العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٨٥ - السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو الحجة ١٤٤١هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام
الفنون الإسلامية: صناعة الخزف وتصميم الفخار (5)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ١٤ أكتوبر ٢٠١٦ - 03:00



صناعة الخزف في مصرنا الحبيبة:
وتدل الزخارف الدالة على الخزف أنها محززة الشكل في بطانته البيضاء, وتظهر من هذه التحزيزات لون جدار الآنية البني المحمر وقد عرف هذا النوع باسم الفخار المطلي بالمينا, ويرجع أن الخزف كان للاستعمال اليومي في منازل الأمراء. وقد عثر على آنية نُقش عليها اسم أحد المماليك وهو السلطان (مالك ناصر محمود) المتوفى في عام 741هـ (1341م). وقد ظهر في مصر نوع من الخزف الشعبي وهو أرخص وأكثر استعمالا وهو الفخار المطلي بالمينا المتعدد الألوان, وكان استعماله غالبًا في المطابخ والحاجيات اليومية ويتكون بدنه من طينة عادية فخارية حمراء وسوداء اللون تغطيها البطانة البيضاء ترسم فوقها الزخارف الملونة, وتحدد الرسوم بخطوط محزوزة في بطانة الإناء, ويعلو هذه الزخارف طلاء زجاجي شفاف, وقد تنفذ بروزة الزخارف بعجينة طلاء زجاجي ملون أي بطينة سائلة بطريقة القرطاس أو القمع.. وقد نجح الخزافون المصريون في هذا النوع في استخدام خامات رخيصة لإنتاج تحف ذات جمال خاص للاستعمال اليومي المستهلك وتزدان الأواني أحيانًا من الفخار المطلي بأشكال هندسية بعضها يشبه قرص الشمس وأشرطة وجدايل ثم زخارف برسومات حيوانية وطيور مختلفة. وفي بعض الحالات رسومات تمثل الصيد أو الجياد أو بحّارًا يمسك بمرساة قاربه, وتمثل الكتابات مكانا بارزًا في زخارف أواني العصر المملوكي بالخط الثلث الجميل أو تحمل عبارات دعائية لصاحب الإناء أو أسماء أصحابها وألقابهم ووظائفهم. لكن بدأت صناعة الخزف المصري في الاضمحلال في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي لأن البورسلين الصيني غمر الأسواق المصرية بكميات كبيرة, وأقبل الناس على اقتنائها, وخاصة بعد الضعف المتزايد الذي أصاب هذه الصناعة المحلية, وتدهورت بعد الفتح العثماني التركي عام 1517م وأخذت مصر تستورد حاجاتها من الخزف من آسيا الصغرى كما أن حريق مصنع الفخار بالفسطاط له دور كبير. والآن يوجد في مصر مركز للخزف الإسلامي من أكبر مراكز الخزف، ملحقة به ورشة ومتحف ومركز ثقافي.
} الخزف في العراق أرض الرافدين:
يقول الأستاذ وفيق صفوت مختار عن الخزف الإسلامي في العراق موضحًا: بعد سقوط الدولة الأموية ثم الاستيلاء على الخلافة الإسلامية عام 750م, وفي عهد الخليفة أبي جعفر المنصور بين عامي 136-157 هـ (754-775م) أنشئت عاصمة جديدة عرفت باسم بغداد ولفظ بغداد أصلاً مشتق من كلمتين هما باغ وداد, ويقال إنه كان هناك بستان يملكه صاحبه يطلق عليه داد فكلمة باغ هو بستان أو خميلة وداد صاحب البستان فلفظ المكان أصبح بغداد.
وقد صارت بغداد مركزًا مهمًّا للفنون الإسلامية فنهضت الصناعات الخزفية واستطاع الخزافون المسلمون أن يتوصلوا إلى اكتشاف أساليب جديدة وابتكارية في الصناعات الخزفية, فكان ذلك إما بطريقة الحز وإما بالضغط على العجينة لتكوين بعض الزخارف البارزة, كما استخدمت طريقة رسم الزخارف تحت الطلاء بلون واحد أو عدة ألوان. وينسب إلى أوائل العصر العباسي مجموعة من الأواني الفخارية التي زخرفت بطريقة الخطوط المحفورة أو البارزة وقوامها من أشكال هندسية ونباتية وطبيعية, وكان الابتكار الأهم الذي اهتدى إليه الخزافون المسلمون العراقيون هو إكساب الإناء الخزفي بريقا معدنيًا يختلف عن لونه بالأحمر النحاسي أو الأصفر المخضر, وكان البريق يكسب السطح لمعانًا يشابه لمعان الأواني المعدنية وبذلك تمكنوا من الاستغناء عن الأواني الذهبية والفضية التي كان الفقهاء المسلمون يستنكرون استعمالها لدلالتها على الإسراف والبذخ والتبذير. وإلى جانب هذا الابتكار المجدي اكتشف الخزافون أسلوبا جديدا يتضمن زخرفة الإناء بالبريق المعدني ورسم العناصر الزخرفية بألوان متعددة من الطلاء المعدني الأصفر والزيتوني المحمر على الأرضية البيضاء المغطاة بالطلاء الشفاف