العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

مفهوم القرية والمدينة في القرآن الكريم (1-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



تكرر ذكر القرية والمدينة في القرآن الكريم عدة مرات، فقد ورد ذكر القرية في آيات القرآن الحكيم 56 مرة، أما المدينة فقد جاء ذكرها 9 مرات. إن مفهوم القرية والمدينة في عصرنا المدني الحاضر يختلف جملة وتفصيلا عن مفهومها في القرآن الحكيم. فاليوم ننظر إلى القرية بمفهوم المنطقة الأصغر حجما وسكانا من المدينة، والتي عادة ما يبلغ سكانها ما بين بضع مئات أو بضعة آلاف، كما أن القرية في المفهوم العصري الحديث غالبا ما تقع في المناطق الريفية في أي بلد على الكرة الأرضية، ما عدا استثناءات قليلة تمثل بعض ما يطلق عليه القرى الحضرية والتي تأخذ عادة مصطلح الأحياء الحضرية كما في المدينة.
إن مواصفات المدينة بمفهوم العصر الحاضر واضحة وجلية فهي المنطقة الكبيرة المكتظة بالسكان والتي تعد مركزا مهمًا للثقافة والسياسة إذا كانت عاصمة للدولة وكذلك للتجارة وغيرها، كما لديها خدمات متكاملة من المرافق وأنظمة النقل والبنية الأساسية كالشوارع والطرقات والجسور والصرف الصحي والمحلات والمجمعات والمباني الكبيرة المختلفة الأحجام والتصاميم، وكذلك مرافق الترفيه وتوافر الاحتياجات المعيشية اليومية لسكانها ووافديها.
أما القرية فهي عادة ما تقع خارج المدن أو على أطرافها، وخاصة في المناطق الريفية التي تزدهر عادة بالحقول الزراعية والأشجار والإنتاج الزراعي الكثيف، والقليل منها الذي يوجد في المناطق الحضرية القريبة من المدن. وتختلف القرى في أحجامها وعدد سكانها ولكنها في الأخير تكون أصغر من المدينة، كما أن طبيعة القرى أنها تقع متقاربة بعضها إلى بعض، حيث يتمكن سكانها من الاختلاط فيما بينهم نظرًا إلى قرب المسافات بين مساكنهم.
في الماضي اعتبر الكثير من القرى كأنها مدن صغيرة تضم عددا قليلا من السكان يعيشون على أرضها، وعندما ابتدأت الثورة الصناعية تأخذ أبعادها في التطور والنمو جذبت كثيرا من أهالي القرى للعمل في المطاحن والمصانع والورش الصغيرة ومكاتب الخدمات والإدارة، فاكتظت المدن بالسكان حتى وصل البعض منها إلى أحجام سكانية رهيبة وأصبحت معلما من معالم الازدحام الفائق الحدود، كمدينة نيويورك، طوكيو، دلهي، بكين، بانكوك، القاهرة، ساو باولو في البرازيل، وإسطنبول في تركيا وغيرها الكثير. ومع ذلك ظلت القرية تمثل في نموذجيتها المكان الصغير الهادئ الذي يتكون من 15 إلى 30 أسرة أو أكثر من ذلك.
كما يتضح أن هناك فرقا آخر بين القرية والمدينة وفقا للمفهوم العصري، وهو أن المدينة عادة ما تكون صاخبة بالضوضاء والحركة والنشاط نتيجة تزايد النمو في السكان ونتيجة التلوث المنتشر في أجوائها وأركانها، وحتى المياه قد تتعرض للتلوث، وزيادة أمراض البشر بسبب التلوث والحياة الصاخبة، ولكن مع كل ذلك فلربما تكون الحياة في المدينة ممتعة ورائعة نظرًا إلى كثرة مشاريعها الجديدة وأدوات ومحلات التسالي فيها، والتسهيلات المتعددة من حيث التعليم والعلاجات الطبية وفرص العمل وغير ذلك مما يجعل الحياة أكثر استقرارا وأكثر متعة وتحديا.
أما القرية فلها مزايا كما لها عيوب أخرى، فقد نرى في القرية رحابة الصدر وصدق المعايشة بين سكانها، وسلوك الناس يكون الأكثر ترحيبا للغير، وأكثر مراعاة لبعضهم البعض وأكثر ودية وحفاظا على التقاليد والعادات الطيبة. كما أن سكن القرية أكثر صحة وعافية لسكانها نتيجة نظارة وسلامة الأغذية فيها واعتماد سكانها على المشي مسافات طويلة بين البيوت والمزارع وبين الجبال صعودا ونزولا.
ونأتي إلى معنى القرية والمدينة كما ورد ذكرهما في القرآن الكريم فنرى أنه يختلف عن المفهوم العصري جملة وتفصيلا، فلفظ القرية في القرآن يعني ويدل على لفظ المدينة في عصرنا الحاضر، بمعنى آخر فإن القرية في القرآن تغاير في المعنى مدلولها حاليا، ويأتي لفظ القرية في المعاجم اللغوية بأنها تدل على جمع واجتماع، وسميت بهذا الاسم لاجتماع الناس فيها، ولفظ القرية ورد في القرآن الكريم في ستة وخمسين موضعا، وجاء الاسم بصيغة المفرد في قوله تعالى «.... رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا....» (النساء/75)، كما جاء الاسم في موضع آخر بصيغة الجمع في قوله سبحانه وتعالى «.... وَلِتُنْذِرَ أم الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا....» (الأنعام/92).
ولفظ القرية عندما يتكرر في القرآن فإنه يدل على بقعة ذات حجم كبير ويسكنها آلاف من البشر، ولربما تعادل في حجمها مدن اليوم، وهي في تلك العصور التي مرت على البشرية، وخاصة عندما أرسل الله الرسل والأنبياء إنما تمثل مكانا كبيرا لمجتمع كبير وكثير العدد ومتطور في البنيان والتحضر العمراني بقياس ذلك الزمان، قال تعالى «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أو مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)» الإسراء، وقوله سبحانه «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)» (الحج).






كلمات دالة

aak_news