العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٢ - الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

هكذا زكّى رسول الله أصحابه

بقلم: عبدالرحمن هاشم

الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهج إلا القرآن، ولم يكن أصحابه صلى الله عليه وسلم يتربون في مدرسة سوى المسجد، ومن مدرسة المسجد المباركة انطلقت حضارتنا الإسلامية تغير الدنيا بمنهاجها، ولم لا ومدرسة المسجد أزكى وأنبل مدرسة.
ومن هذه المدرسة خرج أنبل من عرفت الدنيا من أساتذة الدنيا في كل الفضائل الإنسانية والعلوم والمعارف، إنها المدرسة التي تهبط فيها الرحمات، وتتلى فيها الآيات، وتشرق عليها أنوار رب العالمين ليصبح خريجوها أساتذة الدنيا كلها.
قوم يجلسون على الحصباء.. جامعتهم مسقوفة بجريد النخيل.. يتساقط عليهم المطر.. ينتظرون ما يأتيهم من السماء.. وحدّهم الإيمان وهم الحفاة العراة رعاة الشاه، فما السرّ؟ السرّ هو هذا الدين الذي أعزّهم «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» (المنافقون: 8).
ويلح علينا السؤال: فيم كانت تحلم هذه العصبة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيم كانت تفكر؟ وماذا تريد؟
إنهم يريدون أن يضعوا في رؤوس الناس عقلاً جديدًا، وأن يقيموا على ظهر الأرض دينًا جديدًا، وأن يبنوا كل البشرية بناء جديدًا.
وأن يصلوا بين السماء والأرض وهم يقولون إياك نعبد وإياك نستعين، وهم القلة في العدد، المفتقدون للعدة، يريدون هداية الناس إلى النظام الجديد والإنسانية الجديدة.
اجتمعت قلوبهم على رب العباد، وكونوا خير أمة أخرجت للناس، وكان عماد تربيتهم أركانًا ثلاثة، حققوا بها العبودية لله رب العالمين.
أولاً: الإيمان الكامل: هذا الإيمان الذي جردهم من كل هدف إلا خدمة دعوتهم، لقد سمعوا النداء فلبوا، وفرّوا إلى الله متخذين «لا إله إلا الله» شعارًا لهم.
ما جذبتهم حضارة الفرس ولا الروم، ولا تقدمهم المادي في ذلك الزمان، وما شغلهم تقدم علمي حازه من سبقهم؛ والفرس مهما بلغ شأوهم وشأنهم وتقدمهم فهم قد عبدوا شهواتهم وأهواءهم؛ وأهل الكتاب قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وما على الأرض من حضارات لم تهتد بهدى الله، ولم تستنر بنور الله.
مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم علمتهم وربتهم على الحق الصراح فتجردوا من وثنيتهم وأهوائهم وشهواتهم، وشعروا بالأنس بالله.
حين يلمون بذنب يبعدهم عن الله يألمون.. كيف لا، وقد علموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين.. كيف لا، وقد انمحت الفوارق التي تباعد بين القلوب.. كيف لا، وقد صبغوا بصبغة جديدة «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة» (البقرة: 138).
ثانيًا: الحب الوثيق واجتماع القلوب، وائتلاف الأرواح.. فعلام يختلفون؟ على عرض زائل من عرض الدنيا؟ على تفاوت في الرتب والوظائف والألقاب وهم يعلمون «إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13).
لكل ذلك اجتمعوا وتوحدوا، وصاروا إخوانًا في الله، فلم يحقر أحد منهم أحدًا، بل أحب كلٌ أخاه حبًا بلغ درجة الإيثار، لأنهم قرأوا قول الله تعالى «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين» (التوبة: 24) فكان حبهم لله، وبغضهم في الله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، فاصطبغت حياتهم بهذا الحب، وعلى هذا تربوا.
ثالثًا: تربوا على التضحية التي دفعتهم إلى تقديم كل ما يملكون من النفس والنفيس لله رب العالمين، حتى أن أحدهم كان يتحرج أن يأخذ شيئًا من الغنيمة التي أحلها الله لهم حتى أنزل المولى فيهم «فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا» (الأنفال: 69).
لذلك خرجوا من الذلة إلى العزة، ومن الغربة إلى الوحدة، ومن الجهالة إلى العلم، فكانوا بناة الحضارة، وهداة البشرية، وما اكتسبوا ما اكتسبوا إلا بتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.
* عضو اتحاد كتاب مصر






كلمات دالة

aak_news