وبعدها استخدموا صناعة البلاطات الخزفية التي تكسو الجدران حيث وجد منها أمثلة في بعض قصور سامراء (أو سر من رأى) وفي محراب جامع عقبة بن نافع في مدينة القيروان, وقد وجد أفضل أنواع الخزف المزجج في مدينة سامراء فأصبح البريق المعدني أسلوبًا في جميع أرجاء العالم الإسلامي. وبحلول القرن التاسع الميلادي كان عرب العراق يبدعون أعمالا فخارية مزججة تشبه تلك التي أبدعت في سلالة تانغ الملكية الصينية, ورغم أن صانع الفخار المسلم قد تأثر إلى حد ما بإبداع نظيره الصيني فإنه وظف موهبته في هذا الفن الجديد, وقدمت كل منطقة من العالم الإسلامي فخارًا متميزًا, وقد درج المبدعون على توقيع أسمائهم على الأعمال التي أبدعوها, وكانوا يتمتعون بمواهب مميزة في ميدانهم.
} الخزف في سوريا الناهضة:
في عهد الأتابكة السلاجقة (1127- 1262م) اشتهرت عدة مراكز سورية بإنتاج الخزف, ومن أهم هذه المراكز مدينة الرقة على نهر الفرات والرصافة غرب الفرات, وكانت مدينة الرقة أهم وأقدم مركز صناعة الخزف في ذلك العصر ونافست بإنتاجها ما صنع في الري وقاشان كما تنسب إلى الرقة أنواع من الخزف قسمها الباحثون إلى نوعين هما:
1-الخزف الأول: وترسم زخارفه بالبريق المعدني البني فوق كل طلاء شفاف يميل إلى الخضرة، ويندر وجود مثل هذا اللون بهذا الشكل في أوان أخرى وتشتمل زخارفه على تفريعات نباتية وكتابات نسخية أو كوفية وأحيانا يكون لونا أزرق جذابًا بعد إضافته إلى الإناء.
2-الخزف الآخر: وهو الذي يتميز بزخارف مرسومة تحت الدهان وبتعدد ألوانه وبه عناصر نباتية أو وحدات آدمية وحيوانية.. ومع العصر المملوكي (648-923هـ) عام (1250-1517م) اشتهرت مدينة دمشق العاصمة السورية بصناعة الفخار. وقد اشتهرت دمشق بالخزف منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وكانت الأواني مزينة بالزخارف الخزفية الشبيهة بالخزف الصيني اللماع الأنيق فتتزين الأواني بالزخارف النباتية المرسومة باللونين الأسود والأزرق تحت الطلاء الخارجي, وغالبا ما تتوسط الزخرفة رسم الحيوانات أو الطيور. ولقد تطور شكل رائد من الفخار الإسلامي في ظل المماليك واتسم بلونه الأحمر, وبتصميماته البديعة المزججة وجمع بين البريق واللون الأحمر أثرًا مدهشًا وأنيقًا. وأبدع صانعو الخزف والفخار السوريون أعمالا متقنة ومدهشة في العديد من المراكز.. ولعل أكثرها أهمية مركز الرقة وبلاد فارس, وكان الخزف وسيطا متقدما في ظل الحكم السلجوقي. وجدير بالذكر أنه كان يصنع إلى جوار توظيف هذا الفن لإنتاج الخزف في الآنية المنزلية والجرار أيضًا إنتاج القرميد الخزفي واستخدامه في المنازل.. وقد أعطى الأسلوب الجديد في الخزف الصناعة للأواني سطحًا ناعمًا وأكثر تألقًا. ولقد أعطي الأسلوب السوري الجديد في فن صناعة الخزف لمعة وشفافية، وأخيرا بقي التأثير الصيني في الفخار الإسلامي وقتا طويلا لأنه أصبح يحظى بالإعجاب على نطاق واسع في أنحاء الدول العربية المجاورة للشام. ويعتبر الخزف الإسلامي من أسهل الفنون وأصعبها في آن واحد.. فهي أبسطها لأنها أكثر أولية وأصعبها لأنها أكثر تجريدا.. وهذه الصناعة كانت من أوائل الفنون التي ظهرت على الأرض وعاشت فترة طويلة يتداولها الصناع. وجدير بالذكر ان جميع الأشكال الفخارية وبغض النظر عن زمانها ومكان عملها يمكن ردها إلى أصول ثلاثة هي أولا: الأواني الفخارية الترابية, وتتميز بالليونة ولها قابلية الخدش عالية بالسكين, وتتميز بالعتمة وتوجد بها مسامات تستجيب لرشح المياه. ثانيا: الأواني الفخارية الحجرية, تتميز بالصلابة ولا يمكن خدشها بالسكين, ولا ترشح الماء وهي متجانسة التكوين, وزجاجية التركيب ووزنها أثقل, وتميل إلى الزرقة أو الاخضرار في لونها. ثالثا: أواني الخزف الصيني, (البورسلين) تتميز بالصلابة وبالتركيب الزجاجي, ولا ترشح المياه وتتميز بالشفافية نصف شفافة, وتسمح بمرور الضوء وتميل إلى الزرقة أو الاخضرار في لونها, وتمتاز بالثقل في وزنها.
(الهوامش: الموسوعة الحرة, الفخار الإسلامي بين الحرفة والفن من إعداد المخترعين العرب, الزخرفة الإسلامية على الخزف: د. صلاح مهدي محمد جعفر الموسوي. كلية الفنون الجميلة بغداد عام 2012م).






كلمات دالة

aak_news