد الآيات القرآنية على أهمية التربية الحضارية الإيمانية التقنية وأهمية الأخذ بالأسباب العلمية، وهذا ما فطن إليه المسلمون فشيدوا حضارة إسلامية مادية خُلقية فريدة فقدوها وتخلفوا عندما تركوا أهم مقومات إقامتها وعندما اعتبروا العلوم الكونية ليست من العلوم النافعة واعتبروا العلوم الشرعية هي العلوم والاشتغال بغيرها من فعل الشياطين، فتركوا الأخذ بالأسباب العلمية وصاروا ينكبون على المتون ويحفظونها ويلقنونها وعدوهم يقيم الصناعات الحربية والحضارية التي احتلوا بها المسلمين وسيطروا على ديارهم بها.






كلمات دالة

aak_news