العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

أول بيان لتأسيس دولة الإسلام (2)

بقلم: د: علي أبو هاشم

الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



ذكرنا في المقال السابق أن أول مبدأ في بيان تأسيس الدولة الإسلامية الجديدة في المدينة المنورة هو: إفشاء السلام. وبهذا تتضح صورة الدولة وتوجهاتها من حيث المبدأ العام ومن حيث العلاقات مع الآخرين، أما المبدأ الثاني وهو: إطعام الطعام. كما جاء في الحديث. «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ». وإطعام الطعام يدل على التكافل والتراحم ويدل على الترابط والتواصل بين أفراد المجتمع ويقوي العلاقات الاجتماعية في القبيلة والمجتمع الإنساني وإطعام الطعام هنا ليس قاصرا على المسلم بل يشمله وغيره من غير المسلمين، وكانت العرب تعتبر أن الامتناع عن أكل الطعام عداوة، فقالوا: من لم يأكل طعامك لم يحفظ زمامك. يعني إذا امتنع أحد عن أكل طعامك فهو يريدك بشر، فإذا أكل طعامك عظمت حرمتك عنده، ودفع عنك كل ما يستطيع من سوء، هكذا كانت طبيعة العرب، ويا ليتها بقيت فينا، وإطعام الطعام من أعظم خصال الإسلام، فبه تتآلف القلوب وتجتمع الأبدان، وتتوحد الصفوف. ويؤكد هذا ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، «عَنْ عبداللهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإسلام خَيْرٌ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». وجعل البخاري في صحيحه بابا سماه: «بَابٌ إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإسلام». ليظهر أهميته وفضله. وبين القرآن أن من الأعمال التي تُنجي من أهوال يوم القيامة التصدق بإطعام الطعام لذوي القربى واليتامى والمساكين والأسرى والمستضعفين، مع شدة الاحتياج للطعام (وهذا هو الإيثار) يؤثرون غيرهم به، وهذا من قوة إيمانهم ويقينهم بالله. يقول تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا». (الإنسان: 8- 12) ، والإيثار من صفات أهل الإيمان ولا يمكن للمرء أن يصل الى درجة الإيثار إلا إذا غمر الإيمان قلبه، وكانت ثقته بما عند الله أقوى من ثقته بما في يده. يقول تعالى: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون». (الحشر:9)، ويحقق قول الله تعالى: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». (النحل: 96) ، أما المبدأ الثالث في بيان تأسيس الدولة الإسلامية الأولى فهو: صلة الأرحام. كما جاء في الحديث (وصلوا الأرحام) إننا نلاحظ مدى اهتمام الرسول. صلى الله عليه. بتأكيد جوانب القوة في المجتمع المسلم، من حيث التماسك والترابط، لأن قوة الأمم لا تتحقق إلا بقدر تماسك أفرادها، واستقرارها في الداخل، وهو (السلم المجتمعي)، إذ كيف تكون للدولة هيبة في الخارج وهي ممزقة في الداخل؟ فلا يمكن لأمة الانتصار على عدوها وهي مهزومة من داخلها، وهذا ما تعاني منه مجتمعاتنا الإسلامية في عصرنا الحاضر، حيث أثار أعداء الأمة المذهبية والطائفية بين أفراد الأمة، فحل التناحر والتخاصم بين أفراد الأمة الواحدة، فانتشرت الفوضى، وانتشر القتل والفساد في البلاد، وقُطعت الأرحام، وانتُهكت الأعراض، وأعداء الأمة في فرح ينظرون ويرقبون، ما يحدث للأمة الإسلامية، يتحينون الفرصة، وما فتئوا ينشرون مخططاتهم التي تسعى لتفكيك المجتمع المسلم من داخله. فيا حبذا ولو رجعنا إلى بيان رسول الله. صلى الله عليه وسلم. لتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة، الذي يدعو إلى قوة ترابط المجتمع داخليا، وتقوية العلاقات الخارجية، لتكون للأمة هيبتها، ولقد حرص الإسلام على صلة الأرحام، حيث أمرنا الله بصلتها وحذرنا من قطيعتها. يقول تعالى: «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا». (النساء:1) ، ويقول تعالى: «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم». (محمد:22). أخرج مسلم في صحيحه «عنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ. صلى الله عليه وسلم. قَالَ: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ». لقد أرسى الرسول- صلى الله عليه وسلم- مبدأ التعايش بين أفراد المجتمع، بغض النظر عن اللون والقبيلة والجنس طالما وحدتنا العقيدة فكيف تفرقنا العصبية أو غيرها؟ حتى عند اختلاف العقيدة فقد دعا الرسول الى التعايش مع أصحاب العقائد الأخرى، وكان مجتمع المدينة نموذجا لذلك التعايش بين أصحاب العقائد المتعددة، فما أحوجنا أفرادا وجماعات شعوبا وقبائل الى تذكر هذه الأسس وتلك المبادئ التي تحفظ للمجتمع بنيانه وتُقيم أركانه على أسس التقوى والتعايش بين أفراد المجتمع، ونحن نمر بفترة عصيبة من أشد الفترات على الأمة الإسلامية، نسأل الله أن يُخرج أُمتنا من كبوتها، وأن يوحد صفها وكلمتها، ويجمع شملها، فقد تربص بها الأعداء من كل حدب وصوب، وتداعت عليها الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، ولكن هيهات هيهات إنه التمحيص والابتلاء. يقول تعالى: «وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين». (آل عمران:141) ، ويقول تعالى: «ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور». (الحج: 40-41).






كلمات دالة

aak_news